عندما أقمت في مدينة سالزبورغ النمساوية سنة 2015، كنت أعيش تجربة أوروبية عادية عمل، إقامة قانونية، مدينة نظيفة، نظام نقل دقيق، ومتاجر تعرض كل شيء بأسعار تبدو،لمن يأتي من جنوب المتوسط، مرتفعة إلى حد الاستفزاز.
الهاتف الذكي الذي كان يُعد آنذاك من ضروريات الحياة اليومية، لم يكن استثناءً.
الأسعار في أوروبا، خصوصًا للعلامات الكبرى مثل سامسونغ وغيرها، كانت أعلى بكثير مما نعرفه في بلداننا، أو مما نراه على الإنترنت.
كنت، مثل كثيرين، أعتبر هذا الارتفاع نوعًا من الاستغلال التجاري باسم الجودة والضمان.
في تلك الفترة، تعرّفت على صديقة من الجنسية الصينية. كانت تدرس وتعيش في أوروبا، لكنها تحمل معها نظرة مختلفة تمامًا للسوق والأسعار.
في أحد الأحاديث العابرة،عبّرت لي عن استغرابها من غلاء الهواتف في أوروبا، ثم أخبرتني بثقة عن مواقع صينية تبيع “نفس الهواتف” بأسعار أقل بكثير.
فتحت لي أحد تلك المواقع، عرضت عليّ صورًا جذابة،مواصفات كاملة، أسماء علامات عالمية، وتعليقات مستخدمين.
السعر كان مغريًا إلى حد يصعب تجاهله.
في تلك اللحظة، لم أشك كثيرًا.
بدا الأمر كاختلاف طبيعي بين سوق إنتاج وسوق استهلاك،بين الصين كمصنع للعالم وأوروبا كمستهلك.
طلبت الهاتف، دفعت بواسطة بطاقة فيزا، واخترت الشحن عبر DHL.
كل شيء تم بشكل نظامي وسريع.
بعد أسبوع فقط، وصلتني رسالة تفيد بوصول الطرد.
ذهبت لاستلامه وأنا أشعر بشيء من الرضا، ذلك الشعور الصغير الذي نعرفه جميعًا حين نعتقد أننا “مهف” السوق،وحصلنا على نفس الشيء بسعر أقل.
لم يخطر ببالي، لا من قريب ولا من بعيد، أنني ارتكبت مخالفة قانونية، أو أنني دخلت في مسألة تتجاوز مجرد شراء سلعة.
بعد أيام قليلة، وصلتني دعوة رسمية للمثول أمام الشرطة المالية.
هنا فقط بدأت أشعر بأن الأمر ليس عاديًا.
في المكتب، تم إبلاغي بهدوء أن الهاتف الذي طلبته مقلد،وأن القانون النمساوي يمنع دخول أي منتج مقلد إلى البلاد، مهما كان نوعه أو قيمته.
قيل لي بوضوح إن العقوبة القانونية هي غرامة مالية تعادل ستة أضعاف سعر الهاتف الأصلي، لا سعره الذي اشتريته.
لم يكن هناك تهديد ولا انفعال، بل لغة إدارية صارمة.
في النهاية، وباعتبارها المرة الأولى، وباعتباري أجنبيًا أجهل تفاصيل القانون، تم الاكتفاء بمصادرة الهاتف دون تغريمي.
خرجت من المكتب دون هاتف، لكنني خرجت أيضًا بسؤال كبير لم أطرحه حينها بوضوح
لماذا كل هذه الصرامة من أجل هاتف؟
لماذا دولة كاملة تتحرك من أجل سلعة واحدة؟
في تلك اللحظة، اعتبرت ما حصل نوعًا من التشدد المبالغ فيه. لاحقًا فقط، بدأت أفهم أن الهاتف لم يكن هو القضية أصلًا.
ما لم أفهمه آنذاك، ثم اتضح لي مع الوقت، هو أن الدولة الأوروبية لا تنظر إلى السوق كما ننظر نحن.
السوق عندها ليس مساحة مفتوحة للتجريب والذكاء الفردي،بل جزء من السيادة.
كل سلعة تدخل، كل عقد يُبرم، كل عامل يُشغَّل، هو مسألة نظام عام.
المنتج المقلد لا يُرفض لأنه رديء أخلاقيًا، بل لأنه يضرب توازن السوق، يدمّر المنافسة، يسرق الضرائب، ويُضعف الثقة. الدولة لا تحمي المستهلك كشخص، بل تحمي فكرة السوق نفسها، لأن السوق المنظم هو الذي يمول المدرسة،والمستشفى، والبنية التحتية، وكل ما نسميه لاحقًا “دولة”.
الأمر نفسه ينطبق على التشغيل.
في النمسا، كما في أغلب أوروبا الغربية، لا وجود فعلي لما نسميه “تشغيل هش” بالمعنى الفوضوي.
ليس لأن أرباب العمل طيبون، بل لأن كلفة المخالفة أعلى من كلفة الالتزام. الرقابة فجئية، الوثائق مطلوبة دائمًا، والتصريح بالضمان الاجتماعي ليس خيارًا.
من يخالف يُغرم فورًا،والغرامات ليست رمزية، بل موجعة.
لا تُستنزف الدولة في محاكم وسجون، بل تضرب مباشرة في المال، لأن المال هو لغة السوق الوحيدة التي يفهمها الجميع.
عندما أقارن هذا بما نعيشه في تونس، يتضح حجم الفجوة. نحن لا نعاني فقط من ضعف رقابة، بل من غياب فلسفة واضحة للدولة تجاه السوق. محلات بلا فواتير، تشغيل بلا عقود، تهريب معروف الأماكن والمسارات، ومع ذلك يستمر كل شيء كأن الفوضى قدر.
الأسواق الموازية ليست خفية، بل علنية، وبعضها في قلب العاصمة. الجميع يعرف، لكن أحدًا لا يحسم.
الأخطر من ذلك أن الدولة، بدل أن تفرض النظام أولًا،اختارت الحل الأسهل سياسيًا الترسيم الإجباري.
فرفعت كلفة الشغل، ونفّرت الاستثمار، ودفعَت من يستطيع إلى التهرب، ومن لا يستطيع إلى الإفلاس.
هكذا عوقب الملتزم، وكوفئ الخارج عن القانون.
لم يُقضَ على التشغيل الهش، بل دُفع إلى الظل، وأصبح أكثر هشاشة.
اليوم، حين أستعيد قصة ذلك الهاتف، أفهم أنها لم تكن حادثة معزولة، بل درسًا في معنى الدولة.
دولة تصادر هاتفًا مقلدًا،لكنها في الحقيقة تحمي سوقها،وتحمي مواطنيها، وتحمي مستقبلها الاقتصادي.
ودولة تسمح بدخول كل مقلد ومهرب ومغشوش، ثم تشتكي من الفوضى، لا تخسر هاتفًا، بل تخسر الثقة، وتخسر القانون،وتخسر فكرة الدولة نفسها.
هذه القصة لم تبدأ بهاتف، ولن تنتهي به.
إنها قصة نظام يعرف ماذا يريد، ونظام آخر لم يقرر بعد إن كان يريد دولة أم مجرد إدارة أزمة دائمة.
حين ينتقل المواطن من نظام مثل النمسا إلى نظام مثل تونس، أو العكس، لا ينتقل فقط بين دولتين، بل بين بنيتين نفسيّتين متناقضتين تشكّلتا عبر عقود من العلاقة المختلفة مع القانون والجباية.
الخطأ القاتل الذي نرتكبه عادة هو الاعتقاد بأن السلوك الاقتصادي للمواطن نابع من طبيعته الثقافية أو من “أخلاقه”، في حين أن الحقيقة أبسط وأقسى
المواطن يتصرف كما تسمح له الدولة أن يتصرف، ويطوّر نفسيته بما يتلاءم مع كلفة المخالفة لا مع قيمة الفضيلة.
في النظام الأوروبي، المواطن لا يبدأ حياته الاقتصادية وهو يفكر في كيفية التحايل، بل في كيفية تفادي الخطأ.
هذا الفارق النفسي يبدو صغيرًا، لكنه عميق.
المواطن هناك لا يسأل كيف أتهرب؟
بل كم سيكلفني الخطأ؟
لأنه يعرف مسبقًا أن الخطأ ليس حدثًا قابلًا للتفاوض، بل معادلة حسابية واضحة.
إذا صرّحت، ستدفع كذا.
إذا لم تصرّح، ستدفع أكثر بكثير.
هذا الوعي الحسابي يتكوّن مبكرًا، ويتحول مع الوقت إلى سلوك شبه تلقائي. ليس حبًا في الدولة، بل لأن الدولة جعلت الطاعة أقل كلفة من العصيان.
الجباية في أوروبا ليست مجرد مورد مالي، بل أداة تنظيم نفسي للسوق.
حين يدفع المواطن ضرائب تصل أحيانًا إلى 40 أو 45 بالمئة من دخله، فهو لا يدفعها لأنه سعيد، بل لأنه يعرف أين تذهب، والأهم، لأنه يعرف أن عدم دفعها سيكلفه أكثر بكثير. الغرامة لا تكون ضعف الضريبة فقط، بل قد تصل إلى ثلاثة أو أربعة أضعافها، مع فوائد تأخير، ومع تتبع بنكي، ومع سجل ضريبي يلاحقه لسنوات.
هنا تتحول الجباية من عبء إلى خيار عقلاني أدفع الآن أقل،أو أدفع لاحقًا أكثر وبألم.
هذا المنطق يخلق مواطنًا مختلفًا نفسيًا. مواطن لا يرى الدولة كعدو يجب التحايل عليه، بل كنظام صلب لا يُكسر. حتى حين يكرهها، يحسب حسابها.
حتى حين يغش، يغش بحذر، وفي نطاق ضيق، لأنه يعرف أن الدولة لا تمزح طويلًا.
وهكذا يتشكل اقتصاد منظم، ليس لأن الناس طيبون، بل لأن الانحراف مكلف.
في تونس، الصورة النفسية معكوسة تمامًا.
المواطن يدخل السوق وهو مقتنع، منذ البداية، أن الدولة غائبة أو انتقائية أو قابلة للتفاوض.
يسأل نفسه السؤال الخطأ هل سأُمسك أم لا؟
وليس كم سيكلفني الخطأ؟
لأن التجربة اليومية علّمته أن المخالفة قد تمر، وأن القانون قد يُطبق على غيره، وأن الغرامة ليست مؤكدة، وإن وقعت يمكن الالتفاف عليها.
هنا يتحول التحايل من مخاطرة إلى مهارة، ومن استثناء إلى قاعدة، ومن سلوك فردي إلى ثقافة اجتماعية.
الدولة التونسية وقعت في فخ قاتل.
نسبة الضغط الجبائي المعلنة قد تبدو قريبة من بعض الدول الأوروبية، لكنها تُطبّق على قاعدة ضيقة جدًا.
أقلية تصرّح وتدفع، وأغلبية تعمل في الظل.
هذا يعني أن المواطن الملتزم يدفع أضعاف ما يجب، ليس لأن الدولة جشعة، بل لأنها عاجزة عن توسيع القاعدة. النتيجة النفسية هنا مدمّرة
الملتزم يشعر بالغبن، والمتهرب يشعر بالذكاء، والدولة تفقد هيبتها.
حين تفرض الدولة الترسيم الإجباري في هذا السياق، دون أن تسبقه برقابة حقيقية وغرامات موجعة، فإنها ترتكب خطأ اقتصاديًا ونفسيًا في آن واحد.
اقتصاديًا، ترفع كلفة الشغل فجأة في سوق غير منظم، فتدفع المؤسسات الصغيرة إما إلى الغلق أو إلى التهرب الكامل. نفسيًا، ترسل رسالة كارثية مفادها أن القانون لا يُفرض على الجميع، بل على من يظهر فقط.
وهكذا يتعلم المواطن درسًا خطيرًا يقول كن غير مرئي لتنجُ.
في أوروبا، الجباية تُبنى من القاعدة إلى القمة.
كل نشاط، مهما كان صغيرًا، يُدمج تدريجيًا في النظام، لا بالقمع الأعمى، بل بالمعادلة الواضحة التي مفادها أن التصريح يحميك، عدم التصريح يدمّرك.
في تونس، نحاول القفز مباشرة إلى القمة، نفرض التزامات ثقيلة على أرضية رخوة، ثم نتفاجأ بانهيارها.
الفرق ليس في النص القانوني، بل في ترتيب الأولويات.
ما لا نحب الاعتراف به هو أن المواطن التونسي ليس أكثر فسادًا من غيره، لكنه يعيش في نظام يكافئ الفساد الصغير ويعاقب النزاهة الصغيرة.
في هذا السياق، يصبح الغش وسيلة بقاء، لا انحرافًا أخلاقيًا.
لكن الخطورة الحقيقية ليست في الغش نفسه، بل في تطبيع الغش.
حين يتحول الغش إلى سلوك يومي، تفقد الجباية معناها،وتتحول الدولة إلى جهاز جباية غاضب بلا شرعية اجتماعية.
الدولة الأوروبية فهمت هذا مبكرًا، فربطت الجباية بالخدمة،وربطت العقوبة بالمال، وربطت الرقابة باليقين لا بالاستعراض.
المواطن هناك لا يحتاج إلى أن يحب الدولة، يكفي أن يثق أن القانون سيُطبق.
المواطن هنا يُطلب منه أن يحب الدولة، أن يضحي، أن يصبر، في حين أن القانون لا يُطبق إلا حين يكون ضعيفًا. هذا التناقض يولّد شخصية مزدوجة
مواطن يطالب بالخدمات كأوروبي، ويتصرف في السوق كساكن في دولة بلا نظام.
تفكيك نفسية المواطن بين النظامين يكشف حقيقة موجعة لا يمكن إصلاح الاقتصاد دون إصلاح العلاقة النفسية بين المواطن والقانون.
ولا يمكن إصلاح هذه العلاقة دون جبابة عادلة،صارمة،شاملة،ومؤلمة عند المخالفة.
الدولة التي تخاف من فرض الغرامة الكبيرة، ستدفع لاحقًا كلفة الانهيار الكبير.
المواطن ليس مادة خام أخلاقية، بل نتيجة نظام.
إن أردت مواطنًا منضبطًا، ابنِ له نظامًا لا يسمح بالفوضى. وإن أردت اقتصادًا نظيفًا، اجعل الغش أغلى من الربح.
ما عدا ذلك، مجرد خطب جميلة في سوق قبيح.
حين يتحول الغش إلى سلوك يومي
2026-01-03
217 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال