بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الثقوب الدودية في المنظومة التربوية التونسية (2): قراءة سوسيولوجية في نتائج بكالوريا 2026... حين تكشف الأرقام هندسة اللامساواة

2026-07-11 82 قراءة مقالات رأي سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تقديم: حين تتحول الأرقام إلى خرائط لما لا يُرى

تُعدّ نتائج البكالوريا في تونس أحد أكثر الأحداث التربوية حضورًا في المجال العمومي، إذ تتحول كل سنة إلى لحظة وطنية تتجه خلالها أنظار الأسر والتلاميذ ووسائل الإعلام وصناع القرار نحو نسب النجاح والرسوب، باعتبارها مؤشرًا على أداء المنظومة التعليمية، وبوابة أساسية نحو التعليم العالي والمستقبل المهني.
غير أن التعامل مع هذه النتائج غالبًا ما يبقى أسير القراءة الإحصائية المباشرة؛ فنكتفي بمعرفة نسبة النجاح العامة، وترتيب الشعب أو الجهات، ثم تنتهي المتابعة بانتهاء موسم الامتحانات. لكن السؤال السوسيولوجي الحقيقي يبدأ بعد الأرقام لا قبلها: ماذا تخفي هذه الأرقام؟ وما هي البنى الاجتماعية والتربوية التي تقف خلفها؟

فالأرقام ليست معطيات محايدة منفصلة عن المجتمع، بل هي، كما يوضح إميل دوركايم (mile Durkheim, 1895)، وقائع اجتماعية لا يمكن فهمها إلا داخل السياقات والمؤسسات والعلاقات التي تنتجها. لذلك، فإن نسبة نجاح تبلغ 50.72% لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد نتيجة تقنية لامتحان وطني، بل باعتبارها مؤشرًا يكشف طريقة اشتغال المجتمع عبر مؤسساته التربوية.
فالامتحان لا يصنع اللامساواة بقدر ما يكشف تراكماتها. إنه اللحظة التي تظهر فيها نتائج سنوات طويلة من الاختلاف في شروط التعلم، والرأسمال الثقافي، والدعم الأسري، وجودة المؤسسات، والبيئة الاجتماعية والمجالية. وهكذا تتحول البكالوريا من مجرد أداة تقييم للمعارف إلى مرآة تكشف البنية العميقة للمجتمع.
وفي قلب هذه التفاوتات، تبرز الدروس الخصوصية باعتبارها أحد أهم العوامل التي أعادت تشكيل خريطة النجاح المدرسي خلال السنوات الأخيرة. فلم تعد مجرد وسيلة دعم إضافية يلجأ إليها بعض التلاميذ لتجاوز صعوبات محددة، بل تحولت تدريجيًا إلى مسار موازٍ للتعليم النظامي، وإلى عنصر يكاد يصبح حاسمًا في المنافسة على النجاح. فهي تمنح بعض المتعلمين فرصة الاستفادة من وقت تعلم إضافي، ومرافقة فردية، وتدريب أكثر كثافة على متطلبات الامتحان، لكنها في المقابل تطرح سؤال العدالة التعليمية، لأنها مرتبطة مباشرة بالقدرة المالية للأسر. وعندما تصبح كلفة هذه الدروس عبئًا يصل إلى آلاف الدنانير سنويًا، فإن النجاح المدرسي يصبح مرتبطًا جزئيًا بقدرة العائلة على الاستثمار المالي في المسار التعليمي لأبنائها، وهو ما يحول الدرس الخصوصي إلى إحدى الآليات الخفية لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية.

لكن نتائج البكالوريا لا تكشف فقط تفاوت فرص النجاح، بل تكشف أيضًا التحولات التي أصابت معنى الامتحان نفسه. فلم يعد الامتحان الوطني مجرد لحظة لقياس المعارف والمهارات المكتسبة، بل أصبح فضاءً تتقاطع داخله رهانات اجتماعية واقتصادية ورمزية ونفسية كبرى. وفي هذا السياق، برزت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة جديدة فرضتها التحولات الرقمية: الغش الإلكتروني.
إن الغش الإلكتروني لا ينبغي اختزاله في كونه مجرد سلوك فردي مخالف للقانون أو ضعفًا أخلاقيًا لدى بعض المترشحين، بل يمكن قراءته باعتباره ظاهرة اجتماعية تكشف عن تغير علاقة الأفراد بالشهادة والمعرفة والنجاح. فعندما تصبح الشهادة التعليمية شرطًا أساسيًا للاندماج الاجتماعي والمهني، ويتحول النجاح المدرسي إلى رهان مصيري للأسر والتلاميذ، تظهر لدى بعض الفاعلين محاولات للبحث عن مسارات مختصرة تتجاوز الطريق الرسمي.
ومن هنا يظهر شكل جديد من "الثقوب الدودية" داخل المنظومة التربوية: فإذا كانت بعض الثقوب الدودية تعمل قبل الامتحان عبر تفاوت الموارد والرأسمال الثقافي والموقع الجغرافي والدعم الأسري، فإن الغش الإلكتروني يمثل ثقبًا دوديًا يحدث داخل لحظة التقييم نفسها؛ أي داخل الآلية التي يفترض أن تمنح النجاح شرعيته.
غير أن الغش الإلكتروني، مثل بقية الظواهر التعليمية، لا يعمل خارج السياق الاجتماعي الذي ينتجه. فهو لا يفسر وحده تفاوت النتائج، ولا يمكن اعتباره السبب المباشر للامساواة، لكنه يكشف عن أزمة أعمق تتمثل في تراجع الثقة في عدالة المسارات التعليمية، وفي تحول الامتحان من أداة لقياس التعلم إلى ساحة تتصارع فيها رهانات النجاح الاجتماعي.
إن السؤال هنا ليس فقط: من غش؟ ومن نجح؟
بل: لماذا أصبح بعض الأفراد يبحثون عن اختصارات داخل منظومة يفترض أن تقوم على الاستحقاق؟

وهنا تصبح ظاهرة الغش الإلكتروني جزءًا من أزمة معنى أكبر: أزمة علاقة المجتمع بالشهادة، وبالاستحقاق، وبوظيفة المدرسة نفسها.
في مقال سابق حول نتائج مناظرة الدخول إلى المدارس الإعدادية النموذجية لسنة 2026، اقترحنا توظيف استعارة "الثقوب الدودية" لفهم المنظومة التربوية التونسية. ولم يكن المقصود استعارة فيزيائية أو بلاغية فقط، بل مفهومًا تحليليًا يصف المسارات غير المرئية التي تختصر الطريق أمام بعض المتعلمين، بينما تجعل الطريق أطول وأكثر تعقيدًا أمام آخرين.
فكما تسمح الثقوب الدودية في الفيزياء بتجاوز المسافات الظاهرة، توجد داخل المنظومة التعليمية مسارات خفية تتجاوز القواعد الرسمية، فتمنح بعض الفئات فرصًا إضافية للنجاح عبر الرأسمال الثقافي، والاستقرار الأسري، والدروس الخصوصية، وجودة المؤسسات، والتموقع الجغرافي، والموارد الرقمية، بينما تواجه فئات أخرى الامتحان وهي تحمل أعباء لا تظهر في أوراق الاختبار.

وهنا تصبح الدروس الخصوصية مثالًا واضحًا على هذه المسارات الخفية؛ فهي لا تعمل فقط كأداة تربوية، بل أصبحت جزءًا من اقتصاد النجاح المدرسي. فالتلميذ الذي يستطيع الوصول إلى مدرسين خصوصيين، وإلى حصص إضافية منتظمة، وإلى متابعة فردية، لا يدخل قاعة الامتحان بالموارد نفسها التي يمتلكها تلميذ آخر يعتمد فقط على ما توفره المؤسسة التعليمية. وهكذا يتحول التفاوت الاقتصادي خارج المدرسة إلى تفاوت في فرص النجاح داخلها.
وتأتي نتائج بكالوريا 2026 لتؤكد أن هذه الثقوب الدودية لا تنتهي عند مرحلة معينة من المسار الدراسي، بل تزداد تعقيدًا مع التقدم في النظام التعليمي. فعندما نلاحظ اختلاف نسب النجاح بين الشعب، أو بين أنواع المؤسسات، أو بين الجهات، أو بين الذكور والإناث، أو حين نستحضر تنامي ظاهرة الغش الإلكتروني، فإننا لا نكون أمام ظواهر منفصلة، بل أمام شبكة مترابطة من العلاقات التي تعيد إنتاج اللامساواة داخل المدرسة، وفي الوقت نفسه تعكس اللامساواة الموجودة خارجها.

لقد بيّن بيير بورديو (Pierre Bourdieu) وجان-كلود باسرون (Jean-Claude Passeron, 1970) أن المدرسة الحديثة، رغم خطابها القائم على تكافؤ الفرص، قد تساهم في إعادة إنتاج البنية الاجتماعية عندما تحول الامتيازات الثقافية المكتسبة داخل الأسرة إلى نجاح مدرسي يبدو وكأنه نتيجة للكفاءة الفردية وحدها.
فالطفل لا يدخل المدرسة صفحة بيضاء؛ بل يحمل معه رصيدًا متفاوتًا من اللغة، والعادات الثقافية، والثقة بالنفس، وأساليب التفكير، والدعم الأسري. وهذه الموارد تتحول داخل المدرسة إلى عناصر تمنح بعض المتعلمين أفضلية لا تظهر دائمًا بوصفها امتيازًا اجتماعيًا، بل تبدو وكأنها تفوق فردي خالص.
لكن إعادة الإنتاج الاجتماعي لم تعد اليوم مرتبطة فقط بالأسرة والمدرسة، بل أصبحت تتداخل مع عوامل جديدة فرضتها التحولات الاقتصادية والتكنولوجية. فالدروس الخصوصية، والولوج غير المتكافئ إلى الموارد الرقمية، وانتشار شبكات التواصل، واستقرار الإطار التربوي، والفوارق التنموية بين الجهات، إضافة إلى إمكانات التحايل الرقمي على الامتحانات، أصبحت كلها تشكل أشكالًا جديدة من المسارات الخفية داخل المنظومة التعليمية.
ومن هذا المنطلق، لا يسعى هذا المقال إلى إصدار حكم على نتائج بكالوريا 2026، ولا إلى اختزالها في نسب نجاح ورسوب، بل إلى قراءتها باعتبارها وثيقة سوسيولوجية تكشف البنية العميقة للمدرسة التونسية.
فالأسئلة المركزية ليست:
من نجح؟ ومن رسب؟ ومن غش؟
بل:
كيف يتوزع النجاح؟ ولماذا يتوزع بهذه الطريقة؟ وما الذي تكشفه هذه الأرقام عن المجتمع التونسي نفسه؟

إن الفرضية المركزية التي يدافع عنها هذا المقال هي أن البكالوريا ليست نهاية المسار التعليمي، بل مرآته الأخيرة؛ فهي لا تصنع اللامساواة، وإنما تكشف صورتها النهائية بعد سنوات طويلة من الانتقاء والتوجيه وتفاوت الموارد واختلاف الشروط الاجتماعية والثقافية والمجالية والتكنولوجية.
ولهذا فإن فهم نتائجها لا يبدأ من يوم الامتحان، بل من البنية الاجتماعية التي سبقت الامتحان بسنوات، والتي ما تزال ترسم، في صمت، خرائط النجاح والفشل داخل المدرسة التونسية.


1. نسبة النجاح العامة... من الإحصاء إلى تفسير البنية الاجتماعية

أعلنت وزارة التربية أن نسبة النجاح العامة في الدورة الرئيسية لبكالوريا 2026 بلغت 50.72%، وهي نسبة تبدو للوهلة الأولى رقمًا تقنيًا يلخص أداء امتحان وطني خلال سنة دراسية معينة.
لكن علم الاجتماع يدعونا إلى تجاوز القراءة الوصفية للأرقام، لأن الإحصاء لا يفسر نفسه بنفسه. وكما يؤكد إميل دوركايم (mile Durkheim, 1895)، فإن الوقائع الاجتماعية لا تكتسب معناها إلا عندما نعيد ربطها بالبنية التي أنتجتها.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نسبة النجاح مرتفعة أم منخفضة؟
بل: ما الذي جعلها تبلغ هذا المستوى؟ وكيف توزعت فرص النجاح بين مختلف الفئات الاجتماعية؟

إن الاقتصار على النسبة العامة يحجب حقيقة أساسية: المجتمع المدرسي ليس مجتمعًا متجانسًا. فكل مترشح يصل إلى امتحان البكالوريا يحمل معه تاريخًا تربويًا واجتماعيًا مختلفًا.
فبعض التلاميذ راكموا منذ سنوات طفولة مدرسية مستقرة، ودعمًا أسريًا، ورصيدًا لغويًا وثقافيًا، وبيئة تساعد على التعلم. بينما واجه آخرون المسار نفسه في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية أكثر هشاشة.
وهكذا فإن الامتحان النهائي لا يخلق الفوارق، بل يكشف فوارق تراكمت عبر سنوات طويلة من التنشئة الأسرية، والتوجيه المدرسي، وتفاوت جودة المؤسسات التعليمية.

وقد أوضح بورديو وباسرون (Bourdieu & Passeron, 1970) أن المدرسة تكافئ، في كثير من الأحيان، أشكالًا من الرأسمال الثقافي لا تتوزع بالتساوي ين المتعلمين. فالقدرة على التعبير، والعلاقة بالكتاب، وطريقة تنظيم الأفكار، والثقة بالنفس، ليست مجرد مهارات فردية، بل موارد اجتماعية يتم اكتساب جزء كبير منها خارج المدرسة.
ومن هنا تصبح نسبة النجاح العامة صورة نهائية لمسارات بدأت قبل سنوات طويلة. فالتلميذ الذي يجلس اليوم في قاعة البكالوريا لم يصل إليها فجأة، بل مر عبر سلسلة من المحطات: الانتقال بين السنوات، عمليات التقييم، التوجيه، اختيار الشعبة، جودة المؤسسة، الدعم الأسري، والدروس الخصوصية.
وكل محطة من هذه المحطات قد تمثل "ثقبًا دوديًا" يختصر الطريق أمام بعض التلاميذ، أو يزيد من صعوبته أمام آخرين.
إن إصلاح البكالوريا وحدها لن يحل المشكلة، لأن جذور التفاوت لا توجد في الامتحان فقط، بل في المسار الذي يقود إليه. وكما يوضح إدغار موران (Edgar Morin, 1999)، فإن الأنظمة المعقدة لا تفهم من خلال عنصر واحد، بل من خلال شبكة العلاقات التي تربط مكوناتها.
فالمدرسة ليست مؤسسة معزولة عن المجتمع، بل جزء من منظومة اقتصادية وثقافية وسياسية أوسع.

ولهذا فإن نسبة النجاح العامة ليست نهاية التحليل، بل بدايته. فهي تكشف المشهد العام، لكنها لا تكشف تضاريسه الداخلية. أما الفهم الحقيقي فيبدأ عند تحليل الفوارق بين الشعب والمؤسسات والجهات والجنس والفئات الاجتماعية.
2. التعليم العمومي والخاص... ماذا تقول الأرقام فعلًا؟
تكشف نتائج بكالوريا 2026 معطىً يستحق الوقوف عنده طويلًا، إذ بلغت نسبة النجاح في التعليم العمومي 55.82%، مقابل 21.72% في التعليم الخاص، و14.20% لدى المترشحين بصفة فردية. وللوهلة الأولى، تبدو هذه الأرقام مناقضة للصورة النمطية التي ترسخت خلال السنوات الأخيرة، والتي تعتبر أن المدرسة العمومية تعيش حالة تراجع مستمر، وأن التعليم الخاص أصبح البديل الأكثر جودة ونجاعة. غير أن القراءة السوسيولوجية ترفض التعامل مع الأرقام باعتبارها حقائق مكتفية بذاتها، لأن كل رقم هو نتيجة لمسار اجتماعي ومؤسساتي معقد.

فالمقارنة بين التعليم العمومي والخاص لا يمكن أن تختزل في سؤال بسيط: من يحقق نسبة نجاح أعلى؟ لأن كل قطاع يؤدي وظيفة اجتماعية مختلفة، ويستقبل فئات مختلفة من التلاميذ، ويشتغل داخل شروط تاريخية واقتصادية غير متشابهة. فالمدرسة العمومية في تونس، رغم الأزمات التي تعرفها من اكتظاظ، ونقص في التجهيزات، وصعوبات في الموارد البشرية، واضطراب نسق التعلمات، تظل المؤسسة التي تستقبل غالبية أبناء المجتمع بمختلف خلفياتهم الاجتماعية والثقافية. إنها لا تختار تلاميذها، بل تتحمل وظيفة الإدماج الاجتماعي وتدبير التنوع.
ومن هذا المنظور، فإن استمرار التعليم العمومي في تحقيق نسبة نجاح مرتفعة يكشف جانبًا مهمًا من قدرة هذه المؤسسة على الصمود، وعلى إنتاج النجاح رغم الضغوط البنيوية التي تواجهها. غير أن هذا النجاح لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجاهل اختلالاتها، كما أن تعثر التعليم الخاص لا ينبغي أن يؤدي إلى تعميم أحكام سلبية عليه. فالمسألة أكثر تعقيدًا من ثنائية "عمومي ناجح/خاص فاشل" أو العكس.

إن أحد أخطر الأخطاء في قراءة هذه النتائج هو اعتبار المؤسسة التعليمية وحدة مستقلة عن محيطها الاجتماعي. فقد بيّن بيير بورديو (Pierre Bourdieu, 1970) أن المدرسة لا تعمل في فراغ، بل تتفاعل مع أشكال مختلفة من الرأسمال الثقافي والاجتماعي والاقتصادي التي يحملها المتعلمون معهم قبل دخولهم المؤسسة. ولذلك، فإن نتيجة أي قطاع تعليمي هي حصيلة تفاعل بين جودة المؤسسة من جهة، وخصائص الجمهور الذي تستقبله من جهة أخرى.
فالقطاع الخاص، رغم أنه يُنظر إليه غالبًا باعتباره فضاءً أكثر توفيرًا للموارد، لا يستقطب بالضرورة دائمًا أفضل التلاميذ أو أكثرهم استعدادًا للنجاح. فهو يضم مؤسسات متفاوتة المستوى؛ بعضها يستقطب أبناء الأسر القادرة على الاستثمار المكثف في تعليم أبنائها، وبعضها الآخر يستقبل تلاميذ انتقلوا إليه بعد صعوبات في المسار العمومي، بحثًا عن فرصة ثانية أو عن ظروف مختلفة للدراسة. ولذلك فإن نسبة النجاح وحدها لا تكفي للحكم على نجاعة قطاع بأكمله.
وهنا تظهر إحدى "الثقوب الدودية" التي تخفيها الأرقام: فالمؤسسة التعليمية لا تنتج النجاح وحدها، بل تستفيد أيضًا من المسار السابق للتلميذ. فالتلميذ الذي يصل إلى البكالوريا وهو محاط بدعم أسري، ودروس خصوصية، وموارد رقمية، وبيئة ثقافية غنية، يدخل الامتحان وهو يحمل امتيازات تراكمت عبر سنوات. بينما يدخل تلميذ آخر الامتحان نفسه، لكنه يحمل أعباء اجتماعية واقتصادية وجغرافية لا تظهر في ورقة الإجابة.

لقد أصبحت الدروس الخصوصية جزءًا من اقتصاد النجاح المدرسي، حيث لم يعد التفوق مرتبطًا فقط بما يحدث داخل القسم، بل أيضًا بالقدرة على شراء وقت تعلم إضافي ومرافقة فردية وخدمات تربوية موازية. فهي لم تعد في كثير من الحالات مجرد وسيلة لمعالجة صعوبات التعلم أو سد بعض النقائص، بل تحولت إلى مسار تنافسي موازٍ يمنح لمن يستطيع تحمل تكلفتها فرصًا إضافية في الاستعداد للامتحان، وهو ما يجعل القدرة المالية للأسرة عاملًا مؤثرًا في توزيع فرص النجاح.
وهنا تظهر مفارقة اجتماعية عميقة: فالدروس الخصوصية قد تساعد بعض التلاميذ على تجاوز صعوبات حقيقية، وقد توفر لهم دعمًا إضافيًا خارج الزمن المدرسي، لكنها في الوقت نفسه قد تعمّق الفوارق بين الأسر. فالعائلة التي تمتلك موارد مالية أكبر تستطيع الاستثمار في ساعات إضافية من التعلم والمتابعة الفردية، بينما تجد أسر أخرى نفسها أمام خيار صعب بين مواكبة هذا النمط الجديد من المنافسة أو الاكتفاء بما توفره المدرسة العمومية. وعندما تتحول كلفة هذه الدروس إلى عبء يصل إلى آلاف الدنانير سنويًا، فإن النجاح المدرسي يصبح مرتبطًا جزئيًا بقدرة الأسرة على تمويل مسار تعليمي موازٍ.

وهذا ما ينسجم مع تصور أمارتيا سن (Amartya Sen, 1999) للعدالة باعتبارها لا تتعلق فقط بتوفير الحقوق رسميًا، وإنما بامتلاك الأفراد "القدرات الفعلية" للاستفادة منها. فحق التلميذ في التعليم لا يتحقق بمجرد وجود مدرسة أو مقعد دراسي، بل يتطلب توفر شروط تمكنه فعليًا من التعلم والنجاح. ومن هنا، فإن العدالة التعليمية لا تقاس فقط بعدد المسجلين في المؤسسات، بل بقدرة مختلف الفئات على تحويل هذا الحق إلى نتائج ملموسة.
كما أن ظاهرة الغش الإلكتروني، التي أصبحت أحد تحديات الامتحانات الوطنية، تندرج ضمن هذا السياق. فهي لا تظهر فقط كاختراق فردي لقواعد الامتحان، بل تكشف عن تحولات أعمق في علاقة بعض الفاعلين بالشهادة والنجاح. فعندما تصبح الشهادة التعليمية محدِّدًا أساسيًا للمستقبل الاجتماعي، وعندما يشعر بعض التلاميذ بضغط المنافسة وعدم تكافؤ الظروف، قد تظهر محاولات لاختصار الطريق عبر وسائل غير مشروعة. غير أن هذا السلوك لا يمكن تفسيره بمعزل عن أزمة الثقة في عدالة المسارات التعليمية.

ومن هنا، فإن الغش الإلكتروني يمثل شكلًا جديدًا من "الثقوب الدودية"، لكنه يختلف عن الثقوب الاجتماعية والثقافية السابقة؛ فهو لا يعمل قبل الامتحان فقط، بل يحاول اختراق لحظة التقييم نفسها. وإذا كانت الرأسمالات المختلفة التي تحدث عنها بورديو تمنح بعض التلاميذ أفضلية مشروعة أو غير مباشرة قبل الوصول إلى الامتحان، فإن الغش الإلكتروني يمثل محاولة لخلق أفضلية مصطنعة داخل الامتحان ذاته.
غير أن التركيز على الغش وحده قد يقود إلى خطأ تحليلي خطير، لأنه يحول الظاهرة إلى شماعة تفسر كل الإخفاقات. فالامتحان العادل لا يُبنى فقط بمنع الغش، بل أيضًا بضمان عدالة الشروط التي تسبقه. لذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة تحتاج إلى مسارين متكاملين: الأول تقني وتنظيمي يضمن نزاهة الامتحان، والثاني تربوي وثقافي يعيد بناء علاقة المتعلم بالمعرفة والاستحقاق.

ومن زاوية إدغار موران (Edgar Morin, 1999)، فإن المنظومات المعقدة لا تُفهم من خلال عنصر منفرد، بل من خلال شبكة العلاقات التي تربط مكوناتها. ولذلك فإن نتائج بكالوريا 2026 لا يمكن تفسيرها بجودة التعليم العمومي أو الخاص فقط، ولا بمستوى التلاميذ فقط، ولا بظاهرة الغش فقط، بل من خلال تفاعل مجموعة من العوامل: الرأسمال الثقافي، الوضع الاقتصادي، الموقع الجغرافي، نوع المؤسسة، المسار الدراسي السابق، والتحولات الرقمية.
إن الدرس الأهم الذي تقدمه هذه الأرقام هو أن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول انتصار قطاع على آخر، بل حول السؤال الأعمق: لماذا تختلف شروط النجاح بين التلاميذ قبل أن يصلوا إلى الامتحان؟ فالمشكلة ليست فقط في من ينجح ومن يفشل، بل في هندسة المسارات التي تجعل بعض الطرق أكثر اختصارًا وسهولة، وتجعل طرقًا أخرى أكثر طولًا وصعوبة.
وهنا تتضح الفكرة المركزية لهذا المقال: إن "الثقوب الدودية" داخل المنظومة التربوية لا توجد فقط في النتائج النهائية، بل في البنية التي تنتج هذه النتائج. فالعدالة التعليمية لا تعني أن يجتاز الجميع الامتحان نفسه، بل أن يمتلك الجميع فرصًا متقاربة للاستعداد له.


3. الشعب الدراسية... حين يتحول التوجيه إلى آلية لإعادة إنتاج اللامساواة

تكشف نتائج بكالوريا 2026 تفاوتًا واضحًا بين الشعب الدراسية، حيث حققت شعبة الرياضيات أعلى نسب النجاح، تلتها شعبة العلوم التجريبية ثم علوم الإعلامية، في حين سجلت بعض الشعب الأخرى نسبًا أقل. وقد يبدو هذا التفاوت، في القراءة الأولى، مجرد انعكاس لاختلاف مستويات التلاميذ أو صعوبة البرامج أو طبيعة المواد الدراسية. غير أن التحليل السوسيولوجي يدعونا إلى تجاوز هذا التفسير المباشر، لأن الشعبة الدراسية ليست مجرد اختيار بيداغوجي محايد، بل هي نتيجة لمسار طويل من الانتقاء والتصنيف والتوجيه يبدأ قبل سنوات من امتحان البكالوريا.
فالاختلاف بين الشعب لا يبدأ يوم إعلان النتائج، وإنما يتشكل تدريجيًا عبر المراحل السابقة من المسار المدرسي. فالتلميذ الذي يصل إلى شعبة الرياضيات أو العلوم التجريبية لا يدخل إليها من نقطة الصفر، بل يكون قد مرّ عبر سلسلة من عمليات التقييم والفرز المدرسي التي منحته إمكانية الوصول إلى هذا المسار. فالمعدلات السنوية، وترتيب التلاميذ، وتمثلات الأسرة حول مستقبل الأبناء، وتوقعات المؤسسة التعليمية، كلها عوامل تساهم في رسم الطريق الذي سيسلكه المتعلم.

وهنا تظهر إحدى أهم "الثقوب الدودية" داخل المنظومة التربوية: فالتوجيه، الذي يفترض أن يكون أداة لمساعدة التلميذ على اكتشاف قدراته واختيار المسار المناسب له، قد يتحول أحيانًا إلى آلية لإعادة توزيع الفرص بشكل غير متكافئ. فالتلميذ الذي ينجح في تجاوز مراحل الفرز الأولى يجد أمامه مسارات أكثر رمزية وأكثر حظوة اجتماعيًا، بينما يجد تلميذ آخر نفسه محصورًا في خيارات أقل تقديرًا، ليس بالضرورة بسبب غياب القدرات، وإنما بسبب تراكم تعثرات سابقة أو بسبب شروط اجتماعية لم تساعده على إبراز إمكاناته.
لقد أوضح ريمون بودون (Raymond Boudon, 1973) أن المسارات التعليمية لا تتحدد فقط بالقدرات الفردية، بل تتأثر أيضًا بالاختيارات الاجتماعية للأسر وبحسابات المستقبل. فاختيار شعبة معينة ليس قرارًا مدرسيًا خالصًا، بل هو قرار تتداخل فيه صورة الأسرة عن النجاح، وتوقعاتها لسوق الشغل، وقدرتها على دعم أبنائها، وموقعها الاجتماعي. فالأسرة التي تمتلك موارد ثقافية واقتصادية أكبر تكون غالبًا أكثر قدرة على توجيه أبنائها نحو المسارات التي تراها أكثر ضمانًا للمكانة الاجتماعية.

ومن هذا المنظور، تصبح الشعب الدراسية فضاءات تحمل دلالات اجتماعية، لا مجرد تقسيمات تقنية للمعارف. فقد ارتبطت بعض الشعب في المخيال الجماعي التونسي بصورة "النخبة"، خصوصًا الشعب العلمية، بينما تم التعامل مع شعب أخرى باعتبارها خيارات أقل قيمة رمزية. وهذا ما ينسجم مع تحليل باسيل برنشتاين (Basil Bernstein, 1975) الذي بيّن أن المدرسة لا تنقل المعرفة فقط، بل تمنح بعض أشكال المعرفة مكانة أعلى من غيرها، وتساهم في ترتيبها اجتماعيًا ورمزيًا.
فشعبة الرياضيات، مثلًا، لا يمكن تفسير تفوقها في نتائج البكالوريا باعتبار تلاميذها "أكثر ذكاء" بصورة طبيعية أو فطرية، لأن هذا التفسير يعيد إنتاج وهم الاستحقاق الفردي المنعزل عن شروط الإنتاج الاجتماعي للنجاح. إن ارتفاع نسب النجاح فيها يرتبط أيضًا بكونها تستقطب غالبًا التلاميذ الذين حققوا أفضل النتائج في المراحل السابقة، والذين استفادوا في كثير من الحالات من بيئات تعليمية وأسرية أكثر دعمًا.

وهنا نجد صدى واضحًا لتحليل بيير بورديو وجان-كلود باسرون (Pierre Bourdieu & Jean-Claude Passeron, 1970)، حيث بينا أن المدرسة تميل إلى تحويل الامتيازات السابقة إلى نجاح يبدو وكأنه نتيجة طبيعية للجدارة الفردية. فالتلميذ الذي يمتلك لغة مدرسية قوية، وعلاقة إيجابية بالمعرفة، ودعمًا أسريًا، وقدرة على الوصول إلى الموارد التعليمية، يكون أكثر استعدادًا للتكيف مع متطلبات الشعب الأكثر انتقائية.
لكن هذا لا يعني أن الشعب العلمية مجرد فضاءات لإعادة إنتاج الامتيازات، ولا أن النجاح فيها غير مستحق. فالعديد من التلاميذ يحققون إنجازات كبيرة بفضل العمل والاجتهاد والقدرة على التعلم. غير أن القراءة السوسيولوجية تضيف بعدًا آخر: النجاح الفردي لا يلغي وجود شروط اجتماعية تجعل الطريق إلى هذا النجاح أسهل بالنسبة للبعض وأكثر صعوبة بالنسبة للبعض الآخر.

وتبرز شعبة الاقتصاد والتصرف مثالًا مهمًا على هذا التعقيد. فهي تستقطب أعدادًا كبيرة من التلاميذ، ولذلك تجمع بين مسارات مدرسية واجتماعية متنوعة. إن ارتفاع عدد المترشحين فيها يجعلها فضاءً تتقاطع داخله مستويات مختلفة من الاستعدادات، والدوافع، والخلفيات الاجتماعية. لذلك فإن نسبة النجاح فيها لا يمكن قراءتها بمعزل عن طبيعة الجمهور الذي تحتويه.
أما شعبة الآداب، فإن وضعيتها تطرح سؤالًا أعمق يتعلق بمكانة المعرفة الإنسانية داخل المجتمع. فحين تتحول بعض الشعب إلى اختيارات اضطرارية أكثر منها اختيارات فكرية واعية، فإن المشكلة لا تعود مرتبطة بالتلاميذ فقط، بل بصورة المجتمع عن قيمة أنواع مختلفة من المعرفة. إن مجتمعًا يقلل من قيمة الفلسفة واللغات والعلوم الإنسانية يخسر جزءًا من قدرته على فهم ذاته وتحليل تحولاته.

كما أن عملية التوجيه تكشف بعدًا آخر من "الثقوب الدودية"، يتمثل في تأثير المعلومات غير المتكافئة بين الأسر. فليست كل العائلات تمتلك المعرفة نفسها حول المسارات الدراسية وآفاقها. بعض الأسر تملك القدرة على التخطيط المبكر لمسار أبنائها، والاستفادة من الاستشارة والدعم، بينما تترك أسر أخرى أبناءها يواجهون اختيارات معقدة بموارد محدودة. وهذا ما يجعل الرأسمال الاجتماعي، كما شرحه بورديو (Pierre Bourdieu, 1980)، عنصرًا مهمًا في صناعة المسارات التعليمية.
ومن جهة أخرى، فإن التوجيه المدرسي لا ينبغي أن يتحول إلى حكم نهائي على قدرات التلميذ. فالكثير من الأنظمة التعليمية الحديثة أصبحت تتجه نحو بناء مسارات أكثر مرونة تسمح بإعادة التوجيه والتدارك، لأن الإنسان ليس كائنًا ثابتًا، بل هو قادر على التطور واكتشاف قدراته في مراحل مختلفة. وهنا يلتقي التحليل السوسيولوجي مع تصور ليف فيغوتسكي (Lev Vygotski, 1997) حول قابلية التعلم والنمو من خلال التفاعل والدعم المناسب.
إن تحليل نتائج الشعب الدراسية يقود إلى استنتاج أساسي: إن الفوارق بين نسب النجاح لا تعكس فقط اختلاف البرامج أو صعوبة المواد، بل تكشف تاريخًا طويلًا من الاختيارات والانتقاءات التي شكلت المسار التعليمي قبل الوصول إلى البكالوريا.
فالبكالوريا ليست لحظة تبدأ فيها اللامساواة، بل لحظة تظهر فيها نتائجها النهائية. إنها المرآة التي تعكس مسارًا سابقًا من التوجيه والتصنيف والتوزيع غير المتكافئ للموارد.

وهنا تتأكد الفرضية المركزية للمقال: إن "الثقوب الدودية" لا توجد داخل الامتحان فقط، بل داخل الطريق المؤدي إليه. فكل قرار توجيهي، وكل عملية تصنيف، وكل تفاوت في الدعم والموارد، يمكن أن يفتح مسارًا أقصر لبعض التلاميذ، أو يجعل المسار أكثر تعقيدًا بالنسبة لغيرهم.


4. الجغرافيا التربوية... حين تصبح الجهة فاعلًا خفيًا في إنتاج النجاح المدرسي

إذا كانت نتائج بكالوريا 2026 تكشف تفاوتات بين الشعب الدراسية وأنماط المؤسسات التعليمية، فإنها تفتح أيضًا نافذة على بعد آخر لا يقل أهمية: البعد الجغرافي. فهذا البعد، رغم أنه لا يظهر دائمًا في الأرقام الأولى للنتائج، يمثل أحد أكثر العوامل تأثيرًا في تشكيل فرص النجاح المدرسي. فالتلميذ لا يجتاز امتحان البكالوريا باعتباره فردًا معزولًا، بل باعتباره ابن منطقة، وفضاء اجتماعي، وبنية تنموية، وشروط تعليمية تختلف من جهة إلى أخرى.
لقد أظهرت نتائج الامتحانات الوطنية في تونس، عبر سنوات عديدة، استمرار تفاوتات مجالية واضحة بين الجهات. فولايات تونس الكبرى والساحل غالبًا ما تسجل مؤشرات مدرسية أفضل مقارنة بعديد الجهات الداخلية التي تعاني من صعوبات اقتصادية واجتماعية وبنيوية. ولا يعني هذا بأي حال وجود اختلاف في قدرات التلاميذ أو ذكائهم، لأن مثل هذا التفسير يعيد إنتاج خطاب تبسيطي وخطير، بل يعني أن النجاح المدرسي لا يُنتج فقط داخل القسم، وإنما داخل مجتمع كامل يحيط بالقسم.

فالجهة ليست مجرد موقع جغرافي، بل هي ما يسميه هنري لوفيفر (Henri Lefebvre, 1974) فضاءً اجتماعيًا منتجًا للعلاقات والفرص. فالمجال لا يحتضن النشاطات الإنسانية فقط، بل يساهم في توزيع الموارد والإمكانات والسلطة. ولذلك فإن المدرسة الموجودة في وسط حضري تتوفر فيه المؤسسات الثقافية، والنقل، والإنترنت، والمراكز التكوينية، والدروس الخصوصية، لا تعمل داخل الشروط نفسها التي تعمل فيها مدرسة ريفية تعاني من صعوبة النقل، ونقص التجهيزات، وعدم استقرار الإطار التربوي.
ومن هذا المنظور، تصبح الجغرافيا نفسها أحد أشكال "الثقوب الدودية" داخل المنظومة التربوية. فبعض التلاميذ يولدون داخل فضاءات تختصر لهم الطريق نحو النجاح، ليس لأنهم أكثر اجتهادًا بالضرورة، بل لأن البيئة المحيطة بهم توفر لهم موارد إضافية غير مرئية في ورقة الامتحان. بينما يضطر آخرون إلى قطع مسافة أطول، ومواجهة عوائق يومية لا تظهر في سلم التنقيط.

وهنا يمكن استحضار مفهوم الرأسمال الاجتماعي لدى بيير بورديو (Pierre Bourdieu, 1980)، فالفرد لا يستفيد فقط من موارده الشخصية، بل أيضًا من شبكة العلاقات والموارد المتاحة داخل محيطه. فالتلميذ الذي يعيش في منطقة تتوفر فيها شبكة قوية من المدرسين المختصين، ومؤسسات الدعم، والمحيط الثقافي المحفز، يمتلك فرصًا أكبر للحصول على المساعدة والتوجيه. أما التلميذ الذي يعيش في بيئة محدودة الموارد، فقد يجد نفسه مطالبًا بتحقيق النتيجة نفسها بوسائل أقل.
كما أن التفاوت الجغرافي لا يتعلق فقط بالبنية المادية، بل يرتبط أيضًا بما يمكن تسميته الزمن التربوي. فالتلميذ في بعض المناطق قد يستهلك جزءًا كبيرًا من يومه في التنقل إلى المؤسسة التعليمية، أو يعاني من انقطاعات متكررة للدروس بسبب نقص الإطار أو صعوبة التعويض، بينما يستفيد تلميذ آخر من استقرار أكبر يسمح له باستثمار وقته في التعلم والمراجعة والأنشطة الثقافية. وهكذا تصبح المسألة ليست فقط: ماذا يتعلم التلميذ؟ بل أيضًا: ما مقدار الوقت والظروف المتاحة له لكي يتعلم؟

ويتقاطع هذا التحليل مع ما طرحه ديفيد هارفي (David Harvey, 1973) حول العدالة المجالية، حيث يرى أن توزيع الموارد داخل المجال ليس محايدًا، وأن التفاوتات الاقتصادية غالبًا ما تجد انعكاسًا لها في توزيع الخدمات والبنى الأساسية. فإذا تركزت المؤسسات ذات الجودة العالية، والموارد البشرية الأكثر استقرارًا، والفرص التعليمية المتنوعة في مناطق محددة، فإن المجال نفسه يتحول إلى آلية لإعادة إنتاج الفوارق.
إن المدرسة التونسية، في هذا السياق، لا تعكس فقط التفاوتات الاجتماعية، بل تعكس أيضًا التفاوتات المجالية. فالجهة التي تعاني من ضعف التنمية الاقتصادية غالبًا ما تواجه أيضًا صعوبات تعليمية، لأن الفقر، والهشاشة الاجتماعية، وضعف الخدمات، كلها عوامل تؤثر في المسار الدراسي للتلميذ. وهذا ما يجعل إصلاح التعليم منفصلًا عن إصلاح التنمية الجهوية مشروعًا ناقصًا.

ومن هنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى: فالدولة قد تضمن قانونيًا حق جميع التلاميذ في اجتياز نفس الامتحان الوطني، لكن هذا التوحيد في الاختبار قد يخفي اختلافًا كبيرًا في شروط الاستعداد له. فالامتحان يوحد الأسئلة، لكنه لا يوحد الظروف التي سبقت الامتحان.
وهذه النقطة أساسية لفهم معنى العدالة التربوية. فالعدالة لا تعني فقط معاملة الجميع بالطريقة نفسها، بل قد تتطلب أحيانًا دعمًا إضافيًا للفئات والمناطق التي تواجه صعوبات أكبر. وهذا ما ينسجم مع تصور أمارتيا سن (Amartya Sen, 1999)، الذي يميز بين المساواة الشكلية والقدرة الفعلية على الاستفادة من الفرص. فوجود المدرسة في كل منطقة لا يكفي إذا كانت شروط النجاح غير موزعة بالتساوي.
غير أن الحديث عن الجغرافيا التربوية لا ينبغي أن يقود إلى نوع من الحتمية المجالية. فالجهة لا تحكم مصير التلميذ بشكل نهائي، كما أن هناك نماذج عديدة لتلاميذ ومؤسسات حققت نجاحات لافتة رغم محدودية الموارد. لكن هذه النجاحات الفردية لا تلغي وجود قاعدة بنيوية عامة: إن بعض المسارات تبدأ من مواقع أكثر صعوبة من غيرها.

ومن زاوية "الثقوب الدودية"، يمكن القول إن المجال الجغرافي يمثل أحد أكثر هذه الثقوب عمقًا، لأنه يعمل قبل وصول التلميذ إلى المدرسة وقبل دخوله قاعة الامتحان. فهو يؤثر في نوع المؤسسة التي سيدرس فيها، وفي المدرسين الذين سيؤطرونه، وفي الموارد التي يستطيع الوصول إليها، وفي طموحاته نفسها.
لقد كشفت بكالوريا 2026، إذن، أن نتائج الامتحان ليست فقط خريطة للنجاح والفشل، بل هي أيضًا خريطة للمجال التونسي بكل تفاوتاته. فكل نسبة نجاح تحمل خلفها قصة منطقة، وكل معدل يخفي وراءه شروطًا اجتماعية ومجالية قد تكون ساعدت أو أعاقت صاحبه.
ولهذا فإن تجاوز "الثقوب الدودية" داخل المدرسة التونسية لا يمر فقط عبر إصلاح البرامج أو الامتحانات، بل عبر بناء عدالة مجالية تربوية تجعل مكان ولادة التلميذ أو مكان دراسته أقل تأثيرًا في فرص مستقبله.
فالسؤال الحقيقي ليس فقط:
لماذا ينجح بعض التلاميذ أكثر من غيرهم؟
بل:
لماذا تبدأ رحلة بعضهم نحو النجاح من طريق معبد، بينما يبدأ آخرون من طريق مليء بالعوائق؟


5. جندرة النجاح... لماذا تتفوق الإناث؟ وهل يعكس التفوق المدرسي عدالة اجتماعية؟

من بين التحولات الأكثر لفتًا للانتباه في المدرسة التونسية خلال العقود الأخيرة، يبرز التفوق المستمر للإناث في مختلف الامتحانات الوطنية، وفي مقدمتها امتحان البكالوريا. فقد أصبح الحضور النسائي في قوائم الناجحين والمتفوقين ظاهرة متكررة إلى درجة أنها لم تعد حدثًا استثنائيًا، بل أصبحت معطى بنيويًا يستحق التحليل. غير أن القراءة السوسيولوجية لا تكتفي بتسجيل هذا التفوق، بل تطرح أسئلة أعمق: لماذا تتفوق الفتيات داخل المدرسة؟ وهل يمثل هذا التفوق دليلًا على تحقق العدالة الاجتماعية؟ أم أنه يكشف عن مفارقة أوسع بين النجاح المدرسي واستمرار التفاوتات خارج المؤسسة التعليمية؟
إن أول ما ينبغي التأكيد عليه هو أن التفوق الدراسي للإناث لا يمكن تفسيره بعوامل بيولوجية أو فطرية، لأن مثل هذه التفسيرات تتجاهل تعقيد الظواهر الاجتماعية. فالمدرسة ليست فضاءً تُقاس داخله قدرات طبيعية فقط، بل هي مؤسسة تتفاعل فيها أنماط التنشئة، والانتظارات الاجتماعية، وعلاقة الأفراد بالمعرفة، وتمثلات المستقبل.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم التفوق النسائي باعتباره نتيجة لمسارات اجتماعية مختلفة في التنشئة. فالفتيات، في كثير من السياقات، يطورن علاقة أكثر انتظامًا مع المدرسة، تقوم على المواظبة، والانضباط، واحترام قواعد المؤسسة، والاستثمار طويل المدى في التحصيل. بينما قد يواجه الذكور، في بعض البيئات الاجتماعية، تمثلات مختلفة حول النجاح والرجولة، تجعل بعضهم أكثر انجذابًا إلى مسارات أخرى خارج المدرسة، أو أقل ارتباطًا بالعمل المدرسي اليومي.
وقد بيّنت ماري دورو-بيلا (Marie Duru-Bellat, 2004) أن المدرسة الحديثة أصبحت مجالًا مهمًا لإعادة تشكيل العلاقات بين الجنسين، حيث استطاعت الفتيات تحويل التعليم إلى أداة قوية للصعود الاجتماعي وتحقيق الاستقلالية. غير أن هذا النجاح المدرسي لا يعني بالضرورة اختفاء أشكال أخرى من التمييز، لأن التفوق داخل المدرسة لا يضمن تلقائيًا المساواة في سوق الشغل أو في مواقع القرار.

وهنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى التي تكشفها المدرسة المعاصرة: فقد تصبح المؤسسة التعليمية أكثر عدلًا من المجتمع الذي توجد داخله. فالفتاة قد تحقق نتائج أفضل من زميلها الذكر في الامتحانات، وتحصل على شهادات أعلى، لكنها قد تصطدم لاحقًا بعوائق اجتماعية واقتصادية تحد من تحويل هذا النجاح الأكاديمي إلى مكانة مهنية مماثلة.

وقد أشار كريستيان بودلو وروجيه إستابلي (Christian Baudelot & Roger Establet, 1992) إلى أن صعود الفتيات داخل النظام التعليمي يمثل أحد التحولات الكبرى في المجتمعات الحديثة، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية اللامساواة بين الجنسين. فالمدرسة قد تمنح فرصًا متقاربة نسبيًا، بينما تستمر مؤسسات أخرى في إنتاج أشكال مختلفة من التفاوت.
ومن منظور "الثقوب الدودية" الذي نعتمده في هذا المقال، فإن النوع الاجتماعي يمثل مسارًا خفيًا يؤثر في العلاقة بالنجاح المدرسي. غير أن هذا المسار لا يعمل بالطريقة نفسها بالنسبة للجميع. فالفتاة قد تجد في المدرسة مجالًا لتعويض بعض القيود الاجتماعية، وتحقيق استقلالية رمزية ومعرفية، لكن نجاحها المدرسي قد يصطدم لاحقًا بما يمكن تسميته "الثقوب الدودية خارج المدرسة"، أي الحواجز المهنية والاجتماعية التي تحد من تحويل رأس مالها التعليمي إلى قوة اجتماعية كاملة.

كما أن الحديث عن تفوق الإناث لا ينبغي أن يقود إلى إغفال التفاوتات الأخرى التي تتقاطع مع النوع الاجتماعي. فليست كل الفتيات يعشن الظروف نفسها. ففتاة تنتمي إلى أسرة ذات مستوى ثقافي واقتصادي مرتفع في مدينة كبرى لا تواجه التحديات نفسها التي تواجهها فتاة تعيش في منطقة داخلية أو في وسط اجتماعي هش. ولذلك، فإن النوع الاجتماعي لا يعمل منفصلًا عن الطبقة الاجتماعية والجغرافيا والرأسمال الثقافي.
وهنا تبرز أهمية المقاربة التقاطعية التي ترى أن اللامساواة لا تنتج عن عامل واحد، بل عن تفاعل عوامل متعددة. فالفتاة قد تستفيد من كونها أكثر انسجامًا مع منطق المدرسة، لكنها قد تواجه في الوقت نفسه قيودًا مرتبطة بموقعها الاجتماعي أو الجغرافي. وبالمقابل، قد يواجه بعض الذكور صعوبات أكبر داخل المسار المدرسي، لكنهم قد يستفيدون لاحقًا من امتيازات اجتماعية لا ترتبط بالضرورة بمستواهم التعليمي.

ومن زاوية أخرى، فإن تفوق الإناث يكشف تحولًا عميقًا في علاقة المجتمع التونسي بالتعليم. فقد أصبح التعليم بالنسبة لعدد كبير من الأسر وسيلة مركزية لضمان مستقبل أفضل لبناتها، خصوصًا في ظل إدراك متزايد لأهمية الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي. وهكذا تحولت المدرسة إلى فضاء تمكنت فيه الفتيات من بناء مشروع ذاتي يتجاوز بعض الحدود التقليدية.
غير أن هذا النجاح يطرح سؤالًا أوسع حول وظيفة المدرسة نفسها. فإذا كانت المدرسة قادرة على تقليص بعض أشكال اللامساواة بين الجنسين، فلماذا تعجز أحيانًا عن القضاء على الفوارق الطبقية والمجالية؟ هنا نجد صدى لتحليل بيير بورديو (Pierre Bourdieu, 1979)، الذي يبين أن المؤسسات التعليمية لا تعمل خارج علاقات القوة الموجودة في المجتمع، فهي قد تفتح أبوابًا جديدة لبعض الفئات، لكنها قد تستمر في إعادة إنتاج امتيازات أخرى.
إن نتائج بكالوريا 2026، من هذه الزاوية، لا تكشف فقط أن الإناث ينجحن أكثر من الذكور، بل تكشف تحولًا أعمق في بنية المجتمع التونسي: تحولًا أصبحت فيه المدرسة أحد المجالات التي تحقق فيها المرأة تقدمًا واضحًا. لكن هذا التقدم لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية لمسار التحرر، بل باعتباره مرحلة ضمن مسار أطول نحو مساواة اجتماعية كاملة.

فالمشكلة ليست فقط: لماذا تنجح الفتيات أكثر؟
بل السؤال الأعمق هو:
لماذا لا يتحول هذا النجاح المدرسي دائمًا إلى مساواة كاملة في الحياة المهنية والاجتماعية؟
وهنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى للمدرسة الحديثة: قد تكون قادرة على فتح أبواب النجاح، لكنها لا تملك وحدها القدرة على إزالة كل "الثقوب الدودية" التي تنتجها البنية الاجتماعية خارج أسوارها.


6. الغش الإلكتروني... حين تتحول «الثقوب الدودية» إلى اختراق لشرعية الاستحقاق

إذا كانت اللامساواة الاجتماعية والثقافية والجغرافية تمثل، كما رأينا في الأجزاء السابقة، ثقوبًا دودية تشتغل قبل لحظة الامتحان، عبر منح بعض التلاميذ موارد وفرصًا إضافية، فإن التحول الرقمي أفرز نوعًا جديدًا من هذه المسارات الخفية: الغش الإلكتروني. غير أن خصوصية هذا الشكل الجديد تكمن في أنه لا يعمل فقط على مستوى شروط الاستعداد للامتحان، بل يحاول اختراق لحظة التقييم نفسها، أي اللحظة التي يفترض أن تُقاس فيها المعرفة والجدارة.
لقد غيرت الثورة الرقمية طبيعة العلاقة بالمعرفة. فالمعلومة أصبحت متاحة بسرعة غير مسبوقة، وأصبح الوصول إلى مصادر التعلم أكثر سهولة من أي وقت مضى. غير أن الوجه الآخر لهذا التحول يتمثل في ظهور إمكانات جديدة للتحايل على أنظمة التقويم. فقد أصبحت الهواتف الذكية، وشبكات التواصل الفوري، وتقنيات الاتصال المصغرة، وأدوات الذكاء الاصطناعي، تطرح تحديات جديدة أمام الامتحانات الوطنية، لأنها تنقل المنافسة من مجال امتلاك المعرفة فقط إلى مجال امتلاك الوسائل التقنية التي قد تسمح بتجاوز قواعد التقييم.

لكن القراءة السوسيولوجية ترفض اختزال الغش الإلكتروني في صورة "تلميذ منحرف" أو "أزمة أخلاق فردية". فمثل كل الظواهر الاجتماعية، لا يظهر هذا السلوك في فراغ، بل يتغذى من سياق أوسع يتعلق بمكانة الشهادة في المجتمع، وبالضغط المرتبط بالنجاح، وبالمنافسة الشديدة على فرص التعليم العالي والاندماج المهني.
لقد بيّن ماكس فيبر (Max Weber, 1922) أن الشهادات أصبحت في المجتمعات الحديثة أدوات للفرز الاجتماعي ومنح الشرعية للوصول إلى مواقع معينة. فالشهادة لا تمثل فقط إثباتًا للمعرفة، بل أصبحت أيضًا وثيقة تمنح صاحبها مكانة وفرصًا ومسارًا مهنيًا محتملًا. وكلما ارتفعت قيمة الشهادة الاجتماعية، ارتفع الضغط المرتبط بالحصول عليها، وقد تظهر لدى بعض الفاعلين استراتيجيات للالتفاف على المسار الرسمي للوصول إليها.

ومن هذا المنظور، لا يمكن فهم الغش الإلكتروني فقط باعتباره رفضًا لقواعد الامتحان، بل باعتباره أحد أعراض أزمة أعمق تتعلق بعلاقة المجتمع بالنجاح. فعندما يتحول النجاح المدرسي من قيمة معرفية وتكوينية إلى شرط أساسي للحفاظ على المكانة الاجتماعية أو تحسينها، يصبح الامتحان محملًا برهانات تفوق وظيفته الأصلية. وهنا يظهر خطر تحول المدرسة من فضاء للتعلم إلى ساحة صراع من أجل الحصول على شهادة بأي وسيلة.
ويتقاطع هذا التحليل مع ما طرحه ميشال فوكو (Michel Foucault, 1975) حول وظيفة الامتحان داخل المؤسسات الحديثة. فالامتحان ليس مجرد أداة لقياس المعرفة، بل هو أيضًا آلية لإنتاج التصنيف والاعتراف والتمييز بين الأفراد. إنه اللحظة التي تتحول فيها المعرفة إلى رقم، والجهد إلى ترتيب، والمسار الطويل إلى نتيجة نهائية. لذلك فإن اختراق الامتحان عبر الغش لا يمس فقط قواعد إجرائية، بل يمس النظام الرمزي الذي يمنح الشهادة معناها.
غير أن الغش الإلكتروني يختلف عن أشكال الغش التقليدية، لأنه يستفيد من منطق الشبكات. فقد أصبح بعض أشكال التحايل تعتمد على سرعة تداول المعلومات، وعلى القدرة على إنشاء شبكات تعاون غير رسمية بين المترشحين. وهنا نجد صدى لتحليل مانويل كاستلز (Manuel Castells, 1996) حول مجتمع الشبكات، حيث أصبحت العلاقات الرقمية قوة اجتماعية مؤثرة يمكن أن تستخدم في إنتاج المعرفة، لكنها قد تستخدم أيضًا في إنتاج أشكال جديدة من تجاوز القواعد.

ومن زاوية "الثقوب الدودية"، يمثل الغش الإلكتروني انتقالًا من محاولة اختصار الطريق قبل الامتحان إلى محاولة اختصار الطريق داخل الامتحان نفسه. فالرأسمال الثقافي الذي تحدث عنه بورديو (Pierre Bourdieu, 1970) يمنح بعض التلاميذ أفضلية تراكمية مشروعة أو غير مباشرة عبر الأسرة والبيئة الاجتماعية، أما الغش الإلكتروني فيحاول إنتاج أفضلية مصطنعة لحظة التقييم. وفي الحالتين، تظهر المشكلة نفسها: اختلال العلاقة بين النتيجة النهائية والشروط الحقيقية التي أنتجتها.
لكن من الضروري تجنب قراءة الغش الإلكتروني باعتباره تفسيرًا شاملًا لنتائج البكالوريا أو سببًا رئيسيًا لكل تفاوت في النجاح. فمثل هذا التفسير قد يؤدي إلى إخفاء العوامل البنيوية الأعمق: الفوارق الاجتماعية، والتفاوت الجهوي، واختلاف جودة المؤسسات، وتفاوت الموارد الثقافية. فالغش، مهما كان أثره، لا يفسر وحده لماذا يبدأ بعض التلاميذ مسارهم من موقع أكثر قوة من غيرهم.

بل إن التركيز المفرط على الغش قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، تتمثل في نقل المسؤولية من مستوى النظام إلى مستوى الفرد فقط. فالمجتمع الذي ينتج ضغطًا هائلًا حول الشهادة، ثم يكتفي بإدانة الأفراد الذين يحاولون اختراق قواعدها، يتجاهل الظروف التي تجعل الامتحان يحمل وزنًا يفوق قدرته الطبيعية.
ومن جهة أخرى، فإن الغش الإلكتروني يطرح سؤالًا أخلاقيًا وتربويًا عميقًا: ماذا يحدث عندما تنفصل النتيجة عن التعلم الحقيقي؟ هنا تظهر فكرة جان بودريار (Jean Baudrillard, 1981) حول المحاكاة؛ إذ يمكن أن تتحول بعض النتائج إلى علامات ظاهرية للنجاح لا تعكس بالضرورة الواقع المعرفي الذي يفترض أن تمثله. فالخطر لا يكمن فقط في حصول شخص على نقطة لا يستحقها، بل في اهتزاز الثقة الجماعية في معنى النقطة والشهادة.
ولهذا فإن مواجهة الغش الإلكتروني لا يمكن أن تكون تقنية فقط، رغم أهمية الجانب الرقابي والتنظيمي. فالكاميرات، والإجراءات الأمنية، والتقنيات المضادة للغش، كلها ضرورية لكنها تعالج الظاهر. أما المعالجة العميقة فتتطلب إعادة بناء العلاقة بين المتعلم والمعرفة، وبين النجاح والاستحقاق، وبين المدرسة والمجتمع.
وهذا يقتضي الانتقال من ثقافة تعتبر الامتحان معركة يجب الانتصار فيها بأي ثمن، إلى ثقافة تعتبر التعلم مسارًا لبناء الذات. كما يقتضي إعادة النظر في مكانة الشهادة نفسها، حتى لا تصبح قيمة الإنسان مرتبطة فقط بنتيجة امتحان واحد.

إن الغش الإلكتروني، في النهاية، ليس مجرد مشكلة تقنية فرضتها الهواتف الذكية، بل هو مرآة لتحولات اجتماعية وثقافية أوسع. إنه يكشف أزمة الثقة في عدالة المسارات، ويكشف أيضًا حاجة المدرسة إلى إعادة بناء شرعيتها الأخلاقية والمعرفية.
فالثقب الدودي الأخطر ليس فقط أن يختصر بعض المترشحين الطريق نحو النجاح بوسائل غير مشروعة، بل أن يصبح المجتمع غير قادر على التمييز بين نجاح حقيقي أنتجته المعرفة والجهد، ونجاح شكلي أنتجته آليات الاختراق والتحايل.
وعندما تفقد الشهادة قدرتها على التعبير عن الكفاءة الفعلية، فإن الأزمة لا تعود أزمة امتحان فقط، بل تصبح أزمة ثقة في المدرسة وفي المستقبل الذي تعد به.


7. من الثقوب الدودية إلى إعادة بناء المعنى التربوي: نحو مدرسة تونسية تتجاوز منطق الأرقام

إن أخطر ما تكشفه نتائج بكالوريا 2026 ليس فقط وجود تفاوت في نسب النجاح بين التلاميذ والجهات والشعب، بل يكشف أيضًا عن أزمة أعمق تتعلق بوظيفة المدرسة نفسها: هل أصبحت المدرسة فضاءً لبناء الإنسان، أم تحولت تدريجيًا إلى جهاز لفرز الأفراد وتصنيفهم وفق منطق الامتحان والنتيجة؟
فالنتائج الرقمية، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع وحدها تفسير حقيقة المدرسة. إنها تقدم صورة نهائية لمسار طويل من الاختيارات والتراكمات الاجتماعية والتربوية. فخلف كل ناجح قصة دعم أسري، ومسار مدرسي، وظروف تعلم، ورصيد ثقافي واجتماعي. وخلف كل متعثر أيضًا تاريخ من الصعوبات قد لا يظهر في ورقة الامتحان. وهنا تظهر أهمية الانتقال من سؤال: "كم نجح؟" إلى سؤال أكثر عمقًا: "كيف أنتج المجتمع هذا النجاح وهذا الفشل؟"

إن استعارة "الثقوب الدودية" التي اعتمدها هذا المقال تقودنا إلى فهم أن الأزمة لا توجد فقط داخل الامتحان، بل داخل المسارات التي تسبق الامتحان. فهناك ثقوب دودية اجتماعية تسمح لبعض التلاميذ بالعبور بسرعة نحو النجاح عبر الرأسمال الثقافي، والدعم الأسري، والموارد الاقتصادية، وهناك ثقوب دودية مؤسساتية مرتبطة بجودة المدرسة واستقرار الإطار التربوي، وهناك ثقوب دودية رقمية جديدة فرضتها التحولات التكنولوجية.
لكن السؤال الأهم هو: لماذا تنتج المنظومة نفسها هذه المسارات غير المتكافئة؟

لقد بين بيير بورديو (Pierre Bourdieu, 1979) أن المدرسة لا تعمل دائمًا كأداة لتحرير الأفراد من الفوارق الاجتماعية، بل قد تتحول إلى مؤسسة تعيد إنتاج هذه الفوارق عندما تمنح قيمة أكبر للموارد التي يرثها بعض التلاميذ من أسرهم. فالنجاح المدرسي لا يرتبط فقط بالذكاء أو الجهد الفردي، بل يتأثر أيضًا بالرأسمال الثقافي واللغوي والاجتماعي الذي يدخل به المتعلم إلى المؤسسة التعليمية.
غير أن المدرسة التونسية تواجه اليوم تحديًا إضافيًا، يتمثل في فقدان جزء من معناها الرمزي. فقد كانت المدرسة، تاريخيًا، إحدى أهم آليات الصعود الاجتماعي وبناء المشروع الوطني. أما اليوم، فقد أصبح كثير من التلاميذ والأسر ينظرون إليها من زاوية نفعية ضيقة: الحصول على شهادة، ثم البحث عن موقع في سوق شغل محدود القدرة على الاستيعاب. وهنا يتحول التعلم من قيمة في ذاته إلى وسيلة للحصول على وثيقة رسمية.

وهذا ما ينسجم مع نقد إيفان إيليتش (Ivan Illich, 1971) للمؤسسات التعليمية الحديثة، حين حذر من خطر اختزال التربية في مجرد مسار مؤسساتي يمنح الشهادات أكثر مما يبني القدرة على التعلم المستقل. فالمدرسة التي يصبح هدفها الأساسي إنتاج الناجحين في الامتحانات فقط، تفقد تدريجيًا وظيفتها الأعمق: تكوين الإنسان القادر على التفكير والفهم والمشاركة في بناء المجتمع.
ومن هذا المنطلق، فإن إصلاح المدرسة التونسية لا يمكن أن يختزل في مراجعة البرامج أو تعديل نظام الامتحانات، لأن الأزمة ليست تقنية فقط، بل هي أزمة فلسفة تربوية. فالسؤال المركزي ليس: كيف نرفع نسبة النجاح؟ بل: ما نوع الإنسان الذي نريد أن تنتجه المدرسة؟

إن الانتقال من منطق "الانتقاء" إلى منطق "التمكين" يمثل أحد الشروط الأساسية للخروج من هذه الأزمة. فالمدرسة العادلة ليست المدرسة التي تجعل الجميع يحققون النتيجة نفسها، بل المدرسة التي تمنح الجميع شروطًا متقاربة لتحقيق إمكاناتهم. وهذا ما ينسجم مع تصور أمارتيا سن (Amartya Sen, 1999) للعدالة، حيث لا يكفي توفير الحقوق رسميًا، بل يجب ضمان القدرات الفعلية للأفراد على الاستفادة منها.
كما أن إعادة بناء المدرسة تمر حتمًا عبر إعادة الاعتبار للمعلم. فلا يمكن بناء منظومة تربوية قوية في ظل تراجع المكانة الاجتماعية للمدرس، أو تحميله مسؤولية اختلالات تتجاوز حدود القسم. فالمعلم ليس مجرد منفذ للبرامج، بل هو الفاعل الأساسي الذي يحول المعرفة المجردة إلى تجربة إنسانية. وكما يؤكد باولو فريري (Paulo Freire, 1974)، فإن التربية الحقيقية ليست نقلًا ميكانيكيًا للمعارف، بل علاقة حوارية تساعد الإنسان على فهم ذاته والعالم من حوله.

ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاوز أزمة المدرسة دون الاعتراف بأن العدالة التربوية مرتبطة بالعدالة المجالية والاجتماعية. فالمدرسة لا تستطيع وحدها معالجة الفوارق الناتجة عن الفقر، أو ضعف التنمية الجهوية، أو تفاوت الموارد الثقافية. وكما يوضح إدغار موران (Edgar Morin, 1999)، فإن الأنظمة المعقدة لا تصلح عبر حلول جزئية، لأن كل عنصر مرتبط ببقية العناصر داخل شبكة واحدة. لذلك فإن إصلاح التعليم هو مشروع مجتمعي يتجاوز وزارة التربية وحدها ليشمل السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

إن الخروج من "الثقوب الدودية" للمنظومة التربوية لا يعني إلغاء الاختبارات أو رفض مبدأ التقييم، بل إعادة وضع الامتحان في مكانه الطبيعي: أداة للقياس لا غاية نهائية للتعلم. فالمدرسة التي تختزل المعرفة في المعدل، والتلميذ في العدد، والنجاح في الشهادة، تخاطر بإنتاج أجيال قادرة على اجتياز الاختبارات لكنها أقل قدرة على فهم العالم وتغييره.

لذلك فإن الرهان الحقيقي أمام المدرسة التونسية ليس فقط تحسين ترتيبها في مؤشرات النجاح، بل استعادة وظيفتها التاريخية باعتبارها فضاءً لصناعة المعنى، وبناء المواطن، وتحرير العقل.
فالسؤال الحاسم ليس:
كم تلميذًا نجح في البكالوريا؟
بل:
أي إنسان تريد المدرسة التونسية أن تصنعه في القرن الحادي والعشرين؟


الخاتمة: من تشخيص الثقوب الدودية إلى استعادة مستقبل المدرسة التونسية

تكشف نتائج بكالوريا 2026 أن الامتحان الوطني ليس مجرد لحظة تقييم معرفي، بل هو مرآة مركبة تعكس تاريخًا طويلًا من التفاعلات الاجتماعية والتربوية والثقافية. فالأرقام التي تظهر في نهاية السنة الدراسية ليست إلا الطبقة المرئية من بنية أعمق تتحرك في الخفاء: بنية تتداخل فيها الأسرة، والجهة، والمؤسسة التعليمية، والرأسمال الثقافي، والاختيارات السياسية، والتحولات التكنولوجية.
ومن هنا تأتي أهمية استعارة "الثقوب الدودية" باعتبارها أداة تحليلية لفهم تلك المسارات غير المرئية التي تعيد توزيع فرص النجاح والفشل داخل المنظومة التربوية. فبعض التلاميذ يدخلون الامتحان وهم يحملون موارد إضافية لا تظهر في ورقة الاختبار: لغة مدرسية أقرب إلى لغة المدرسة، دعمًا أسريًا مستمرًا، قدرة على النفاذ إلى الموارد الرقمية، أو وجودًا داخل بيئة تعليمية أكثر استقرارًا. بينما يواجه آخرون الامتحان نفسه وهم يحملون أعباء اجتماعية ومجالية تجعل طريقهم نحو النتيجة نفسها أكثر صعوبة.

وهنا تتأكد أطروحة بيير بورديو (Pierre Bourdieu, 1970) حول إعادة إنتاج اللامساواة داخل المؤسسة التعليمية. فالمدرسة لا تعمل في فراغ اجتماعي، ولا تبدأ من نقطة انطلاق واحدة بالنسبة للجميع. ولذلك فإن الحديث عن تكافؤ الفرص لا ينبغي أن يقتصر على فتح أبواب المدرسة للجميع، بل يجب أن يمتد إلى ضمان شروط حقيقية تسمح للجميع بالنجاح داخلها.
ومن بين أبرز هذه المسارات الخفية التي تكشفها البكالوريا، تبرز ظاهرة الدروس الخصوصية باعتبارها أحد أكثر مظاهر انتقال المنافسة المدرسية إلى المجال الاقتصادي وضوحًا. فقد أصبحت في كثير من الحالات آلية موازية للاستعداد للامتحان، تمنح لمن يستطيع تحمل كلفتها وقتًا إضافيًا، ومرافقة مكثفة، وفرصًا أكبر للنجاح. غير أن هذا التحول يحمل مفارقة اجتماعية عميقة: فالدروس الخصوصية تساعد بعض التلاميذ على تجاوز صعوبات التعلم، لكنها في الوقت نفسه قد تعمّق الفارق بين الأسر القادرة على تمويل هذا المسار والأسر التي تجد نفسها عاجزة عن مجاراة تكاليفه، خاصة عندما تتحول هذه النفقات إلى عبء مالي يصل إلى آلاف الدنانير سنويًا. وهنا يصبح السؤال حول العدالة التعليمية مرتبطًا ليس فقط بحق الجميع في المدرسة، بل بحق الجميع في شروط متقاربة للنجاح.
لقد كشفت بكالوريا 2026، من خلال تفاوت النتائج بين الجهات والشعب والمؤسسات والفئات الاجتماعية، أن الأزمة التربوية في تونس ليست أزمة امتحان فقط، بل أزمة نموذج. فحين تصبح المدرسة فضاءً للفرز أكثر من كونها فضاءً للتمكين، وحين تتحول الشهادة من وسيلة لبناء المستقبل إلى غاية قائمة بذاتها، فإنها تفقد جزءًا من معناها التربوي والإنساني.

كما أن ظهور أشكال جديدة من الغش الإلكتروني يضيف بعدًا آخر إلى هذه الأزمة، لأنه لا يمس فقط نزاهة الامتحان، بل يطرح سؤالًا أعمق حول علاقة المجتمع بالاستحقاق والثقة والمعرفة. فحين يصبح النجاح منفصلًا عن التعلم، تصبح الشهادة مهددة بفقدان قيمتها الرمزية، وتصبح المدرسة نفسها مطالبة بإعادة بناء علاقتها بالمجتمع.
غير أن تشخيص الأزمة لا يعني إعلان نهاية المدرسة. فالمدرسة التونسية، رغم اختلالاتها، ما تزال تمتلك قدرة كبيرة على لعب دور التحرر الاجتماعي وبناء المستقبل. لكن ذلك يتطلب تجاوز المقاربات الجزئية التي تختزل الإصلاح في تغيير البرامج أو تعديل الامتحانات، نحو رؤية شاملة تعتبر التعليم مشروعًا وطنيًا لإعادة بناء الإنسان.

إن تجاوز الثقوب الدودية داخل المنظومة التربوية يمر عبر أربعة رهانات كبرى:

أولًا: بناء عدالة تربوية حقيقية
وذلك عبر تقليص الفوارق بين الجهات، وضمان توزيع أكثر عدلًا للموارد والإطارات والتجهيزات، لأن العدالة التعليمية لا تعني فقط مساواة الجميع أمام الامتحان، بل مساواتهم في شروط الاستعداد له، بما في ذلك الحد من تحول الدعم التربوي الإضافي إلى امتياز مرتبط بالقدرة المالية للأسرة.

ثانيًا: إعادة الاعتبار للمدرس
فالمدرس هو القلب النابض للمنظومة التربوية، ولا يمكن بناء مدرسة المستقبل في ظل تراجع مكانته الاجتماعية أو اختزال دوره في تنفيذ البرامج فقط. إن الاستثمار في المدرس هو استثمار في مستقبل المجتمع نفسه.

ثالثًا: الانتقال من ثقافة الامتحان إلى ثقافة التعلم
فالامتحان ضروري، لكنه لا يمكن أن يكون الهدف النهائي للتربية. المدرسة مطالبة بتكوين أفراد قادرين على التفكير النقدي، والإبداع، والتكيف مع عالم متغير، لا مجرد متعلمين قادرين على حفظ المعارف واسترجاعها في يوم محدد.

رابعًا: إعادة ربط المدرسة بتحولات العصر
فالعالم اليوم يعيش تحولات رقمية ومعرفية عميقة، والمدرسة التي لا تتفاعل مع هذه التحولات ستظل أسيرة نموذج تربوي ينتمي إلى الماضي. المطلوب ليس إدخال التكنولوجيا فقط، بل بناء علاقة جديدة بين المعرفة والإنسان والمجتمع.

إن الثقب الدودي الأكبر الذي يجب اكتشافه ليس داخل نتائج البكالوريا، بل في الفجوة بين المدرسة التي نملكها والمدرسة التي يحتاجها المجتمع. فالمشكلة الحقيقية ليست فقط في عدد الناجحين، بل في نوعية الإنسان الذي نريد أن تصنعه هذه المؤسسة.

ولهذا فإن السؤال النهائي الذي تطرحه نتائج بكالوريا 2026 ليس:
من نجح؟ ومن فشل؟
بل:
هل تستطيع المدرسة التونسية أن تتحول من مؤسسة لإدارة الانتقاء إلى فضاء لصناعة الإنسان؟

فمستقبل تونس لن يُبنى فقط في المؤسسات الاقتصادية أو الأسواق أو مراكز القرار، بل يبدأ من القسم: من علاقة الطفل بالمعرفة، ومن مكانة المدرس، ومن قدرة المدرسة على منح كل متعلم فرصة حقيقية ليصبح ما يستطيع أن يكونه.
إن إصلاح المدرسة ليس إصلاح قطاع فحسب، بل هو مشروع لإعادة بناء المجتمع والدولة والمعنى.


هذا المقال منشور على منصة Zenodo ويمكن الاطلاع عليه عبر الرابط التالي:
https://doi.org/10.5281/zenodo.21309460


المراجع:

1. Althusser, Louis (1970). « Idéologie et appareils idéologiques d’tat ». La Pensée, n°151, Paris.
2. Arendt, Hannah (1972). La Crise de la culture. Paris : Gallimard.
3. Baudrillard, Jean (1981). Simulacres et Simulation. Paris : ditions Galilée.
4. Baudelot, Christian & Establet, Roger (1992). Allez les filles !. Paris : ditions du Seuil.
5. Becker, Howard S. (1985). Outsiders. tudes de sociologie de la déviance. Paris : Métailié.
6. Bernstein, Basil (1975). Langage et classes sociales. Codes socio-linguistiques et contrôle social. Paris : ditions de Minuit.
7. Boudon, Raymond (1973). L’Inégalité des chances. La mobilité sociale dans les sociétés industrielles. Paris : Armand Colin.
7. Bourdieu, Pierre (1979). La Distinction. Critique sociale du jugement. Paris : Les ditions de Minuit.
8. Bourdieu, Pierre (1980). Le Sens pratique. Paris : Les ditions de Minuit.
9. Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude (1970). La Reproduction. léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris : Les ditions de Minuit.
10. Castells, Manuel (1998). La Société en réseaux. L’ère de l’information. Paris : Fayard. (dition française)
11. Charlot, Bernard (1997). Du rapport au savoir. léments pour une théorie. Paris : Anthropos.
12. Dubet, François (2002). Le Déclin de l’institution. Paris : ditions du Seuil.
13. Dubet, François (2004). L’cole des chances. Qu’est-ce qu’une école juste ? Paris : ditions du Seuil.
14. Durkheim, mile (1922). ducation et sociologie. Paris : Félix Alcan.
15. Duru-Bellat, Marie (2004). L’cole des filles. Quelle formation pour quels rôles sociaux ? Paris : L’Harmattan.
16. Foucault, Michel (1975). Surveiller et punir. Naissance de la prison. Paris : Gallimard.
17. Freinet, Célestin (1969). Pour l’école du peuple. Paris : Maspero.
18. Freire, Paulo (1974). Pédagogie des opprimés. Paris : Maspero.
19. Harvey, David (1973). Social Justice and the City. London : Edward Arnold.
20. Honneth, Axel (2000). La Lutte pour la reconnaissance. Paris : Les ditions du Cerf.
21. Illich, Ivan (1971). Une société sans école. Paris : ditions du Seuil.
22. Lefebvre, Henri (1974). La Production de l’espace. Paris : Anthropos.
23. Meirieu, Philippe (1987). Apprendre… oui, mais comment. Paris : ESF.
24. Morin, Edgar (1999). Les Sept savoirs nécessaires à l’éducation du futur. Paris : UNESCO / ditions du Seuil.
25. Perrenoud, Philippe (1997). Construire des compétences dès l’école. Paris : ESF.
26. Sen, Amartya (2000). Repenser l’inégalité. Paris : ditions du Seuil. (Traduction française de Inequality Reexamined, 1992)
27. Vygotski, Lev S. (1997). Pensée et langage. Paris : La Dispute. (dition française)
28. Weber, Max (1971). conomie et société. Paris : Plon. (Traduction française de Wirtschaftund Gesellschaft, 1922)
29. International Center for Academic Integrity (ICAI) (2021). The Fundamental Values of Academic Integrity. Clemson, SC : ICAI.
30. OECD (2018). The Future of Education and Skills 2030. Paris : OECD Publishing.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال