تقديم: حين لا يكون الخلل في موضع واحد
هل يمكن فهم أزمة المدرسة التونسية بالبحث عن سبب واحد يقف وراءها؟ أم أن ما نسميه "الأزمة" ليس سوى الصورة الظاهرة لبنية أكثر تعقيدًا، تتشابك فيها الاختلالات حتى يصبح كل إصلاح مدخلًا لاختلال جديد؟
اعتادت المقاربات التربوية تفسير الأعطاب من خلال ملفات منفصلة: المناهج، التكوين، الامتحانات، الحوكمة، الزمن المدرسي أو الموارد البشرية. ويبدو، للوهلة الأولى، أن معالجة كل ملف على حدة كفيلة بإصلاح المنظومة بأكملها. غير أن التجربة التونسية خلال العقود الأخيرة تكشف مفارقة لافتة؛ فكلما أُغلق ملف انفتح آخر، وكلما بدا أن خللًا قد عولج، ظهر خلل جديد في موقع مختلف، وكأن المنظومة لا تعاني من أعطاب متجاورة، بل من شبكة من العلاقات التي تعيد إنتاج الأزمة باستمرار.
إن هذا التصور يقتضي الانتقال من التفكير الخطي إلى التفكير المركب، حيث لا تُقرأ الظواهر باعتبارها وحدات مستقلة، بل باعتبارها أجزاءً من نسق يتفاعل داخله كل عنصر مع بقية العناصر، وهو ما أكده إدغار موران (Morin, 1990). ومن هنا نقترح استعارة مفهوم "الثقب الدودي" بوصفه مجازًا سوسيولوجيًا يصف تلك الانقطاعات البنيوية التي تسمح بانتقال الاختلال من مستوى إلى آخر دون المرور بالمسارات الطبيعية للمؤسسة.
إن فهم هذه الظاهرة لا يقتصر على وصفها، بل يقتضي التنقيب في طبقاتها التاريخية والخطابية، وهو ما دعا إليه ميشال فوكو في مشروعه الأركيولوجي (Foucault, 1969)، حيث لا تُفهم المؤسسات من خلال ظاهرها، وإنما من خلال الشروط التي جعلت أنماط اشتغالها ممكنة عبر الزمن.
غير أن الحديث عن "الطوبوغرافيا" لا يعني مجرد إحصاء الثقوب الدودية أو تصنيفها، بل يعني رسم الخريطة التي تكشف مواقعها، ومسارات انتقال الاختلال بينها، وكيف تتحول كل فجوة إلى مصدر لتوليد فجوات أخرى داخل الجسد التربوي. فالأزمة، بهذا المعنى، ليست مجموعة أعطاب متجاورة، وإنما شبكة ديناميكية من العلاقات البنيوية.
انطلاقًا من هذه الفرضية، يسعى هذا المقال إلى رسم طوبوغرافيا الثقوب الدودية في الجسد التربوي التونسي، والكشف عن تضاريسها العميقة وآليات إعادة إنتاجها.
1. من تشخيص الأعطاب إلى رسم الخرائط:
اعتادت الدراسات التربوية التعامل مع الاختلالات باعتبارها مشكلات مستقلة؛ فهناك أزمة البرامج، وأزمة التكوين، وأزمة الامتحانات، وأزمة الحوكمة... غير أن هذا التفكيك، رغم أهميته المنهجية، قد يحجب العلاقات الخفية التي تربط بين هذه الظواهر.
فالمدرسة ليست تجميعًا لمؤسسات صغيرة، وإنما نسق اجتماعي معقد؛ وأي تعديل في عنصر واحد يعيد تشكيل بقية العناصر. لذلك قد يؤدي إصلاح منظومة التقييم، مثلًا، إلى تغيير علاقة التلميذ بالتعلم، وإلى تعديل الممارسات البيداغوجية للمدرس، بل وحتى إلى إعادة تشكيل تمثلات الأسرة لمعنى النجاح، وهو ما تؤكده النظرية العامة للأنساق عند لودفيغ فون برتالانفي (Von Bertalanffy, 1968).
ومن هذا المنظور، تصبح الطوبوغرافيا أكثر من مجرد وصف للأماكن؛ إنها خريطة للعلاقات بين المرتفعات والانخفاضات، وبين مراكز الضغط ومناطق الانهيار. وبالمثل، فإن الثقوب الدودية ليست أعطابًا معزولة، وإنما نقاط انهيار تسمح بانتقال الاختلال بسرعة داخل المنظومة، بحيث يتحول الخلل البيداغوجي إلى خلل إداري، ثم إلى خلل اجتماعي، ثم يعود من جديد إلى القسم في صورة مختلفة.
ولذلك فإن الطوبوغرافيا الحقيقية لا تكتفي بالإجابة عن سؤال: "أين يوجد الخلل؟"، بل تطرح سؤالًا أكثر عمقًا: "ما المسارات التي يسلكها الخلل حتى ينتقل من مستوى إلى آخر؟" فكما تدرس الخرائط الجغرافية حركة المياه والرياح والانحدارات، ينبغي أن تدرس الخرائط التربوية حركة الاختلالات داخل المنظومة، لأنها نادرًا ما تبقى حبيسة المجال الذي وُلدت فيه.
2. الحفر الأركيولوجي... لماذا لا تكفي الإصلاحات المتعاقبة؟
غالبًا ما تنطلق مشاريع الإصلاح التربوي من تشخيص تقني للمشكلات، فتقترح تعديل البرامج، أو مراجعة الامتحانات، أو تطوير التكوين، أو رقمنة الإدارة. غير أن النتائج، في كثير من الأحيان، تبقى محدودة، لأن الإصلاح ينصب على المظاهر أكثر مما ينصب على البنية المنتجة لها.
وهنا يبرز المنهج الأركيولوجي الذي لا يبحث عن "أصل" الأزمة، بل عن الطبقات التاريخية التي جعلت هذه الأزمة ممكنة، وهو ما شرحه ميشال فوكو في تحليله لبناء الخطابات والمؤسسات (Foucault, 1969؛ Foucault, 1975).
فالممارسات السائدة داخل المدرسة التونسية ليست دائمًا نتاج قرارات حديثة، بل هي حصيلة تراكمات طويلة أصبحت مع الزمن تبدو طبيعية. فالتركيز على المؤشرات الكمية، أو تضخم الإجراءات الإدارية، أو هيمنة منطق النجاح الشكلي، ليست مجرد اختيارات ظرفية، وإنما رواسب تاريخية تشكلت عبر عقود واستقرت داخل الثقافة التنظيمية للمؤسسة.
ومن ثم، فإن كل إصلاح يتجاهل هذه الطبقات العميقة يشبه محاولة تغيير مجرى نهر من خلال تعديل سطحه فقط؛ إذ سرعان ما تعود المياه إلى مساراتها القديمة، لأن التضاريس التي توجهها بقيت على حالها.
لذلك فإن الإصلاح الذي يغيّر الإجراءات دون أن يغيّر البنية يشبه ترميم واجهة بناء دون معالجة أساساته؛ إذ قد يبدو المبنى أكثر جمالًا، لكنه يظل معرضًا للتصدع من الداخل.
وهكذا يصبح الحفر الأركيولوجي ضرورة علمية لفهم كيفية تشكل الثقوب الدودية داخل الجسد التربوي، ولماذا تستمر في إعادة إنتاج نفسها رغم تعاقب مشاريع الإصلاح.
3. الثقب الدودي البيداغوجي: حين ينفصل التعلم عن النجاح (المدرسة الموازية نموذجًا)
من أخطر الثقوب الدودية التي تشكلت داخل الجسد التربوي التونسي ذلك الذي فصل تدريجيًا بين فعل التعلم ونتيجة النجاح. ففي التصور التربوي الكلاسيكي، كان النجاح يُعد ثمرة طبيعية لمسار تعلم تراكمي يقوم على اكتساب المعارف والكفايات. أما اليوم، فقد أصبح الانتقال بين المستويات، في حالات عديدة، لا يعكس دائمًا مستوى التملك الفعلي للمعرفة، بفعل آليات الدعم والإسعاف والنجاح الآلي، وهو ما يجعل المسار التعلمي ينفصل عن نتائجه الطبيعية.
هذا الانفصال بين المسار والنتيجة لا يمس التلميذ وحده، بل يعيد تشكيل بنية المنظومة بأكملها: فالمدرس يتعامل مع تفاوتات معرفية حادة داخل القسم، والإدارة تركز على المؤشرات الكمية أكثر من جودة التعلمات، بينما تتعزز لدى الأسر قناعة بأن الشهادة هي الهدف النهائي، حتى لو انفصلت عن المعرفة ذاتها. وهو ما ينسجم مع تحليل جان بودريار لهيمنة "التمثلات" على الواقع (Baudrillard, 1981).
وفي السياق التونسي، يتعزز هذا الثقب الدودي عبر ظاهرة المدرسة الموازية (الدروس الخصوصية) التي تحولت من دعم تربوي محدود إلى منظومة تعليمية موازية تُعيد إنتاج المعرفة خارج الفضاء الرسمي. فالمعرفة لم تعد تُبنى داخل القسم فقط، بل تُعاد صياغتها في فضاءات خارجية تُختزل فيها العملية التعليمية في تقنيات النجاح والامتحان، وهو ما يؤدي إلى إفراغ المدرسة العمومية من جزء من وظيفتها الرمزية والمعرفية.
وهنا يتعمق الانفصال أكثر: إذ لم يعد القسم مكان إنتاج التعلم بالكامل، بل أصبح في بعض الحالات فضاءً للعرض الأولي فقط، بينما يتم "الإنتاج الحقيقي" في فضاءات موازية، مما يجعل الثقب الدودي البيداغوجي يعمل على مستويين متداخلين: داخل المدرسة وخارجها.
وبهذا المعنى، لا يعود النجاح مؤشرًا على التعلم، بل يصبح ثقبًا دوديًا يختصر المسار التربوي، فيسمح بالوصول إلى النتيجة دون المرور الكامل عبر شروطها المعرفية.
4. الثقب الدودي الإداري: حين تصبح البيروقراطية غاية في ذاتها
إذا كان الثقب البيداغوجي يعيد تشكيل العلاقة بين التعلم والنجاح، فإن الثقب الإداري يعيد تشكيل العلاقة بين الإدارة ووظيفتها الأصلية.
فقد نشأت الإدارة المدرسية لخدمة الفعل التربوي، غير أن تضخم الإجراءات، وتعدد التقارير، وهيمنة النماذج المعيارية، جعل النشاط الإداري يستحوذ تدريجيًا على جزء كبير من الزمن المدرسي، حتى أصبح الفاعلون يقضون وقتًا أطول في إنتاج الوثائق مقارنة بالزمن المخصص للفعل التربوي نفسه.
وقد وصف ماكس فيبر هذا التحول حين أشار إلى أن البيروقراطية، رغم ضرورتها التنظيمية، قد تتحول إلى "قفص حديدي" يفرض منطقه الخاص على الفاعلين (Weber, 1922). وفي هذه الحالة، يصبح احترام الإجراء الإداري هدفًا قائمًا بذاته، منفصلًا عن الغاية التربوية التي وُجد من أجلها.
غير أن ما يميز السياق التربوي هنا ليس فقط تضخم البيروقراطية، بل تحولها إلى معيار للنجاعة: فكلما زاد عدد التقارير والمؤشرات، اعتُقد أن المنظومة أكثر فاعلية، حتى لو لم تتحسن التعلمات فعليًا. وبذلك يتحول الشكل إلى بديل عن المضمون.
ومن المفارقات أن وفرة الوثائق لا تعني بالضرورة وفرة الفعل التربوي، كما أن كثافة آليات المتابعة لا تؤدي تلقائيًا إلى تحسين الجودة، بل قد تخلق ما يمكن تسميته بـ"وهم التحكم"، حيث تبدو المنظومة مضبوطة على الورق أكثر مما هي عليه في الواقع.
وهكذا يتحول التنظيم الإداري نفسه إلى ثقب دودي يبتلع الزمن التربوي، ويعيد توجيه الجهود نحو المحافظة على الجهاز بدل تطوير مخرجاته.
5. الثقب الدودي الزمني: حين يفقد الزمن المدرسي معناه
ليس الزمن المدرسي مجرد تقسيم تقني للساعات والأسابيع، بل هو البنية العميقة التي تتشكل داخلها عمليات التعلم والتراكم المعرفي. غير أن أحد أخطر التحولات في المدرسة التونسية يتمثل في تفكك العلاقة بين الزمن والتعلم.
فقد أصبح الزمن المدرسي موزعًا بين توقفات متكررة ناتجة عن اضطراب الإيقاع الاجتماعي، وضغط البرامج المتسارعة، والاستعداد المستمر للامتحانات، والمهام الإدارية، وهو ما يجعل التعلم عملية متقطعة وغير مستقرة.
ويؤكد إيفان إيليتش أن المؤسسات الحديثة قد تتحول إلى أنظمة تستهلك الزمن أكثر مما تنتج المعرفة (Illich, 1971)، بينما يبين هارتموت روزا أن التسارع الاجتماعي يؤدي إلى فقدان الإحساس بالزمن ذي المعنى، حيث تصبح الحركة كثيفة لكن دون تحول حقيقي (Rosa, 2010).
وفي السياق التونسي، لا يظهر هذا الثقب فقط في "ضيق الزمن"، بل في إعادة توزيع الزمن نفسه بشكل غير متوازن: زمن للامتحانات، زمن للتقارير، زمن للدروس الخصوصية، وزمن مضغوط للتعلم داخل القسم. وهكذا تتجزأ التجربة التعليمية إلى وحدات منفصلة تفقد استمراريتها.
وهذا ما يفسر أن المدرسة قد تبدو أكثر نشاطًا من أي وقت مضى؛ اجتماعات، تقارير، اختبارات، مشاريع، ومنصات رقمية... ومع ذلك يتقلص الزمن الفعلي المخصص للتعلم الفعلي وبناء التفكير النقدي.
إنه ثقب دودي زمني يجعل المنظومة تتحرك بسرعة، لكنها تبقى تدور داخل نفس المدار، فتتكرر الأزمات بدل أن تتراكم الحلول.
6. الثقب الدودي التقييمي: طقوسية الامتحانات وفخ المؤشر (الغش الهيكلي نموذجاً)
يفترض التقييم التربوي، في صورته الكلاسيكية، أن يكون أداة لقياس التعلمات وتحسينها، لا مجرد آلية للفرز أو إنتاج الأعداد. غير أن التحولات التي عرفتها المنظومة التربوية التونسية جعلت التقييم ينفصل تدريجيًا عن وظيفته البيداغوجية، ليصبح غاية في ذاته، تتحول فيها الأرقام إلى مركز الاهتمام بدل المعاني التربوية التي يُفترض أن تحملها.
يتجلى ذلك خصوصًا في الطقوسية التي أصبحت تحيط بالامتحانات الوطنية، وعلى رأسها امتحان الباكالوريا، حيث تتحول لحظة التقييم إلى حدث اجتماعي وإعلامي واقتصادي، يُقاس من خلاله "نجاح المنظومة" عبر نسب مئوية ومؤشرات كمية، وهو ما ينسجم مع نقد جان بودريار لهيمنة "التمثلات" على الواقع (Baudrillard, 1981).
وتتجلى ذروة هذا الثقب التقييمي في التمظهرات الحديثة لظاهرة "الغش الهيكلي الشبكي"؛ فلم يعد الغش سلوكاً معزولاً أو انحرافاً فردياً، بل تحوّل إلى "صناعة تكنولوجية ورقمية" معقدة تمثّل اختراقاً فيزيائياً لسرية التقييم وتكافؤ الفرص. والأخطر سوسيولوجياً ليس التطور التقني للغش، بل مأسسته الرمزية عبر ثنائية "العجز والتواطؤ" من قِبل بعض الأطراف المتداخلة في المنظومة.
إن عجز جهاز الإدارة عن الحسم التقني والقانوني الصارم مع هذه الشبكات، والذي يصل أحياناً إلى حدود التواطؤ الضمني أو التستر لحماية المؤشرات والنسب العامة أو لتفادي الضغط الاجتماعي، يكشف كيف أن "الأرقام وحفظ النظام الشكلي" أصبحا أهم من "الأخلاق التربوية". وحين تعجز البنية الإدارية أو تتواطأ، فإنها تشرعن "الثقب الدودي" رسمياً؛ حيث يصبح الغش أداة قفز تختصر جهد سنوات، وتفرغ الشهادة من قيمتها المعرفية، ليتحول الامتحان من آلية لفرز الجدارة إلى مسرحية طقوسية تُدار لإرضاء المجتمع وإحصاءات الوزارة.
وهو ما يلتقي مع ما يسمى بـ"قانون كامبل"، حيث يبين دونالد كامبل أن المؤشرات الاجتماعية حين تتحول إلى أهداف تفقد قدرتها على تمثيل الواقع الذي صُممت لقياسه (Campbell, 1976). وفي السياق التونسي، يتخذ هذا الانحراف شكلًا أكثر تعقيدًا، إذ لا يتعلق فقط بتحسين المؤشرات، بل بإعادة إنتاج "نجاعة ظاهرية" قد تخفي ضعفًا معرفيًا عميقًا، مما يجعل التقييم نفسه جزءًا من إنتاج الأزمة بدل أن يكون أداة لتشخيصها.
7. الثقب الدودي الإصلاحي: حركة دائمة بلا تحول
لعل المفارقة الكبرى في تاريخ التعليم التونسي هي الاستمرارية شبه الدائمة لخطاب الإصلاح، مقابل استمرارية الأزمة نفسها بأشكال مختلفة. فمنذ إصلاح 1958، مرورًا بالقانون التوجيهي لسنة 1991 و2002، وصولًا إلى المقاربات بالكفايات والحوارات الوطنية والاستشارات الكبرى، يبدو أن المنظومة تعيش على إيقاع إصلاحي دائم، دون أن يتبلور تحول بنيوي مستقر.
هذا التواتر السريع للإصلاحات، غالبًا ما يرتبط بتغير الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين (تواتر وزراء التربية)، بحيث يبدأ كل فريق من جديد كما لو أن التاريخ يبدأ معه، دون تراكم فعلي للخبرات أو التقييمات، وهو ما يجعل الإصلاح أقرب إلى دورة متكررة منه إلى مسار تراكمي.
وقد أشار مايكل فولان إلى أن نجاح الإصلاحات التربوية لا يعتمد فقط على جودة التصورات، بل على قدرة المؤسسة على بناء ثقافة تغيير مستدامة تنبع من الداخل (Fullan, 2007)، بينما يبين هارغريفز وشيرلي أن كثرة الإصلاحات غير المتناسقة تؤدي إلى إنهاك الفاعلين وإضعاف قدرتهم على التغيير الحقيقي (Hargreaves & Shirley, 2009).
وفي الحالة التونسية، يزداد تعقيد هذا الثقب بفعل الطابع "الوافد" لبعض الإصلاحات، سواء عبر التوصيات الدولية أو النماذج المانحة الجاهزة، أو عبر قرارات مركزية فوقية لا تُبنى دائمًا على تشخيص تشاركي فعلي مع المدرسين. وهو ما يؤدي إلى فجوة بين النص الإصلاحي والممارسة اليومية داخل القسم، فتتحول الإصلاحات إلى طبقات إضافية من التعقيد والتعبئة الجوفاء بدل أن تكون أدوات تبسيط وتحسين. وهكذا يصبح الإصلاح نفسه ثقبًا دوديًا يعيد إنتاج المنطق الذي جاء لتغييره، فيُنتج حركة كثيفة، لكنها لا تُفضي إلى تحول بنيوي مستقر.
8. شبكة الثقوب الدودية: من التشتت إلى البنية
لا تعمل هذه الثقوب (البيداغوجي، الإداري، الزمني، التقويمي، والإصلاحي) بشكل منفصل، بل تشكل شبكة واحدة من التغذية الراجعة. فالثقب البيداغوجي (انفصال التعلم عن النجاح) يدفع الأسر نحو الدروس الخصوصية، ما يعمّق الثقب التقويمي عبر تحويل الامتحان إلى لحظة تقنية ميكانيكية، ويشرعن الغش لتأمين الرقم. وفي المقابل، يضغط الثقب الزمني على التعلم داخل القسم، مما يرفع من الاعتماد على الحلول الخارجية. هذا التوتر يولّد بدوره تضخمًا إداريًا لمراقب "النجاعة" وضبط الانفلات، فينشأ ثقب إداري يبتلع الزمن التربوي في التوثيق الشكلي. ثم يأتي الثقب الإصلاحي المسقط ليحاول معالجة كل ذلك، لكنه يعيد إنتاج نفس العلاقات في صيغة جديدة.
وبهذا المعنى، لا يمكن فهم الأزمة التربوية في تونس كتشظٍّ لمشكلات مستقلة، بل كمنظومة ديناميكية من العلاقات التي تعيد إنتاج نفسها باستمرار، حيث لا ينتقل الخلل في خط مستقيم، بل في دوائر متداخلة من التأثير المتبادل. ومن هنا تصبح "الطوبوغرافيا" ليست مجرد استعارة وصفية، بل ضرورة تحليلية لرسم خريطة هذه التفاعلات غير المرئية التي تشكل بنية الأزمة نفسها.
خاتمة: نحو تفكير خارج الثقوب الدودية
تكشف هذه القراءة أن أزمة المدرسة التونسية لا تختزل في نقص الموارد أو في البرامج أو في طرق التقييم، بل في البنية العميقة للعلاقات التي تربط بين مختلف مستويات المنظومة، حيث يتحول كل إصلاح إلى جزء من دورة إعادة إنتاج الاختلال.
ولذلك فإن السؤال لم يعد: أين يقع الخلل؟ بل كيف تتشابك الثقوب الدودية لتصنع نسقًا كاملًا يعيد إنتاج نفسه؟
فهل يمكن إعادة بناء المدرسة التونسية دون تفكيك هذه الشبكة المتداخلة من العلاقات؟ وهل يكفي إصلاح جزئي هنا أو هناك، أم أن المطلوب هو إعادة تعريف معنى "النجاح" و"التعلم" و"التقويم" والمواطنة والأخلاق التربوية داخل المجتمع نفسه؟ وهل تستطيع المنظومة أن تخرج من منطق الحركة الدائمة نحو منطق التحول الحقيقي؟
هذا المقال منشور على منصة Zenodo ويمكن الاطلاع عليه عبر الرابط التالي: https://doi.org/10.5281/zenodo.21036850
المراجع:
1. Baudrillard, J. (1981). Simulacres et Simulation. Paris : ditions Galilée.
2. Campbell, D. T. (1976). Assessing the Impact of Planned Social Change. Hanover : Dartmouth College.
3. Foucault, M. (1969). L’Archéologie du savoir. Paris : Gallimard.
4. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir. Paris : Gallimard.
5. Fullan, M. (2007). The New Meaning of Educational Change. New York : Teachers College Press.
6. Hargreaves, A., & Shirley, D. (2009). The Fourth Way: The Inspiring Future for Educational Change. Thousand Oaks : Corwin Press.
7. Illich, I. (1971). Une société sans école. Paris : Seuil.
8. Morin, E. (1990). Introduction à la pensée complexe. Paris : ESF.
9. Rosa, H. (2010). Accélération. Une critique sociale du temps. Paris : La Découverte.
10. Von Bertalanffy, L. (1968). General System Theory: Foundations, Development, Applications. New York : George Braziller.
11. Weber, M. (1922). conomie et société. Paris : Plon.
طوبوغرافيا الثقوب الدودية في الجسد التربوي التونسي: حفريات أركيولوجية في تضاريس الأزمة
2026-06-29
32 قراءة
مقالات رأي
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال