بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

البيان المفقودة: محمد الصيّاح و اختراع السردية

2026-07-17 44 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
البيان المفقودة: محمد الصيّاح و اختراع السردية
تحت شمس الساحل التونسي الشاحبة حيث تولد الزعامات وتصنع السياسة من مزيج ملوحة البحر وصلابة الصخر ولد محمد الصياح في الحادي والثلاثين من ديسمبر عام 1933 في بلدة بوحجر الصغيرة. لم يكن يعلم ذلك الطفل القادم من عائلة متواضعة لصيقة بالجذور الدستورية الأولى انه سيتحول يوما ما الى المهندس العقائدي لاكثر الامبراطوريات السياسية رسوخا في شمال افريقيا والى الحارس الامين لقلعة الحبيب بورقيبة الفكرية والتنظيمية.
في بلد يضج بصخب التحولات نشأ الصياح على وقع اناشيد الحركة الوطنية ليتلقف تعليمه الاول في مساقط طفولته قبل ان تقوده خطاه الى المعهد الصادقي بالعاصمة، تلك الحاضنة الفكرية التي كانت تصنع عقول النخبة التونسيين.
هناك، وسط جدران المعهد العتيق تفجرت شحنته النضالية مبكرا ليجد نفسه مطرودا عام 1951 اثر قيادته تظاهرة طلابية صاخبة امام قصر الامين باي بقرطاج في تحد سافر للمستعمر واعوانه.
لم ينكسر الشاب بل حمل حقائبه واندفاعه الى معهد الذكور بصفاقس حيث نال الباكالوريا ليلتحق بعدها بدار المعلمين العليا بتونس متوجا مساره بنيل الاجازة في الادب العربي وهي الاداة التي صقلت لغته وجعلت من قلمه وسيلة للسيطرة وصياغة الافكار.
وفي غمرة الحركة الطلابية قاد الاتحاد العام لطلبة تونس بين عامي 1960 و1962 وهي الفترة التي اقترب فيها من اطروحات اليسار والشيوعيين دون ان يسقط في شباكهم التنظيمية مفضلا البقاء في مدار بورقيبة الشمس التي لا تغيب.
التقط رادار الحبيب بورقيبة مبكرا تلك الموهبة التنظيمية النادرة وراى في الشاب المندفع مخلصا عقائديا يمكن المراهنة عليه لتوطيد اركان الجمهورية الوليدة.
في عام 1962 عينه الزعيم مديرا مساعدا للحزب الدستوري الجديد ومسؤولا عن صحيفة الحزب الناطقة بالفرنسية ليرتقي سريعا في اكتوبر عام 1964 ويصبح مديرا للحزب الاشتراكي الدستوري.
في تلك الدهاليز المغلقة كان الصياح يراقب صعود تيار التعاضد بقيادة احمد بن صالح وبراغماتيته جعلته يساند التجربة في بدايتها لكن غريزة البقاء والنزاع حول مراكز النفوذ سرعان ما دفعته للابتعاد عنها مع بوادر سقوطها ليعين
كاتب دولة للاخبار في نوفمبر عام 1969.
لم تكن طريق الصياح مفروشة بالورود في حزب تتقاسمه الاجنحة المتصارعة فقد نجح التيار الليبرالي بقيادة احمد المستيري في اقصائه موقتا في جوان عام 1970 ليرسل سفيرا لدى الامم المتحدة في جنيف كنوع من النفي الدبلوماسي الفاخر غير ان بورقيبة الذي ضاق ذرعا بالليبراليين ومطالبهم بالاصلاح السياسي استدعى تلميذه الوفي مجددا في اكتوبر عام 1971 ليتنقل بين وزارات الاشغال العامة والشباب والرياضة قبل ان يعيده في نوفمبر عام 1973 الى ادارة الحزب برتبة وزير معتمد لدى الوزير الاول القوي الهادي نويرة مشكلا مع نويرة ووزير الدفاع عبد الله فرحات الثالوث الحديدي الذي اغلق منافذ التعددية وكرس حكم الحزب الواحد.
تحول الصياح في هذه المرحلة الى المشرع الفعلي للسرير البورقيبي والمهندس الفكري للشرعية التاريخية.
تولى بنفسه جمع ارشيف الحركة الوطنية لا ليكتب التاريخ بل ليعيد صياغته بما يخدم الاسطورة البورقيبية حاصرا التحرير في شخص المجاهد الاكبر ومهمشا او مشيطنا الخصوم التاريخيين وعلى رأسهم صالح بن يوسف.
كان الصياح هو الصوت الذي روج دستوريا وفكريا لتنصيب بورقيبة رئيسا مدى الحياة عام 1975 مكرسا عبادة الفرد ومحولا الحزب الى كنيسة سياسية تسعى لتأطير كل مناحي الحياة الاجتماعية والمهنية والطلابية وتجفيف منابع المعارضة ليعيش المجتمع في جلباب الرعية المطيعة لمركزية القصر.
لكن السلطة المطلقة تحمل في طياتها بذور فنائها وصراعاتها الدموية،ارتبط اسم محمد الصياح بالصفحات الاكثر قتامة في تاريخ تونس المعاصر وتحديدا في احداث الخميس
الاسود في السادس والعشرين من جانفي عام 1978.
مع تصاعد حدة الازمات الاقتصادية وتنامي قوة الاتحاد العام التونسي للشغل كقوة موازية قادرة على تحدي السلطة اختار النظام لغة الرصاص بدلا من قنوات الحوار.
هنا برز دور الميليشيات الحزبية التي عرفت في التاريخ التونسي بميليشيات الصياح وهي تشكيلات شبه عسكرية من كوادر الحزب الموالين تم استخدامها لاقتحام المقرات النقابية ومطاردة العمال واشاعة الرعب في شوارع العاصمة المكلومة.
اظهر الصياح في تلك الازمة تكتيكات مزدوجة بالغة الخطورة اذ نسق ميدانيا مع زين العابدين بن علي الذي كان مديرا للامن الوطني انذاك ومع وزير الدفاع عبد الله فرحات لاطباق القبضة الامنية العسكرية على البلاد.
وفي الوقت نفسه غض الصياح الطرف عن صعود وتمدد الحركة الاسلامية الناشئة في الجامعة والمجتمع كاداة تكتيكية وظفها ببراعة لضرب نفوذ اليساريين والقوميين المسيطرين على الحركة الطلابية والنقابية.
اسفر ذلك اليوم الدامي عن سقوط مئات الضحايا
فرغم ان السلطة تمسكت بروايتها الرسمية التي تحدثت عن عشرات القتلى الا ان التقارير المستقلة والشهادات النقابية اكدت مقتل ما بين ثلاثمائة الى اربعمائة شخص بل ذهب مدير الاستخبارات العسكرية الاسبق البشير التركي في شهادته التاريخية الى ان عدد الضحايا قارب الف ومائتي قتيل تم التكتم على جثامينهم ودفنهم في مقابر جماعية سرية.
لم تدم نشوة الانتصار الامني طويلا ففي ربيع عام 1980 اصيب الوزير الاول الهادي نويرة بجلطة دماغية حادة ابعدته عن المشهد لتفتح ليلة صراع الخلافة الكبرى مصاريعها.
كان الصياح دستوريا وسياسيا هو الخليفة الطبيعي والابن البار لعقيدة بورقيبة وبالفعل قرر الرئيس تعيينه وزيرا اول وخليفة له لكن هذا القرار اصطدم بفيتو صلب قادته وسيلة بن عمار سيدة تونس الاولى وزوجة الرئيس التي كانت تقود جناحا يضم وزراء واطرافا يسعون لابعاد الصياح لمنع انفجار البلاد مجددا بسبب تاريخه الصدامي مع النقابات.
استخدمت وسيلة كل دواهي السياسة وزرعت اجهزة التنصت داخل القصر لتتبع حركات الصياح حتى جاءت تلك الليلة الحاسمة من ربيع عام 1980 حين استدعى بورقيبة الصياح ومحمد مزالي الى مكتبه بحضور وسيلة.
واجهت وسيلة بورقيبة بصلابة قائلة امام الصياح ان هذا الرجل غير مرغوب فيه في الاوساط النقابية والجامعية والطلبة يكرهونه لاسباب يطول شرحها.
التفت بورقيبة الى تلميذه الوفي ونطق بالكلمات القاتلة لطموحه السياسي معلنا تراجعه عن تعيينه رئيسا للحكومة وتكليف محمد مزالي بالمنصب بسبب عدائه التاريخي للاتحاد العام التونسي للشغل.
حاول الصياح تدارك الامر مقترحا تشكيل ترويكا ثلاثية تسير الدولة تتكون منه ومن مزالي وبورقيبة الابن حتى يشفى نويرة لكن وسيلة حسمت الجدال بصرامة قائلة ان الحكم يلزمه مسؤول واحد وليس ثلاثة.
وهكذا عزل الصياح ونقل الى وزارة الاسكان في الثالث
والعشرين من افريل عام 1980 ليبدأ مسار تجريده البطيء من نفوذه الحزبي الواسع.
مع حلول الثمانينيات دخلت قرطاج خريفها الاخير وبدا بورقيبة يصارع النسيان وتآكل الذاكرة بينما تقاسمت القوة سعيدة ساسي ابنة اخت الرئيس وممرضته ومنصور السخيري مدير الديوان الرئاسي.
اعاد بورقيبة الصياح الى الواجهة وزيرا للتجهيز عام 1984 ثم وزيرا للدولة مكلفا بالتربية والتعليم العالي في ماي عام 1987 كحجر عثرة في وجه الصعود الصاروخي لوزير الداخلية الجديد زين العابدين بن علي.
وصف المقربون من القصر الصياح في تلك الايام بانه الرجل الذي يطحن اسنانه الحجر من فرط نهمه للسلطة وكان العقبة الاخيرة امام طموح الجنرال القادم من ثكنات الامن.
وفي الخامس والعشرين من اكتوبر عام 1987 تسربت الانباء من القصر تفيد بان بورقيبة قرر اقالة بن علي وتعيين الصياح وزيرا اول لتنفيذ احكام الاعدام ضد قيادات الاتجاه الاسلامي.
ادرك بن علي ورفاقه ان التحرك العسكري السريع بات مسألة حياة او موت، وفي الساعة الثانية فجرا من ليلة السابع من نوفمبر عام 1987 دهمت فرقة من الحرس الوطني منزل الصياح واقتيد معتقلا الى مطار العوينة العسكري حيث وجد الحبيب بورقيبة الابن محتجزا معه ليتم وضعه لاحقا تحت الاقامة الجبرية وتجريده من كافة مناصبه السياسية.
دخلت تونس عهد بن علي وبدأت عملية تصفية واسعة للتركة البورقيبية، وفي الوقت الذي سارع فيه اقطاب العهد القديم لتقديم فروض الولاء وتغيير جلودهم السياسية للاندماج في النظام الجديد كحامد القروي والهادي البكوش اللذين تبوأوا اعلى المناصب او محمد مزالي الذي هرب ليكتب مذكراته الناقدة من المنفى اختار محمد الصياح مسارا مغايرا تماما. عاش بورقيبة سنواته الاخيرة معزولا سجينا في قصر المنستير، وتكشف وثائق الكتاب الابيض والرسائل السرية عن رغبته في الانتحار هربا من وطأة العزلة والاقامة الجبرية المهينة التي فرضها عليه بن علي.
وسط هذا الصمت المطبق والخوف السائد اجترح محمد الصياح موقفا نادرا من الوفاء الصامت الذي اعاد تعريفه في مخيال التونسيين.
وطبقا للوثائق الرسمية التي كشفت عنها رئاسة الجمهورية بعد الثورة لم يتقدم اي مسؤول من النظام القديم بطلب رسمي لزيارة الزعيم المعتقل في المنستير سوى محمد الصياح، واظب الصياح على ارسال رسائل مكتوبة ومباشرة الى بن علي يرجوه فيها تخفيف الحصار الامني عن بورقيبة ومراعاة تاريخه الوطني وكبر سنه وهي الرسائل التي قوبلت بالرفض والتشديد الرقابي عليه في بلدته بوحجر.
ظل الصياح رهن العزلة والاقامة الجبرية الاختيارية رافضا الانخراط في ماكينة الدعاية لنظام بن علي او التذلل له محافظا على هيبته وصمته حتى وافته المنية في الخامس عشر من مارس عام 2018.
رحل الرجل الحديدي تاركا وراءه ارثا بالغ التعقيد ،ارثا يجمع بين قسوة الجلاد الحزبي الذي دمر خصومه وقمع النقابيين في سبعينيات القرن الماضي ونبل الوفي الذي ابى ان يبيع شيخه المعتقل في اسواق البراغماتية السياسية ليموت وفيا للعرش الذي ساهم في بنائه وانهار على رأسه.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال