مقدمة: من مقعد الدراسة إلى موقع المجتمع... كيف تُصنع المصائر عبر التوجيه الجامعي؟
مع الإعلان عن نتائج امتحان البكالوريا، تبدأ في تونس مرحلة لا تقل أهمية عن مرحلة الامتحان نفسه: مرحلة التوجيه الجامعي. ففي هذه اللحظة ينتقل آلاف الناجحين من فضاء التعليم الثانوي إلى فضاء التعليم العالي، حاملين معهم آمالًا شخصية وأسرية كبيرة، وانتظارات مرتبطة بالمستقبل المهني والاجتماعي.
ويُقدَّم التوجيه الجامعي في الخطاب الرسمي باعتباره آلية تقنية محايدة تهدف إلى توزيع الطلبة على الاختصاصات الجامعية وفق معايير موضوعية، أهمها النتائج الدراسية، والصيغة الإجمالية (Score)، وضوارب المواد، وترتيب الاختيارات، وطاقة استيعاب المؤسسات الجامعية. ووفق هذا التصور، يبدو التوجيه عملية حسابية دقيقة تُكافئ الاستحقاق الفردي وتضمن لكل طالب المسار الذي تسمح له نتائجه ببلوغه.
غير أن القراءة السوسيولوجية تدعونا إلى تجاوز هذا التصور التقني، والنظر إلى التوجيه الجامعي باعتباره لحظة اجتماعية حاسمة لا تقتصر على تحديد مسار أكاديمي، بل تساهم في رسم ملامح المستقبل المهني والاجتماعي للأفراد. فالطالب لا يصل إلى هذه المرحلة حاملًا معدله فقط، بل يحمل معه تاريخًا طويلًا من التفاوتات المرتبطة بالأسرة، والمحيط الثقافي، وجودة المؤسسة التعليمية، والانتماء الجهوي، وشروط النجاح التي رافقت مساره الدراسي.
لقد بيّن بيير بورديو أن المدرسة لا تعمل فقط كفضاء لنقل المعارف، بل تساهم أيضًا في إعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية عندما تحول الفوارق الثقافية والاجتماعية إلى فروق تبدو وكأنها ناتجة عن الجدارة الفردية وحدها (Bourdieu & Passeron, 1970). فالمنافسة التعليمية لا تبدأ من نقطة انطلاق واحدة، لأن الأفراد لا يمتلكون الرأسمال الثقافي والاجتماعي نفسه، حتى وإن خضعوا لاحقًا للمعايير نفسها.
غير أن تفسير اللامساواة التعليمية لا يختزل في منطق إعادة الإنتاج البنيوي وحده. فـ ريمون بودون يقدم قراءة مختلفة تؤكد دور الاختيارات الفردية والعائلية، حيث تتخذ الأسر قراراتها التعليمية بناءً على تقديرها للكلفة والمخاطر والفرص المستقبلية (Boudon, 1973). وهكذا لا تكون اللامساواة نتيجة البنية الاجتماعية فقط، ولا نتيجة الاختيارات الفردية فقط، بل نتيجة تفاعل معقد بين شروط موضوعية وقرارات ذاتية تُتخذ داخل فضاء غير متكافئ.
ومن هذا المنظور، يصبح التوجيه الجامعي أكثر من مجرد عملية توزيع للطلبة؛ إنه يمثل لحظة تتقاطع فيها البنية الاجتماعية مع الاختيار الفردي، والتقنية مع السلطة، والرقم مع المصير. فالمعدل والصيغة الحسابية لا يظهران فقط كأدوات للقياس، بل كآليات تقوم بتحويل مسارات مدرسية واجتماعية معقدة إلى نتائج جامعية محددة.
وفي الحالة التونسية، يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة، لأن منظومة التوجيه تعتمد على آليات تقنية دقيقة، مثل الصيغة الإجمالية وضوارب المواد وترتيب الاختيارات. وهذه الأدوات ضرورية لتنظيم عملية ضخمة تشمل آلاف الطلبة، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا سوسيولوجيًا أساسيًا: هل يكفي أن تكون الأداة الحسابية دقيقة حتى تكون نتائجها عادلة اجتماعيًا؟
فالأرقام لا تظهر من فراغ، بل تحمل داخلها آثار المسارات التي أنتجتها. فمعدل التلميذ يرتبط بالشعبة التي درس بها، وبالمؤسسة التي تلقى فيها تكوينه، وبالظروف الجهوية والاجتماعية المحيطة به. لذلك فإن الحياد الرياضي لا يعني بالضرورة حيادًا اجتماعيًا.
ومن هنا تبرز استعارة "الثقوب الدودية" باعتبارها مدخلًا لتحليل هذه الظاهرة. فإذا كان الثقب الدودي في الفيزياء يمثل ممرًا مختصرًا يربط بين نقطتين متباعدتين، فإن "الثقوب الدودية" في المنظومة التربوية تشير إلى تلك الآليات الخفية التي تنقل آثار التفاوت من مرحلة إلى أخرى: من الأسرة إلى المدرسة، ومن المدرسة إلى البكالوريا، ومن البكالوريا إلى التوجيه الجامعي، ثم من الجامعة إلى سوق الشغل.
فالتوجيه الجامعي لا يحدد فقط الاختصاص الذي سيدرسه الطالب، بل قد يؤثر لاحقًا في فرص تشغيله، وقيمة شهادته، وإمكانات حراكه الاجتماعي. إذ إن الاختصاصات الجامعية لا تمتلك القيمة الرمزية والمهنية نفسها، كما أن العلاقة بين الجامعة وسوق الشغل أصبحت أكثر تعقيدًا في ظل ارتفاع أعداد الخريجين وتغير حاجات الاقتصاد.
ومن ثم، فإن السؤال المركزي لا يتعلق فقط بـ كيفية توزيع الطلبة على الاختصاصات، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة الدور الاجتماعي للتوجيه:
هل يمثل التوجيه الجامعي في تونس آلية عادلة لتوزيع الفرص وفق الاستحقاق الأكاديمي، أم أنه يشكل أحد "الثقوب الدودية" التي تعيد إنتاج اللامساواة من المدرسة إلى الجامعة، ومن الجامعة إلى سوق الشغل؟
وانطلاقًا من هذه الإشكالية، يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة سوسيولوجية نقدية للتوجيه الجامعي في تونس، من خلال تحليل العلاقة بين الاستحقاق واللامساواة، بين الاختيار والمحددات الاجتماعية، بين الحياد التقني والفرز الاجتماعي، وبين الشهادة وفرص الاندماج المهني.
فهل تستطيع منظومة التوجيه أن تتحول من مجرد آلية لإدارة المسارات إلى أداة حقيقية لتحقيق العدالة التعليمية والاجتماعية؟ أم أنها ستظل أحد المسالك الخفية التي تنقل الماضي الاجتماعي إلى المستقبل المهني؟
1. التوجيه الجامعي بين حياد الآلية وهندسة المصائر الاجتماعية
يُقدَّم التوجيه الجامعي في تونس، كما في معظم الأنظمة التعليمية الحديثة، باعتباره مرحلة تقنية تهدف إلى توزيع الناجحين في امتحان البكالوريا على مختلف مسالك التعليم العالي وفق معايير موضوعية، أهمها المعدلات المحصل عليها، وترتيب الاختيارات، وطاقة استيعاب المؤسسات الجامعية. ووفق هذا التصور، يبدو التوجيه مجرد عملية تنظيمية محايدة، تُكافئ الجهد الفردي، وتضمن لكل طالب فرصة الالتحاق بالاختصاص الذي تسمح له نتائجه الدراسية ببلوغه.
غير أن القراءة السوسيولوجية تكشف أن التوجيه الجامعي ليس مجرد لحظة إدارية منفصلة عن المجتمع، بل هو محطة حاسمة تتقاطع فيها المدرسة مع الأسرة والاقتصاد وسوق الشغل. فالطالب لا يدخل هذه المرحلة حاملاً معدله فقط، بل يدخلها محمّلًا بتاريخ طويل من الاختلافات في ظروف التعلم، ونوعية المؤسسات التعليمية، والدعم الأسري، والموارد الثقافية المتاحة.
وقد بيّن بيير بورديو أن المدرسة لا تكتفي بنقل المعرفة، بل تساهم أيضًا في إعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية عندما تمنح قيمة أكبر لأنماط ثقافية تكون بعض الفئات الاجتماعية أكثر قدرة على امتلاكها (Bourdieu & Passeron, 1970). ومن هذا المنظور، فإن ما يبدو نتيجة طبيعية للفروق في "الاستحقاق" قد يكون مرتبطًا بفوارق سابقة تشكلت قبل لحظة التوجيه نفسها.
فالطالب الذي نشأ في بيئة أسرية تمتلك معرفة أكبر بمسارات التعليم العالي، وبقيمة الاختصاصات، وبآليات التوجيه، لا يمتلك فقط معلومات أكثر، بل يمتلك قدرة أكبر على اتخاذ القرار. أما الطالب الذي يفتقد هذا الرصيد الثقافي، فقد يجد نفسه أمام منظومة معقدة من الاختيارات دون نفس القدرة على تقدير نتائجها المستقبلية.
غير أن تفسير اللامساواة التعليمية لا يقتصر على رؤية بورديو وحدها. فـ ريمون بودون يقدم قراءة مختلفة، إذ يرى أن الفوارق التعليمية يمكن أن تنتج أيضًا عن اختيارات عقلانية تقوم بها الأسر، حيث تحسب هذه الأسر كلفة الدراسة، ومخاطر الفشل، وفرص النجاح، والعائد المتوقع من كل مسار (Boudon, 1973). وهكذا، لا تكون اللامساواة نتيجة البنية الاجتماعية فقط، ولا نتيجة الاختيارات الفردية فقط، بل نتيجة تفاعل معقد بين ظروف موضوعية وقرارات ذاتية.
ومن هنا تظهر أهمية تجاوز الثنائية بين الحتمية الاجتماعية والاختيار الفردي. فاختيار الطالب لا يحدث في فراغ، لكنه أيضًا ليس مجرد انعكاس آلي لموقعه الطبقي. إنه اختيار يتم داخل فضاء تحدده مسبقًا مجموعة من الإمكانات والقيود.
وفي الحالة التونسية، يكتسب هذا البعد أهمية خاصة، لأن التوجيه الجامعي لا يعتمد على المعدل العام فقط، بل على منظومة تقنية دقيقة تشمل الصيغة الإجمالية (Score) وضوارب المواد وترتيب الاختيارات والطاقة الاستيعابية للاختصاصات. وهذه العناصر تمنح العملية مظهرًا رياضيًا وعلميًا يجعلها تبدو محايدة تمامًا، غير أن السؤال السوسيولوجي لا يتعلق فقط بكيفية اشتغال الخوارزمية، بل بما تنتجه اجتماعيًا.
فالأرقام والمعادلات لا تعمل خارج المجتمع؛ إذ إن قيمة المعدل نفسه تتأثر بجودة المؤسسة التعليمية، وبالشعبة الدراسية، وبالظروف الجهوية والاجتماعية التي أنتجته. لذلك فإن الحياد الرياضي لا يعني بالضرورة حيادًا اجتماعيًا.
ومن هنا تبدأ فكرة "الثقب الدودي": فالتوجيه الجامعي يمثل ممرًا تختصر داخله سنوات طويلة من التفاوتات السابقة، حيث تتحول مسارات مدرسية مختلفة إلى نتائج جامعية ومهنية مختلفة. إنه لا يصنع اللامساواة من الصفر، لكنه قد يعيد تنظيمها وإضفاء الشرعية عليها عبر آليات تبدو تقنية ومحايدة.
وعليه، فإن السؤال الأساسي لا يصبح فقط:
كيف يوزع التوجيه الجامعي الطلبة على الاختصاصات؟
بل:
كيف تتحول هذه العملية التقنية إلى آلية تؤثر في توزيع الفرص والمكانة الاجتماعية داخل المجتمع؟
2. الثقوب الدودية في خوارزمية التوجيه... عندما يتحول الحياد التقني إلى فرز اجتماعي
إذا كان التوجيه الجامعي يُقدَّم باعتباره عملية حسابية دقيقة تقوم على معايير موضوعية، فإن هذا الجانب التقني يستحق قراءة سوسيولوجية متأنية. فالخوارزمية، مهما بدت محايدة، لا تعمل في فراغ اجتماعي، بل تُطبَّق على أفراد يأتون من مسارات تعليمية متفاوتة، ومن بيئات اجتماعية ومجالية غير متكافئة.
في الظاهر، يبدو نظام التوجيه قائمًا على مبدأ بسيط: كل طالب يحصل على الاختصاص الذي تسمح له به نتائجه وترتيب رغباته. غير أن هذا التصور يغفل سؤالًا أساسيًا: هل النتائج الدراسية التي تدخل إلى الخوارزمية هي نفسها نتاج ظروف متساوية؟
هنا يظهر البعد الأول من أبعاد "الثقب الدودي". فالمعادلة لا تبدأ من لحظة احتساب المعدل، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات؛ من اختلاف جودة المؤسسات التعليمية، وتفاوت الموارد المتاحة للتلاميذ، واختلاف الدعم الأسري، والفوارق بين الجهات. وبالتالي، فإن الخوارزمية لا تنتج التفاوت، لكنها تستقبل تفاوتات سابقة وتحولها إلى مسارات جامعية مختلفة.
لقد أشار ميشيل فوكو إلى أن المؤسسات الحديثة لا تمارس السلطة فقط عبر المنع والقمع، بل عبر آليات التصنيف والترتيب والقياس التي تحدد مواقع الأفراد داخل المجتمع (Foucault, 1975). ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى التوجيه الجامعي باعتباره جهازًا للفرز الاجتماعي، ليس لأنه يتعمد الإقصاء، بل لأنه يحول الفروق الكمية إلى مسارات نوعية مختلفة في القيمة والفرص.
وتبرز هذه المسألة بوضوح في اعتماد نظام التوجيه على الصيغة الإجمالية (Score) وضوارب المواد. فهذه الصيغة تمثل محاولة لجعل الاختيار أكثر دقة وموضوعية، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا حول العلاقة بين العدالة الرياضية والعدالة الاجتماعية.
فحين يحصل تلميذ على مجموع معين، فإن هذا الرقم لا يعبر فقط عن قدراته الفردية، بل يحمل داخله تاريخًا كاملًا: نوع الشعبة التي درس بها، المدرسة التي تلقى فيها تكوينه، الموارد المتوفرة لديه، والبيئة الاجتماعية التي ينتمي إليها. لذلك، فإن تحويل المسار الدراسي إلى رقم واحد قد يخفي خلفه تعقيدًا اجتماعيًا كبيرًا.
وهنا لا يعني النقد السوسيولوجي رفض المعايير الرقمية أو الدعوة إلى إلغائها، بل يعني مساءلة حدودها. فالأرقام ضرورية لتنظيم عملية ضخمة تضم آلاف الطلبة، لكن الخطر يكمن في الاعتقاد بأن ما هو قابل للقياس هو بالضرورة عادل اجتماعيًا.
كما يظهر هذا البعد في التراتبية بين الشعب الدراسية. فالشعب العلمية، وخاصة الرياضيات والعلوم التجريبية، تفتح عادة الطريق أمام الاختصاصات الجامعية الأكثر انتقائية ورمزية، مثل الطب والهندسة وبعض المسارات العليا، بينما تجد شعب أخرى نفسها مرتبطة باختيارات أقل جاذبية في المخيال الاجتماعي أو أقل ضمانًا من حيث التشغيل.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بالفارق بين شعب دراسية، بل بتاريخ كامل من التمثلات الاجتماعية التي تمنح بعض المعارف قيمة أعلى من غيرها. فالمجتمع لا ينظر إلى الاختصاصات الجامعية باعتبارها متساوية، بل يبني حولها هرمًا من المكانة والهيبة، وهو ما يجعل قرار التوجيه قرارًا اجتماعيًا بقدر ما هو قرار أكاديمي.
وفي هذا السياق، يمكن فهم بعض آليات التمييز الإيجابي الجهوي التي اعتمدتها الدولة التونسية في فترات مختلفة، مثل التنفيل لفائدة بعض الجهات، باعتبارها اعترافًا ضمنيًا بأن المنافسة الموحدة قد لا تكون عادلة تمامًا عندما تكون شروط الانطلاق مختلفة. فوجود هذه الآليات يعني أن الدولة نفسها تدرك وجود "ثقب دودي جهوي" تنتقل عبره الفوارق بين المناطق إلى نتائج تعليمية مختلفة.
غير أن السؤال يبقى: هل تكفي مثل هذه الإجراءات لتعويض تفاوتات عميقة تراكمت عبر سنوات؟ أم أنها مجرد محاولات لتعديل نتائج نظام إنتاج اللامساواة دون تغيير شروط إنتاجها؟
إن "الثقب الدودي الخوارزمي" يكمن إذن في هذه المفارقة: كلما ازدادت العملية اعتمادًا على الحساب والدقة التقنية، ازدادت حاجتنا إلى طرح السؤال الأخلاقي والاجتماعي حول ما إذا كانت نقطة البداية نفسها عادلة.
فالتوجيه الجامعي لا يوزع الطلبة فقط حسب الأرقام، بل يوزع، بصورة غير مباشرة، فرص المستقبل. ولذلك فإن فهمه يتطلب الانتقال من سؤال "كيف تعمل الخوارزمية؟" إلى سؤال أعمق:
أي واقع اجتماعي تختصره هذه الخوارزمية، وأي فروق تعيد إنتاجها تحت غطاء الحياد التقني؟
3. من الاختيار الجامعي إلى التراتبية الاجتماعية... عندما تصبح الاختصاصات مسارات متفاوتة للمستقبل
لا تتوقف آثار التوجيه الجامعي عند لحظة توزيع الطلبة على الاختصاصات، بل تبدأ بعدها مرحلة أخرى أكثر عمقًا تتعلق بالقيمة الاجتماعية والاقتصادية لهذه الاختصاصات. فالجامعة، في المخيال الجماعي، ليست فضاءً موحدًا تتساوى داخله كل المسارات، بل هي مجال تتدرج فيه الاختصاصات وفق سلم من المكانة والرمزية والآفاق المهنية.
وهنا يظهر بُعد آخر من أبعاد "الثقوب الدودية": فالتوجيه لا ينقل الطالب فقط من التعليم الثانوي إلى التعليم العالي، بل ينقله أيضًا إلى مواقع مختلفة داخل الهرم الاجتماعي. فاختيار اختصاص معين قد يفتح أبوابًا واسعة للحراك الاجتماعي، بينما قد يقود اختيار آخر إلى مسار أكثر هشاشة، ليس بسبب قيمة المعرفة التي يقدمها، وإنما بسبب موقعه داخل البنية الاقتصادية والاجتماعية.
لقد أوضح بيير بورديو أن الشهادات لا تمتلك القيمة نفسها في المجتمع، فهي تختلف حسب الاعتراف الاجتماعي بها وموقعها داخل سوق المكانة والفرص (Bourdieu, 1986). فالشهادة الجامعية ليست مجرد وثيقة تثبت مستوى معرفيًا، بل هي أيضًا رأسمال رمزي يمنح حاملها موقعًا معينًا داخل التراتب الاجتماعي.
ومن هذا المنظور، فإن التوجيه الجامعي لا يوزع الطلبة فقط على مقاعد الدراسة، بل يوزعهم على أنواع مختلفة من الرأسمال الاجتماعي والمهني. فبعض الاختصاصات تمنح أصحابها فرصًا أكبر للنفاذ إلى وظائف مستقرة وذات مكانة عالية، بينما تجد اختصاصات أخرى صعوبة في تحويل المعرفة المكتسبة إلى اندماج مهني.
غير أن تفسير هذه التراتبية لا يمكن اختزاله في منطق إعادة الإنتاج البورديوي فقط. فهنا يعود الحوار مع ريمون بودون مهمًا؛ إذ يرى أن الفوارق في المسارات التعليمية يمكن أن تنتج أيضًا عن اختيارات عقلانية للأسر والأفراد. فالأسرة لا تختار دائمًا المسار الأكثر مكانة، بل قد تختار ما تراه أكثر واقعية بالنظر إلى إمكاناتها، أو إلى تقديرها للمخاطر والكلفة والفرص المستقبلية (Boudon, 1973).
وبذلك، فإن الطالب الذي لا يتجه نحو اختصاص معين لا يكون دائمًا ضحية إقصاء مباشر، كما أن اختياره لا يكون دائمًا حرًا بالكامل. إنه يتخذ قرارًا داخل فضاء من الإمكانات المحدودة، حيث تتداخل الرغبات الفردية مع القيود الاجتماعية والاقتصادية.
وتتجلى هذه الإشكالية في تونس من خلال التفاوت الرمزي بين المسارات الجامعية. فبعض الاختصاصات تحظى بمكانة اجتماعية استثنائية، ويُنظر إليها باعتبارها طريقًا مضمونًا نسبيًا نحو النجاح، في حين تُواجه اختصاصات أخرى بتصورات سلبية مرتبطة بضعف الآفاق المهنية. وهكذا لا يصبح السؤال فقط: ماذا يدرس الطالب؟ بل: ما القيمة التي يمنحها المجتمع لما يدرسه؟
كما أن هذا التفاوت لا ينفصل عن التفاوت بين الشعب في التعليم الثانوي. فاختيارات التلاميذ في المرحلة السابقة تحدد إلى حد كبير مجال الاختيارات الجامعية الممكنة لاحقًا. وبذلك، فإن التوجيه الجامعي يمثل حلقة داخل سلسلة طويلة من التوجيهات السابقة، حيث تتراكم القرارات الصغيرة لتنتج في النهاية فروقًا كبيرة في المصائر.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين المدرسة والجامعة بوصفها مسارًا متصلًا لإنتاج الفرص. فالاختصاص الجامعي لا يمثل بداية مستقلة، بل هو نتيجة لمسار سابق من النجاحات والإخفاقات والاختيارات والقيود. وهذا ما يجعل "الثقب الدودي" التربوي أكثر تعقيدًا: فهو لا ينقل الفرد من مرحلة إلى أخرى فقط، بل ينقل معه كل آثار موقعه الاجتماعي السابق.
إن الخطر لا يكمن في وجود اختلاف طبيعي بين الاختصاصات، فهذا أمر ضروري داخل أي مجتمع، وإنما يكمن في أن تتحول هذه الاختلافات إلى تراتبية مغلقة تحدد مستقبل الأفراد قبل دخولهم الحياة المهنية. فحين تصبح بعض المسارات مرتبطة دائمًا بالفئات الأكثر حظًا، وبعضها الآخر بالفئات الأقل حظًا، فإن الجامعة لا تعود فقط فضاءً للمعرفة، بل تصبح مرآة تعكس البنية الاجتماعية وتعيد إنتاجها.
وعليه، فإن السؤال المركزي يصبح:
هل يختار الطالب اختصاصه فعلًا، أم أن منظومة كاملة من الشروط الاجتماعية والثقافية والاقتصادية تختار له مسبقًا حدود الممكن؟
4. من الجامعة إلى سوق الشغل... عندما تتحول الشهادة إلى بوابة أو حاجز أمام الاندماج المهني
لا تكتمل قراءة التوجيه الجامعي عند حدود الاختصاص الذي يبلغه الطالب، لأن القيمة الحقيقية لهذا الاختيار تظهر لاحقًا عند الانتقال إلى سوق الشغل. فالجامعة لا تمنح فقط معرفة وشهادة، بل تمنح أيضًا موقعًا محتملًا داخل البنية المهنية والاجتماعية. ومن هنا، فإن التوجيه الجامعي يصبح حلقة وسطى بين المسار الدراسي والمصير المهني.
وهنا يظهر بُعد جديد من أبعاد "الثقوب الدودية": فالثقب الدودي لا ينقل الطالب من الثانوية إلى الجامعة فقط، بل قد ينقله من فضاء يحمل وعودًا بالحراك الاجتماعي إلى واقع مهني يتسم بالانتظار وصعوبة الإدماج. فالمسافة بين الشهادة والعمل ليست دائمًا مسافة زمنية، بل قد تكون مسافة اجتماعية تكشف حدود قدرة المنظومة التعليمية على إنتاج فرص حقيقية.
لقد بيّن مانويل كاستلز أن التحولات الاقتصادية المعاصرة جعلت المعرفة والمهارات عناصر أساسية في الاقتصاد الجديد، غير أن هذه التحولات نفسها خلقت أشكالًا جديدة من التفاوت، حيث لم تعد الشهادة وحدها كافية لضمان موقع مهني مستقر (Castells, 1996). فالقيمة الاجتماعية للتكوين أصبحت مرتبطة بمدى قدرته على إنتاج كفاءات تتلاءم مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
ومن هذا المنظور، لا تكمن المشكلة في وجود التعليم العالي أو في ارتفاع عدد خريجي الجامعات، بل في الفجوة التي قد تنشأ بين منطق إنتاج الشهادات ومنطق خلق فرص العمل. فعندما تتوسع الجامعة بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد على استيعاب خريجيها، تتحول الشهادة من وسيلة مضمونة نسبيًا للترقي الاجتماعي إلى شرط أولي داخل منافسة أكثر صعوبة.
وقد أشار ريمون بودون إلى أن توسع التعليم لا يؤدي آليًا إلى تحقيق مساواة أكبر، لأن ارتفاع عدد الحاصلين على الشهادات قد يؤدي إلى تضخم المؤهلات واشتداد المنافسة على المواقع الاجتماعية المحدودة (Boudon, 1973). فالشهادة التي كانت في السابق تميز صاحبها عن غيره قد تفقد جزءًا من قدرتها على ضمان المكانة عندما تصبح متاحة لعدد أكبر من الأفراد دون توسع مماثل في فرص التشغيل.
وفي المقابل، يوضح بيير بورديو أن قيمة الشهادة لا ترتبط فقط بمحتواها العلمي، بل بموقعها داخل النظام الاجتماعي للرموز والمكانات (Bourdieu, 1986). فليست كل الشهادات متساوية في الاعتراف الاجتماعي، وليست كل الاختصاصات متساوية في قدرتها على تحويل الرصيد الأكاديمي إلى فرصة مهنية. وهنا يظهر أثر التوجيه الجامعي: فالقرار الذي يبدو أكاديميًا في البداية قد يحمل آثارًا اقتصادية واجتماعية بعيدة المدى.
وفي السياق التونسي، تبرز هذه الإشكالية بوضوح من خلال التفاوت بين توسع التعليم العالي وبين قدرة سوق الشغل على استيعاب أعداد متزايدة من الخريجين. فالحصول على شهادة جامعية لم يعد يمثل ضمانة تلقائية للانتقال إلى العمل، وأصبح كثير من الشباب يواجهون مرحلة طويلة من الانتظار والبحث عن موقع مهني يتناسب مع تكوينهم.
لكن اختزال البطالة الجامعية في نظام التوجيه وحده سيكون قراءة ناقصة. فالبطالة هي أيضًا نتيجة لعوامل اقتصادية أوسع: ضعف الاستثمار المنتج، محدودية خلق مواطن الشغل ذات القيمة المضافة، وعدم التوازن بين حاجات الاقتصاد ومخرجات التعليم. ولذلك فإن الجامعة لا تستطيع وحدها معالجة أزمة هي في جوهرها أزمة تنموية.
ومع ذلك، يبقى للتوجيه دور أساسي، لأنه يحدد نوعية العلاقة التي ستنشأ لاحقًا بين الخريج وسوق العمل. فحين يتم توجيه أعداد كبيرة نحو مسارات لا تتوفر لها آفاق مهنية كافية، فإن النظام لا يحل المشكلة، بل يؤجل ظهورها إلى مرحلة ما بعد التخرج.
وهنا تتجسد المفارقة الكبرى:
الطالب ينجح في اجتياز البكالوريا، ثم ينجح في الجامعة، لكنه قد يجد نفسه أمام فشل في الانتقال إلى الحياة المهنية.
إنها إحدى صور "الثقب الدودي" الأكثر قسوة؛ لأن الانتقال يبدو في الظاهر صعودًا داخل السلم التعليمي، لكنه قد ينتهي إلى تعثر داخل السلم الاجتماعي.
ومن ثم، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى منظومة التوجيه ليس فقط:
هل أوصلت الطالب إلى الجامعة؟
بل:
هل قادته إلى مسار يسمح له بأن يجد مكانه داخل المجتمع؟
5. نحو عدالة توجيهية جديدة... هل يمكن إغلاق "الثقوب الدودية" في المنظومة التربوية؟
إن الكشف عن الآليات التي تجعل من التوجيه الجامعي مجالًا لإعادة إنتاج بعض أشكال اللامساواة لا يعني الدعوة إلى إلغائه أو رفض مبدأ الانتقاء والتنظيم، فكل منظومة تعليمية تحتاج إلى آليات لتوزيع الطلبة على مسارات مختلفة وفق حاجات المجتمع وقدرات المؤسسات الجامعية. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود التوجيه، بل في الفلسفة التي تحكمه: هل هو مجرد أداة لفرز الطلبة وترتيبهم؟ أم يمكن أن يتحول إلى آلية لتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية؟
إن العدالة التوجيهية لا تعني أن يحصل الجميع على الاختصاص نفسه، فهذا يتعارض مع طبيعة التكوين الجامعي وتنوع المسارات، وإنما تعني أن لا تتحول الفوارق الاجتماعية السابقة إلى محددات نهائية للمصير الأكاديمي والمهني. فالمطلوب ليس إلغاء الاختلاف، بل ضمان أن يكون هذا الاختلاف ناتجًا عن اختيارات حقيقية وقدرات فعلية، لا عن قيود اجتماعية غير مرئية.
وقد أكد جون راولز أن العدالة لا تتمثل في تطبيق القواعد نفسها على الجميع فقط، بل في بناء مؤسسات تأخذ بعين الاعتبار تفاوت المواقع الأولية للأفراد (Rawls, 1971). ومن هذا المنظور، فإن التوجيه الجامعي العادل لا يكتفي باعتماد معايير موحدة، بل يراعي اختلاف شروط الانطلاق بين الطلبة.
كما يوضح أمارتيا سن أن المساواة الحقيقية لا تقاس فقط بتوفير الحقوق الرسمية، بل بمدى امتلاك الأفراد للقدرات الفعلية التي تمكنهم من الاستفادة من تلك الحقوق (Sen, 1999). فالطالب الذي يمتلك المعلومات والدعم والموارد ليس في الوضع نفسه مع طالب يفتقد هذه العناصر، حتى وإن خضعا لنظام التوجيه نفسه.
وانطلاقًا من ذلك، فإن إصلاح التوجيه الجامعي في تونس لا ينبغي أن يقتصر على تطوير الجانب التقني أو تحسين الخوارزميات، بل يجب أن يشمل مجموعة من المستويات:
أولًا: تعزيز العدالة في مراحل ما قبل التوجيه.
فلا يمكن الحديث عن توجيه عادل في نهاية المسار إذا كانت نقطة البداية نفسها غير متكافئة. ويتطلب ذلك تقليص الفوارق بين المؤسسات التعليمية، خاصة بين الجهات، وتحسين جودة التعليم، وتوفير نفس فرص الدعم والإرشاد لجميع التلاميذ.
ثانيًا: تطوير الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي.
فالكثير من الاختيارات لا تتم فقط بناءً على الرغبة، بل على مستوى المعرفة بالمسارات والآفاق. لذلك يصبح توفير معلومات دقيقة حول الاختصاصات، وفرص التشغيل، ومتطلبات كل مسار، عنصرًا أساسيًا في جعل الاختيار أكثر استقلالية ووعيًا.
ثالثًا: إعادة بناء العلاقة بين الجامعة وسوق الشغل.
فالتوجيه لا يمكن أن يكون منفصلًا عن السياسات التنموية. إن إنتاج أعداد كبيرة من الخريجين في مسارات محدودة الآفاق دون رؤية اقتصادية واضحة يجعل الجامعة تتحمل نتائج اختلالات تتجاوز حدودها. لذلك فإن التخطيط الجامعي يجب أن يكون مرتبطًا بحاجات المجتمع، مع الحفاظ على دور الجامعة في إنتاج المعرفة والفكر النقدي.
رابعًا: الاعتراف بالتفاوتات الجهوية والثقافية.
فوجود آليات مثل التنفيل الجهوي يعكس وعيًا بأن المنافسة الموحدة قد تكون غير عادلة عندما تكون شروط الدراسة مختلفة. غير أن الحل الجذري لا يكمن فقط في تعويض النتائج، بل في معالجة أسباب التفاوت نفسها.
وهنا تظهر أهمية تجاوز التصور الذي يجعل التوجيه مجرد لحظة تقنية منفصلة، والنظر إليه باعتباره جزءًا من مشروع اجتماعي أوسع. فالتوجيه لا يحدد فقط من يدخل إلى أي اختصاص، بل يشارك في تحديد من يمتلك فرصًا أكبر للترقي الاجتماعي ومن يواجه احتمالات أكبر للتعثر.
إن إغلاق "الثقوب الدودية" في المنظومة التربوية لا يعني إزالة كل الفوارق بين الأفراد، فهذا غير ممكن وغير مطلوب، بل يعني منع انتقال الفوارق الاجتماعية السابقة بشكل آلي إلى نتائج تعليمية ومهنية لاحقة.
فالمجتمع العادل ليس هو الذي يلغي الاختلافات، بل هو الذي يمنع الاختلافات غير العادلة من التحول إلى مصائر مغلقة.
وفي النهاية، فإن السؤال الجوهري الذي يجب أن يرافق أي إصلاح للتوجيه الجامعي هو:
هل نريد منظومة تكتفي بإدارة اللامساواة الموجودة، أم منظومة تمتلك القدرة على تقليصها وفتح مسارات جديدة للحراك الاجتماعي؟
فإذا بقي التوجيه مجرد آلية لتوزيع الطلبة وفق نتائج نهائية دون النظر إلى الشروط التي أنتجت تلك النتائج، فإنه سيظل أحد "الثقوب الدودية" التي تنقل الماضي الاجتماعي إلى المستقبل المهني. أما إذا أصبح جزءًا من سياسة شاملة للإنصاف، فإنه يمكن أن يتحول من أداة للفرز إلى أداة للتحرير.
الخاتمة: التوجيه الجامعي... من إدارة المسارات إلى صناعة المستقبل الاجتماعي
تكشف القراءة السوسيولوجية للتوجيه الجامعي أن هذه المرحلة لا يمكن اختزالها في كونها عملية تقنية لتنظيم انتقال الناجحين في البكالوريا نحو مؤسسات التعليم العالي، بل إنها تمثل لحظة حاسمة تتقاطع فيها المعرفة بالسلطة، والاختيار الفردي بالبنية الاجتماعية، والمسار الأكاديمي بالمصير المهني.
فالتوجيه الجامعي لا يبدأ عند لحظة إدخال الرغبات في المنصة الإلكترونية، بل هو نتيجة لمسار طويل من التراكمات السابقة: اختلاف جودة التعليم، وتفاوت الموارد الثقافية للأسر، والفوارق بين الجهات، وتراتبية الشعب الدراسية، ثم تأتي الخوارزمية لتترجم هذه المسارات السابقة إلى اختيارات ومسارات جامعية مختلفة. لذلك فإن ما يبدو قرارًا فرديًا محضًا يحمل في داخله آثار تاريخ اجتماعي طويل.
لقد بين التحليل أن فهم التوجيه الجامعي يقتضي تجاوز ثنائية بسيطة بين الاستحقاق الفردي والظلم الاجتماعي. فكما أوضح بيير بورديو، لا يمكن فصل النجاح التعليمي عن الرأسمال الثقافي والاجتماعي الذي يحمله الأفراد معهم، في حين يذكرنا ريمون بودون بأن الاختيارات التعليمية نفسها تلعب دورًا في إنتاج الفوارق عندما تتخذ الأسر قراراتها داخل فضاء غير متكافئ. وهكذا فإن اللامساواة التعليمية ليست نتيجة عامل واحد، بل هي نتاج تفاعل معقد بين البنية والفاعل.
ومن خلال استعارة "الثقوب الدودية"، حاول هذا المقال الكشف عن تلك الممرات الخفية التي تنتقل عبرها الفوارق الاجتماعية من مرحلة إلى أخرى: من الأسرة إلى المدرسة، ومن المدرسة إلى البكالوريا، ومن البكالوريا إلى التوجيه الجامعي، ثم من الجامعة إلى سوق الشغل. إنها ثقوب لا تظهر دائمًا للعين، لأنها تعمل خلف لغة الأرقام والمعايير والإجراءات، لكنها تترك آثارًا عميقة في توزيع الفرص والمكانات.
كما أظهر التحليل أن التوجيه لا يتوقف عند توزيع الطلبة على الاختصاصات، لأن الاختصاصات نفسها لا تمتلك القيمة الاجتماعية والمهنية ذاتها. فالشهادة الجامعية قد تكون جسرًا نحو الاندماج والحراك الاجتماعي، لكنها قد تتحول أيضًا إلى مرحلة انتظار طويلة عندما تنفصل سياسات التكوين عن حاجات الاقتصاد وقدرة سوق الشغل على الاستيعاب.
غير أن نقد التوجيه لا يعني رفضه، فالمجتمعات الحديثة تحتاج إلى تنظيم المسارات التعليمية، وإنما يعني إعادة التفكير في فلسفته. فالتحدي الحقيقي ليس فقط تحسين دقة الخوارزمية، بل ضمان أن تكون نقطة الانطلاق أكثر عدالة، وأن يمتلك جميع الطلبة قدرة فعلية على الاختيار، لا مجرد حق شكلي في الاختيار.
ومن هنا فإن إصلاح التوجيه الجامعي في تونس لا ينبغي أن يكون إصلاحًا تقنيًا فقط، بل مشروعًا اجتماعيًا متكاملًا يقوم على:
- تقليص الفوارق بين الجهات والمؤسسات التعليمية.
- تطوير الإعلام والتوجيه المدرسي.
- مراجعة العلاقة بين الاختصاصات وحاجات التنمية.
- بناء جسور حقيقية بين الجامعة وسوق الشغل.
فالمشكلة ليست في أن تختلف المسارات الجامعية، بل في أن تتحول هذه الاختلافات إلى مصائر مغلقة تحدد مستقبل الأفراد قبل أن تتاح لهم فرص متقاربة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يختزل جوهر الإشكالية:
هل يمثل التوجيه الجامعي في تونس آلية لتنظيم الاختيارات، أم أنه أصبح إحدى البوابات التي تعيد عبرها المنظومة إنتاج اللامساواة تحت غطاء الحياد التقني والاستحقاق الفردي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل الجامعة، بل طبيعة المجتمع الذي نريد بناءه: مجتمعًا تُوزع فيه الفرص وفق منطق الإنصاف وتكافؤ الإمكانات، أم مجتمعًا تنتقل فيه الفوارق القديمة عبر "ثقوب دودية" خفية من جيل إلى آخر.
المراجع:
1. Althusser, Louis. (1970). Idéologie et appareils idéologiques d’tat (Notes pour une recherche).
Paris : ditions Sociales.
2. Bauman, Zygmunt. (2000). Liquid Modernity.
Cambridge: Polity Press.
3. Bernstein, Basil. (1975). Class, Codes and Control, Volume 3: Towards a Theory of Educational Transmissions. London: Routledge & Kegan Paul.
4. Boudon, Raymond. (1973).L’Inégalité des chances. La mobilité sociale dans les sociétés industrielles. Paris : Armand Colin.
5. Bourdieu, Pierre. (1986). "The Forms of Capital." In Richardson, J. (Ed.), Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education. New York: Greenwood Press.
6. Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude. (1970). La Reproduction. léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris : Les ditions de Minuit.
7. Castells, Manuel. (1996). The Rise of the Network Society. Oxford: Blackwell Publishers.
8. Dubet, François. (2004). L’cole des chances. Qu’est-ce qu’une école juste ? Paris : ditions du Seuil.
9. Foucault, Michel. (1975). Surveiller et punir. Naissance de la prison. Paris : Gallimard.
10. Giddens, Anthony. (1984). The Constitution of Society. Outline of the Theory of Structuration.
Cambridge: Polity Press.
11. Morin, Edgar. (1999). Les Sept savoirs nécessaires à l’éducation du futur. Paris : UNESCO.
12. Naville, Pierre. (1963). Vers l’automatisme social ? Problèmes du travail et de l’automation.
Paris : Gallimard.
13. Rawls, John. (1971). A Theory of Justice.
Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press.
14. Sen, Amartya. (1999). Development as Freedom. Oxford: Oxford University Press.
الثقوب الدودية في المنظومة التربوية التونسية (3): التوجيه الجامعي بين وهم تكافؤ الفرص وهندسة اللامساواة
2026-07-17
147 قراءة
مقالات رأي
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال