بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الثقوب الدودية في الذاكرة المدرسية: الحفل المدرسي بين زمنين؛ زمن الاحتفال وزمن الاحتفاظ

2026-07-01 29 قراءة مقالات رأي سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تقديم: حين لا ينتهي الحفل... بل ينتهي الزمن

لا يُختزل الحفل المدرسي في كونه مناسبة تُختتم بها السنة الدراسية أو يُحتفى خلالها بالنجباء، بل يمثل لحظة كثيفة تختبر قدرة المؤسسة التربوية على إنتاج ذاكرتها وصناعة هويتها. فبين لحظة الاحتفال، بما تحمله من اعتراف بالجهد وفرح جماعي، ولحظة الاحتفاظ، بما تقتضيه من توثيق وتأمل واستثمار، تتحدد القيمة الحقيقية للحفل المدرسي. وهنا يظهر أحد الثقوب الدودية في الجسد التربوي؛ إذ تتسرب الخبرات والإنجازات إلى فراغ النسيان، عندما يبقى الحفل مجرد حدث عابر لا يتحول إلى ذاكرة مؤسسية. فالمدرسة التي لا تحفظ زمنها، تفقد قدرتها على بناء مستقبلها.

1. الحفل المدرسي: ثقب دودي يصل بين زمنين

يشكل الحفل المدرسي، في عمقه السوسيولوجي، ثقبًا دوديًا يربط بين زمن الإنجاز وزمن الذاكرة. فالاحتفال ليس غاية في ذاته، بل معبر تنتقل عبره التجربة من حاضر المؤسسة إلى مستقبلها. فإذا أحسنت المدرسة توثيق ما أنجزته وتحليله، أصبح الحفل موردًا للتعلم والتطوير، أما إذا انتهى بانتهاء التصفيق، انغلق هذا المعبر وضاع الزمن التربوي. ويتقاطع هذا التصور مع مفهوم موريس هالبفاكس (Maurice Halbwachs، 1950) للذاكرة الجماعية، الذي يرى أن الجماعات لا تحفظ الماضي كما وقع، بل تعيد بناءه باستمرار ليصبح عنصرًا من عناصر هويتها واستمراريتها.

2. الثقب الدودي للذاكرة: حين تتحول الأرشفة إلى مجرد تخزين

ليست الذاكرة المدرسية مجموعة صور أو مقاطع فيديو محفوظة في حاسوب الإدارة، وإنما هي منظومة لإنتاج المعنى وتحويل التجربة إلى معرفة مؤسسية. فالوثيقة التي لا تُقرأ، والصورة التي لا تُحلل، والتجربة التي لا تُناقش، تبقى مجرد أرشيف جامد. وهنا يتشكل ثقب دودي آخر؛ إذ تتسرب الخبرة بمغادرة المدير أو المعلم أو الفريق المنظم، فتغادر معهم سنوات من التراكم دون أن تستفيد منها المؤسسة. ويقترب هذا التصور من تحليل بيير نورا (Pierre Nora، 1984) الذي يؤكد أن الذاكرة لا تُختزل في الحفظ، بل في بناء "أماكن للذاكرة" تجعل الماضي حيًا داخل الحاضر.

3. الحفل المدرسي: مختبر لإنتاج الكفايات

لا يقتصر الحفل المدرسي على تقديم عروض فنية أو توزيع الجوائز، بل يمثل وضعية تربوية مركبة يتعلم فيها التلميذ بالممارسة. فمن خلال الإعداد والتنظيم والتنسيق والتواصل، يكتسب مهارات التخطيط، والعمل الجماعي، والقيادة، وإدارة الوقت، وحل المشكلات، وتحمل المسؤولية. وهكذا يتحول الحفل إلى ثقب دودي ينقل المتعلم من المعرفة النظرية إلى الخبرة العملية، وهو ما ينسجم مع فلسفة جون ديوي (John Dewey، 1938) التي تجعل التعلم القائم على الخبرة أساسًا للتربية، كما تؤكده نظرية التعلم الاجتماعي عند ألبرت باندورا (Albert Bandura، 1977) التي ترى أن التعلم يتم بالمشاركة والتفاعل والملاحظة.

4. من الاحتفال إلى التفكير: حيث يبدأ التعلم بعد إسدال الستار

إذا كان إسدال الستار يعلن نهاية العرض، فإنه ينبغي أن يعلن أيضًا بداية التفكير. فالمؤسسة التي تتساءل بعد الحفل: ماذا أنجزنا؟ وما الذي نجح؟ وأين أخفقنا؟ وكيف نحسن أداءنا في المستقبل؟ تفتح ثقبًا دوديًا يصل الماضي بالمستقبل، وتحول التجربة إلى معرفة قابلة للتراكم. أما المدرسة التي تكتفي بالتصفيق والإعجاب، فإنها تعيد إنتاج الأخطاء نفسها عامًا بعد عام. ويجد هذا المنظور أساسه في مفهوم دونالد شون (Donald Schn، 1983) حول "الممارس التأملي"، الذي يعتبر أن التفكير في الممارسة هو المدخل الحقيقي للتعلم المهني.

5. الثقب الدودي للاعتراف: حين يُكرَّم النجباء ويُنسى صُنّاع النجاح

يظل تكريم التلاميذ المتفوقين تقليدًا تربويًا محمودًا، لكنه يفقد جزءًا من معناه عندما يُختزل الاعتراف في النتائج، بينما يُنسى الذين صنعوا تلك النتائج. فنجاح التلميذ ليس إنجازًا فرديًا معزولًا، بل هو ثمرة جهد جماعي شارك فيه المعلم، والإدارة، والأسرة، وسائر الفاعلين التربويين. إن تكريم الثمرة دون الاعتراف بالجذور يفتح ثقبًا دوديًا في منظومة الاعتراف داخل المدرسة، ويُحدث اختلالًا في العدالة الرمزية. وقد بين أكسل هونيث (Axel Honneth، 1995) أن الاعتراف يشكل شرطًا أساسيًا لبناء الكرامة المهنية والانتماء، وأن غيابه يولد الإحباط والشعور بالتهميش، حتى في البيئات التي تحقق نتائج إيجابية.

وتزداد المفارقة حدة عندما يأتي هذا التكريم في نهاية سنة دراسية ساخنة، شهدت في كثير من الأحيان تراجعًا في هيبة المعلم، وتصاعدًا للاعتداءات اللفظية والجسدية، وتناميًا للتشكيك في مكانة المدرسة ووظيفتها. فيتحول الحفل إلى صورة احتفالية جميلة تخفي جراحًا لم تلتئم، ويصبح الاحتفاء بالنجاح قفزًا على الأسئلة المؤلمة التي عاشتها الأسرة التربوية طوال العام. وهنا ينفتح ثقب دودي يفصل بين الخطاب الاحتفالي والواقع اليومي، فتبدو المؤسسة وكأنها تحتفل بما لم تنجح بعد في حمايته.

ولا يقف الأمر عند حدود الاعتراف، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة التربوية نفسها. فحين تصبح الغاية الأساسية هي إنتاج تلميذ مطيع يلتزم بالتعليمات ويحقق النتائج المطلوبة، تتحول التربية تدريجيًا إلى عملية ترويض أكثر منها عملية بناء للإنسان. وعندئذ يغدو الحفل المدرسي، من حيث لا يشعر القائمون عليه، مناسبة لتكريس الامتثال أكثر من الاحتفاء بالإبداع والاستقلالية. وهو ما يحذر منه ميشال فوكو (Michel Foucault، 1975)، الذي يبين كيف يمكن للمؤسسات الحديثة أن تتحول إلى فضاءات لإنتاج "الأجساد المطيعة" عبر آليات الضبط والمراقبة والجزاء، بدل أن تكون فضاءات لتحرير الفكر وبناء الذات.

6. الذاكرة المؤسسية: جهاز مناعة المدرسة ضد النسيان

كما يحتفظ الجسد البيولوجي بذاكرته المناعية ليقاوم الأخطار، تحتاج المدرسة إلى ذاكرة مؤسسية تحفظ خبراتها، وتوثق مبادراتها، وتنقل معارفها من جيل إلى آخر. فالذاكرة ليست ترفًا إداريًا، وإنما هي رأس مال معرفي ورمزي يسمح للمؤسسة بأن تتطور دون أن تفقد تراكمها. أما المدرسة التي تستهلك الأحداث ثم تنساها، فإنها تعيش داخل ثقب دودي يبتلع الزمن المؤسسي ويمنع تشكل ثقافة تنظيمية مستقرة. ويتقاطع هذا التصور مع نظرية بيتر سينج (Peter Senge، 1990) حول "المنظمة المتعلمة"، التي تجعل التعلم المؤسسي قائمًا على تحويل الخبرة الفردية إلى معرفة جماعية مستدامة.

خاتمة: أخطر الثقوب الدودية... تلك التي تبتلع الذاكرة والاعتراف

ليست أزمة المدرسة في أن تنتهي احتفالاتها، بل في أن تنتهي معها ذاكرتها، وأن يُحتفى بنتائجها بينما يُهمَّش صانعوها، وأن تتحول العلاقات التربوية من بناء الإنسان إلى ترويضه. فكل حفل لا يتحول إلى معرفة، وكل نجاح لا يُرافقه اعتراف عادل بجميع الفاعلين، وكل تجربة لا تُوثق ولا تُناقش، هو ثقب دودي يبتلع جزءًا من التاريخ التربوي للمؤسسة.

أما المدرسة التي تجعل من الحفل لحظة للاحتفال، والتوثيق، والتأمل، والاعتراف، والنقد الذاتي، فإنها لا تنظم مناسبة عابرة، بل تبني ذاكرة حية، وترسخ ثقافة مؤسسية، وتعيد الاعتبار للمعلم، وتفتح أمام المتعلم أفقًا جديدًا يجعل من التربية مشروعًا لتحرير الإنسان لا مجرد آلية لإعادة إنتاج الطاعة. عندها فقط، يصبح الحفل المدرسي بوابة زمنية تعبر من خلالها المدرسة نحو مستقبل يصنعه الوعي بالتجربة، لا النسيان.


هذا المقال منشور على منصة Zenodo ويمكن الاطلاع عليه عبر الرابط التالي:

https://doi.org/10.5281/zenodo.21102330



المراجع:

1. Halbwachs, Maurice. (1950). La Mémoire collective. Paris: Presses Universitaires de France (PUF).

2. Nora, Pierre (dir.). (1984-1992). Les Lieux de mémoire (3 vols.). Paris: Gallimard.

3. Dewey, John. (1938). Experience and Education. New York: Macmillan.

4. Bandura, Albert. (1977). Social Learning Theory. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.

5. Foucault, Michel. (1975). Surveiller et punir. Naissance de la prison. Paris: Gallimard.

6. Schn, Donald A. (1983). The Reflective Practitioner: How Professionals Think in Action. New York: Basic Books.

7. Honneth, Axel. (1995). La Lutte pour la reconnaissance (Kampf um Anerkennung, trad. française ultérieure). Paris: ditions du Cerf.

8. Senge, Peter M. (1990). The Fifth Discipline: The Art and Practice of the Learning Organization. New York: Doubleday.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال