بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المزود،نغم الطريد الذي سجنته السلطة في الشارع و اشتهته في القصر

2026-07-15 59 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
المزود،نغم الطريد الذي سجنته السلطة في الشارع
 و اشتهته في القصر
حين تشرع السلطة في إعادة صياغة ملامح مجتمع بأكمله فإن أول ما تفعله هو محاولة السيطرة على الأصوات والأنغام لأن الصوت هو الهوية الوحيدة التي لا يمكن تزييفها بسهولة. في تونس غداة الاستقلال عام 1956 لم تكن معركة بناء الدولة الوطنية الحديثة تقتصر على السياسة والاقتصاد بل كانت تدور بضراوة صامتة في دهاليز الثقافة والموسيقى.

هناك،خلف الواجهات المصقولة للعاصمة كان ثمة فن شعبي عنيد يدعى المزود يواجه حظرا صارما وإقصاء ممنهجا من وسائل الإعلام الرسمية كالإذاعة والتلفزة ويمنع من اعتلاء ركاح المهرجانات الكبرى كقرطاج وسوسة.
هذا المنع لم يكن مجرد خيار جمالي أو نزوة عابرة للرئيس الحبيب بورقيبة الذي لم يستسغ هذا الفن بل كان انعكاسا لشرخ سوسيولوجي عميق وصراع سياسي وأيديولوجي صامت بين ثقافة المركز الحضرية المهيمنة وثقافة الهامش الريفية الوافدة بآلامها وأشواقها إلى حواشي المدن.
تاريخ هذا الفن يمتد في عمق الأرض والترحال على عكس السردية النخبوية التي حاولت دوما تصوير المزود كوافد هجين جلبه عمال الموانئ الأجانب عبر البحر لتبرير إقصائه. غير أن الحقيقة التاريخية والأبحاث الموسيقية السوسيولوجية الرصينة كأبحاث زهير قوجة وفتحي زغندة تكشف عن أصول بدوية مغاربية ضاربة في القدم وتحديدا من الريف الليبي حيث تشترك هذه الآلة مع الزكرة الليبية في تصميمها القائم على قربة من جلد الماعز أو ما يعرف بالشكوة تعمل كمستودع للهواء يتيح للعازف ضخه باستمرار لينبعث النغم حارا وشجيا عبر قصبتين متوازيتين.
تنقلت هذه الآلة مع حركة البدو الرحل نحو أرياف وسط تونس وجنوبها قبل أن تجد مستقرها الأخير في أحزمة الفقر المحيطة بالعاصمة مع موجات الهجرة الريفية المتعاقبة.

لم يكن المزود يوما فنا فوضويا بسيطا كما روجت النخبةبل كان نسيجا هجينا معقدا يتداخل فيه المقدس بالدنيوي بطريقة تثير الدهشة.
ولد هذا الفن وتبرعم في زوايا الأولياء الصالحين ومقاماتهم المهيبة كسيدي محرز وسيدي بلحسن الشاذلي والسيدة المنوبية وسيدي علي عزوز.
كانت نوبات المزود الطقسي تتغذى على الغناء الصوفي والمدائحي وتزعم هذا العصر الذهبي رواد أوائل كالخطوي بو عكاز والشاذلي المعتل.
ولم تقتصر هذه الهيكلة على المسلمين بل شاركت فيها الطائفة اليهودية التونسية بفاعلية عبر فنانين كبار تتلمذوا على يد الشيخ خموس مثل موريس ميمون وجوزيف بريبي وراؤول جورنو ولالو كحلاوي قبل أن تذروهم رياح الهجرة إلى فرنسا ليبقى الفنان مصطفى بن رمضان الشهير بلقب مصطفى قتال الصيد واحدا من آخر الشهود على تل الممارسات الطقسية العتيقة.
موسيقيا تشكل المزود من ثلاثة روافد أساسية امتزجت لتصنع هويته الفريدة الموسيقى الطرقية الصوفية بمدائحها وسلاسلها النغمية، و موسيقى الاسطمبالي بموروثها الإيقاعي الأفريقي القادم من حي سيدي عبد السلام لتضفي على العزف نبضا حركيا راقصا و موسيقى المالوف الأندلسية التي يتقاسم معها المزود مقاماته الأساسية وتفرعاته اللحنية العروبية.
ومع صعود الدولة الوطنية انطلقت هندسة قاسية للذوق العام قادها بورقيبة برؤية تحديثية صارمة تسعى لمحاكاة النمط الغربي الفرنسي من جهة وإبراز موروث محلي منقح وخال من الشوائب من جهة أخرى.
تبنت الدولة المؤسسة الرشيدية التي تأسست عام 1934 لتكون الذراع الرسمية لتوجيه الذوق العام وهندسة الموسيقى الوطنية فتم رفع المالوف الأندلسي ليكون الفن الرسمي المعتمد في المحافل الدبلوماسية والمهرجانات الدولية.
ولم يقف الأمر عند ترويج المالوف بل امتد إلى عملية أيديولوجية لتهذيب التراث الشعبي وتطهيره من الكلمات التي اعتبرتها السلطة ابتذالا أو دلالات تاريخية تهدد فكرة الدولة الموحدة.
وتولى هذه المهمة صالح المهدي مهندس الحقبة الموسيقية البورقيبية حيث جرى تغيير كلمات الأغاني البدوية والتراثية. ومن أشهر الأمثلة تحوير كلمات أغنية مع العزابة للمطربة صليحة وهي الأغنية المرتبطة بذاكرة تهجير أهالي جبل وسلات في القرن الثامن عشر إذ تحول البيت الأصلي:
يا سايقين البل يا جمالة، تونس بعيدة والعرب قتالة
ليكون في النسخة المهذبة: تونس عزيزة والعرب رجالة
رغبة من النظام في طمس أي إشارة للصراعات العشائرية والدموية القديمة داخل الجغرافيا التونسية.
بالتوازي مع هذا التهذيب واجهت آلات شعبية أخرى كالنبري الوترية تهميشا ماليا وقانونيا عبر فرض ضرائب ورسوم مشددة على عازفي الشوارع مما دفعهم تدريجيا للتخلي عن آلاتهم والتحول نحو التسول وهو مصير شابه محاصرة عازفي المزود وإقصائهم من المعاهد الموسيقية الرسمية.
تزامن هذا الحصار الجمالي مع تحولات ديمغرافية مرعبة.
تدفقت جموع الفلاحين والفقراء من الأرياف والمناطق الداخلية نحو العاصمة بحثا عن رمق العيش لتتشكل على عجل أحزمة بؤس ومستوطنات عشوائية كالملاسين والسيجومي وحي هلال وبرج علي الرايس.
حمل هؤلاء النازحون معهم قيمهم وكان المزود سلاحهم الموسيقي والوجداني الوحيد للتعبير عن وحشة المدينة وقسوتها.
هذا التمدد السكاني واجه رفضا غير معلن من النخبة الحضرية التقليدية «البلدية» المقربة من السلطة والتي كانت تنظر بتعال طبقي وريبة شديدة إلى ثقافة الهامش الوافدة. كان المزود بإيقاعاته الراقصة العنيفة كالفزاني والزالي يمثل في نظر النخبة خطرا يهدد تجانس المدينة الجمالي والاجتماعي واعتداء على تفوق النمط البلدي الحليق والمعصرن.
انقسم الفضاء الاجتماعي إلى عالمين متنافرين لا يلتقيان إلا في لحظات التوجس.
في كفة أولى تقف النخبة الحضرية البلدية بجمهورها من سكان العاصمة القدامى والعائلات القريبة من القصر، مستوطنة قلب المدينة والضواحي الراقية والمسارح الرسمية متبنية المالوف والموشحات ومتمسكة بمشروع بناء الدولة الحديثة والتحديث النخبوي معتبرة المزود رمزا للتخلف السلوكي والبداوة والسوقية.
وفي الكفة المقابلة تمددت الطبقات الشعبية الوافدة في أحزمة الفقر والمناطق القصديرية العشوائية متخذة من المزود والزكرة والآلات الإيقاعية صوتا يعبر عن الاحتقان والتهميش الاجتماعي مستخفة بالمالوف بوصفه نتاجا صالونيا باردا لا يلامس هموم الكادحين وعرقهم اليومي.
لكن البعد الأكثر إثارة لهلع النظام كان الارتباط الوثيق بين فن المزود وأغاني السجون أو ما يعرف بالزندالي.
لم تكن كلمات المزود تدور في فلك الغزل والشكوى العاطفية بل تحولت إلى وثيقة سوسيولوجية حية تنقل عذابات الزنازين والتعسف الأمني والفقر المدقع.
في السبعينيات شهد سجن الرابطة تلاقيا تاريخيا فريدا بين مساجين الحق العام والفقراء من جهة والمعتقلين السياسيين من حركة آفاق والعامل التونسي اليسارية المعارضة مثل الطاهر شقروش ومحمد صالح فليس وعمر بودربالة من جهة أخرى.
وفي هذا الفضاء الخانق تعايش هؤلاء مع فنانين شعبيين ومثقفين كالفنان صالح الفرزيط والمخرج فاضل الجزيري.
أثمر هذا التلاقي صقلا للوعي السياسي لدى الفنانين الشعبيين وحقن مدونة المزود بنبرة نقدية لاذعة ضد السلطة. ومن رحم هذه التجربة ولدت الأغنية الشهيرة أرضى علينا يا
لميمة لصالح الفرزيط عام 1976.
لم تكن الكلمات مرثية للأم فحسب بل كانت بيانا سياسيا رصد بجرأة غير مسبوقة أسماء الأجهزة الأمنية والشوارع الكبرى:
أرضى علينا يا لميمة رانا مضامين
نستناو في العفو يجينا من ستة وسبعين
البوليسية تتبع فينا حتى لباب الدار
بنية جديدة وراء لفريكا سموها التفتيشات
صدموا علينا يا الحنينة ومعانا المناشير
حكموا فينا يا لميمة حتى لشاب الراس
لبريقاد تتبع فينا حتى لجون جوراس
كانت هذه الكلمات ترسم خريطة الملاحقة الأمنية للنشطاء والمهمشين في شوارع العاصمة كشارع جون جوراس وأحياء الهامش كالملاسين وتتحدث صراحة عن المناشير والمداهمات الأمنية للتفتيشات ولبريقاد مما جعل المنظومة الأمنية تعتبر الأغنية مانيفستو صريحا للتمرد وتحديا لسيطرة الدولة.
هنا تتجلى المفارقة الصارخة ونفاق السلطة الاجتماعي فبينما كانت التوجيهات الرسمية الصارمة تقصي المزود وتمنع بثه في التلفزة والإعلام وتوصد دونه أبواب المسرح البلدي كان هذا الفن ضيفا أثيرا وممتعا في السهرات الخاصة والضيقة التي يقيمها الرئيس الحبيب بورقيبة في قصر قرطاج وفي فيلا المرسى وفيلا مورناق.
يعترف رائد الفن الشعبي الهادي حبوبة بأنه دعي مرارا من قبل بورقيبة شخصيا لإحياء حفلات ساهرة داخل القصر الرئاسي لتسلية كبار ضيوف الدولة والوفود الأجنبيةترافقه أسطورتا الرقص الشعبي الشقيقتان زينة وعزيزة بوزيان.
ومن المفارقات التاريخية أن حبوبة قدم عروضا حظيت بإعجاب ضيوف كبار من بينهم كوكب الشرق أم كلثوم خلال زيارتها الشهيرة لتونس عام 1969.
يكشف هذا الازدواج أن السلطة لم تكن ترفض المزود لضعف قيمته الجمالية بل لأنها كانت تخشى قدرته الهائلة على تحريك الشارع وتعبئة الجماهير مفضلة استهلاكه كفولكلور ترفيهي مسيطر عليه داخل أسوار البلاط مع إقصائه التام من الفضاء العام.
وفي الفضاء البلدي والمدني تحول المنع إلى عرف راسخ دون حاجة لنص قانوني صريح وهو ما أكدته شيخة مدينة تونس السابقة سعاد عبد الرحيم مشيرة إلى أن غياب النص القانوني لم يمنع تحول الإقصاء إلى عرف مكرس لحماية المعالم التاريخية من الاهتزازات والذبذبات غير المرغوبة.
أما فضاء حفلات المزود الشعبية في الأحياء والذي يسمى الربوخ أو القصرة فقد كان كابوسا أمنيا حقيقيا للنظام.
فهناك، بعيدا عن الرقابة يتحول الرقص العنيف المنفلت أو ما يعرف بالتخميرة إلى حالة وجدانية تترافق مع استهلاك الكحول الرخيصة والمواد المخدرة كالزطلة وتندلع المشاجرات العنيفة بالأسلحة البيضاء.
كانت هذه الأجواء تصطدم بعنف مع الصورة البراقة والهادئة التي تحاول الدولة تسويقها لتونس كبلد سياحي عصري ومنضبط متخلص من رواسب البداوة والتخلف السلوكي.
بيد أن جدران الرقابة السميكة تهاوت أمام زحف التكنولوجيا.
مع ظهور شريط الكاسيت في السبعينيات والثمانينيات امتلك الهامش وسيلة إنتاج وتوزيع رخيصة وعصية على السيطرة المالية والإعلامية للولة.
وفي الوقت الذي كانت فيه شركة إنتاج الكاسيت الحكومية
نغم تحت إدارة الهاشمي بن فرج بين عامي 1978 و1984 تركز على توزيع أغاني مارسيل خليفة والشيخ إمام لدعم الحراك الطلابي والعمالي تحت أعين الرقابة وبشكل منضبط تبلورت في أسواق باب الجديد وباب الخضراء شبكة تجارية موازية وشرسة تخصصت في تسجيل أشرطة المزود وتوزيعها.
اجتاحت أشرطة الهادي حبوبة وصالح الفرزيط وعبد الكريم الفيتوري المقاهي والحافلات وسيارات الأجرة وتجاوزت الحدود لتكتسح الجزائر وليبيا والمغرب والجاليات المغاربية في أوروبا محققة مبيعات خيالية أرغمت السلطة السياسية بعد صعود نظام زين العابدين بن علي إثر الإطاحة ببورقيبة عام 1987 على التخلي عن سياسة المنع المباشر واستبدالها بسياسة أشد مكرا وهي الاحتواء والتدجين.
توجت هذه السياسة الجديدة في عرض النوبة الشهير عام 1991 الذي أخرجه الفاضل الجزيري والفاضل الجعايبي.
كان العرض بمثابة مصالحة تاريخية كبرى ومبهرة بين المواطن وموروثه المنبوذ حيث صعد شيوخ المزود والزندالي وعلى رأسهم صالح الفرزيط ليعتلوا ركح مسرح قرطاج الأثري ومسرح الزينيت في باريس مرددين أغنية أرضى علينا يا لميمة أمام آلاف الهاتقين من مختلف الطبقات الاجتماعية.
غير أن هذه المصالحة حملت في طياتها ثمنا باهظا
تم تجريد المزود والزندالي من شحنتهما السياسية والطبقية الحارقة وتطهيرهما من بيئة السجون البائسة والفقر ليقدما في قالب استعراضي باهر يخدم عجلة الاستهلاك السياحي والرأسمالي ويدر الأرباح الطائلة على المؤسسات الرسمية والخاصة معلنا انتصار الدولة في نهاية المطاف ليس بالمنع وإنما بالابتلاع والتدجين.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال