بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

ماسينيسا: بطل روما أم مؤسس نوميديا؟

2026-03-05 63 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
ماسينيسا: بطل روما أم مؤسس نوميديا؟
إن الحديث عن نوميديا ليس مجرد استحضار لكيان سياسي غبر وانتهى بل هو نبش في الجغرافيا السياسية الأولى لهذه الأرض التي يسميها البعض اليوم شمال إفريقيا بينما كانت في ذهن الملك العظيم ماسينيسا مختبراً لصناعة الإنسان الأمازيغي المتمدن .
التاريخ هنا لا يكتبه المنتصرون الرومان وحدهم بمداد من غطرسة بل تكتبه الحجارة الصامدة في ثوغا أو دة تلك المدينة التي ترفض أن تكون مجرد موقع أثري لتصبح وثيقة سياسية حية تدحض كل الترهات التي تحاول تقزيم هذا الإرث العظيم.
فدة لم تكن يوماً تابعة ذليلة لقرطاج ولا صنيعة رومانية متأخرة بل كانت العاصمة الروحية والمدنية والتشريعية التي سبقت في نضجها المؤسساتي أعرق المدن المتوسطية إذ كانت تضم مجلساً للأعيان (سينات) ونظاماً بلدياً معقداً يجمع بين العبقرية اللوبية والتنظيم البونيقي.وهذا ما تؤكده نقيشة دوقة الشهيرة ثنائية اللغة التي أهداها سكان المدينة للملك ميسيبسا بن ماسينيسا.وهي الوثيقة التي تصرخ في وجه الزمان بأن هذه الأرض كانت تملك لغتها وإدارتها وهويتها السياسية المستقلة حتى في أحلك لحظات الصراع بين العمالقة.
وفي المقابل كانت سيرتا أو قسنطينة هي الرأس المفكر عسكرياً واستراتيجياً هي تلك الصخرة الشامخة التي جعل منها ماسينيسا عرشه الموحد ومركزه لسك العملة التي طافت الآفاق وهذا الثنائي المدهش بين دقة كمركز للحياة المدنية والمؤسسات وسيرتا كقلعة للسيادة والحكم يمثل النموذج الأمثل للدولة القوية التي استطاعت أن توحد قبائل الماسيل والماسيسيل تحت راية واحدة لأول مرة في التاريخ ممتدة من وادي ملوية غرباً إلى تخوم قرطاج شرقاً في إمبراطورية أمازيغية لم تكن تدور في فلك أحد بل كانت هي بيضة القبان في الصراع الروماني القرطاجي.
وما وصف ماسينيسا بالخيانة إلا قراءة صبيانية لتاريخ المعارك الكبرى فماسينيسا الذي حكم لمدة 54 عاماً (من 202 إلى 148 قبل الميلاد) لم يكن يبحث عن رضاء روما بقدر ما كان يبحث عن استعادة ملك أجداده الذي سلبته قرطاج بتواطؤ مع خصمه سيفاقس.
لقد كان ماكيافيلي الصحراء الذي أدرك بعبقرية نادرة أن الطريق إلى بناء الدولة يمر عبر استثمار تناقضات القوى الكبرى فحوّل شعبه من رعاة متنقلين إلى مزارعين مستقرين ونشر الزراعة حتى قيل إن كل شبر في نوميديا كان يفيض خضرة وبنى جيشاً مهيباً من الخيالة الذين كانوا يرهبون الجيوش الرومانية نفسها.
ولم تكن دقة في هذا المشهد مجرد بلدة ريفية بل كانت واشنطن العهد النوميدي مدينة المؤسسات التي تمنح الشرعية للملك بينما كانت سيرتا نيويورك العسكرية والمالية وهذا التكامل هو الذي جعل نوميديا رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه.
وحين نتأمل في العمارة النوميدية التي تتجلى في الضريح الليبي البونيقي بدقة ندرك أننا أمام حضارة كانت تملك رؤيتها الخاصة للخلود، عمارة تمزج بين الروح المحلية والعناصر الفنية المتوسطية بانسجام مذهل بعيداً عن صراعات الحدود الحديثة التي يحاول البعض إسقاطها على الماضي.
فالتاريخ النوميدي هو إرث مشاع بين تونس والجزائر هو تاريخ الجسد الواحد الذي لا يقبل القسمة فحين تسجل اليونسكو دقة كموقع للتراث العالمي فهي لا تعترف بمدينة تونسية فحسب بل تعترف بأكمل نموذج لمدينة نوميدية حافظت على ملامحها الأصلية وحين تفتخر الجزائر بسيرتا فهي تفتخر بقلب السيادة الوطنية الأولى والخلط بين الموقع الأثري المحفوظ وبين العاصمة التاريخية هو جهل مطبق بطبيعة التوثيق التاريخي.
فالممالك القديمة كانت تملك مراكز متعددة للقرار وماسينيسا كان يتنقل بجسده وروحه بين هذه القلاع يزرع القمح في سهول تونس ويحصن الصخور في شرق الجزائر ليخلق أمة لم تكن روما لتقبل بوجودها لولا تلك اللعبة الاستخباراتية والسياسية المعقدة التي انتهت بتمزيق نوميديا بعد رحيل الأسد العجوز.
إن يوغرطة الذي جاء بعده وصرخ في وجه روما
أيتها المدينة المعروضة للبيع سوف تفنين إذا وجدت من يشتريك لم يكن ليتحدث بهذه القوة لولا تلك القاعدة الصلبة التي بناها جده في دقة وسيرتا ولولا ذلك الإحساس بالهوية الذي لم تستطع حتى حروب الإبادة الرومانية أن تمحوه.

فالتاريخ هنا ليس حكاية عن الهزائم بل هو ملحمة عن البقاء عن شعب صنع لغته التيفيناغ من وحي جباله وصنع مدنه من صوان أرضه وصنع مجده من صدامه مع القوى العظمى.
ومن يريد أن يفهم تونس والجزائر اليوم عليه أن يعود إلى تلك السطور الأولى التي كُتبت بالبونية والليبية على جدران معابد دقة حيث كان الدين والسياسة والقانون يمتزجون ليشكلوا روح الدولة التي لا تموت.
إننا أمام عاصفة من الحقائق التي تؤكد أن دقة هي المستودع الجيني للحضارة النوميدية وأن سيرتا هي الدرع الجغرافي لها.وبينهما تنسج خيوط تاريخ لا يعترف بالهزيمة ولا يقبل بالتبعية.
ويظل ماسينيسا في قلب هذا الإعصار الشخصية الأكثر إثارة للجدل والإعجاب.
الرجل الذي صنع من الرمال دولة ومن القبائل أمة وترك لنا في ثوغا وصية صامتة تقول إن من يملك الأرض يملك الزمان ومن يملك المؤسسات يملك المستقبل.
وهكذا تظل دقة شاهداً حياً على أن الحضارة لم تكن هبة من أحد بل كانت انتزاعاً من رحم الصخر وصراع العمالقة في ذلك المتوسط الذي كان وما يزال بحيرة من الذهب والدم والدموع حيث نوميديا هي الحكاية التي لم تكتمل فصولها بعد لأنها تسكن في أعماق كل حجر في دقة وفي كل صدى للصوت فوق جسور قسنطينة لتعيد رسم خارطة الكرامة الإفريقية بعيداً عن الأوهام والمغالطات التاريخية العابرة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال