بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الإمارة الشابية: الجذور التاريخية للشخصية الوطنية التونسية.

2026-05-28 117 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الإمارة الشابية: الجذور التاريخية للشخصية الوطنية التونسية.
في تلك الأيام القلقة من القرن 16م حين كانت شمس الحفصيين تميل إلى مغيب حزين ومخز و بدت إفريقية كأنها مركب تائه في بحر متلاطم تتقاذفه أمواج الأطماع العاتية.
كانت تونس الحالية تعيش مخاضا عسيرا فالعرش الحفصي الذي استمر قرونا بدا واهيا خاويا من كل شرعية بعد أن تلطخت عباءته بالاستنجاد بالخارج المسيحي وارتضى السلطان مولاي الحسن أن يكون ظلا باهتا تحت حماية الأسنة الإسبانية وكنائس شارلكان.
في هذا الفراغ الروحي والسياسي القاتل حيث يشعر الإنسان التونسي بالمهانة والضياع لم يكن الانفجار مجرد احتمال بل كان حتمية تاريخية تبحث عن رداء وصوت.
ولم يكن هذا الصوت سوى الحركة الشابية، التي ولدت من رحم المعاناة والأرض لتصنع ملحمة منسية في سفر السيادة المحلية والصراع الإمبراطوري.
لم تبدأ الحكاية بقعقعة السلاح بل بدأت بتمتمات الزهد والتربية الروحية في زوايا القيروان وتوزر.
كان الجد المؤسس سيدي أحمد بن مخلوف الشابي الهذلي المولود عام 1431م والمتوفى في القيروان عام 1492م رجلاً غارقا في ملكوت الله عاد أجداده من الحجاز في القرن 5هـ (نحو عام 500هـ) ليغرسوا في تربة المغرب جذورا تمتد إلى الصحابي عبد الله بن مسعود.
لقبوه في المشرق بزهرة أهل الغرب المنعمة لكن تلك الزهرة لم تكن لتعيش في عزلة عن آلام الناس.
تحت رداء التصوف والزهد كان أحمد بن مخلوف يبني لبنة لبنة مجتمعا متماسكا يحول الزاوية من ملجأ للمنقطعين إلى نواة صلبة دافئة وآمنة تجمع الشتات وتؤمن الخائف وتطعم الجائع ليتشكل ببطء عصب اجتماعي واقتصادي وعقائدي قادر على الصمود حين تنهار السقوف السياسية.
وجاءت سنة 1535م لتضع هذا الكيان الوليد أمام امتحانه الوجودي الأكبر.
نزل الإسبان بجيوشهم الجرارة واحتلوا السواحل وأعادوا تنصيب مولاي الحسن حاكما صوريا تسيره إرادة مدريد الكاثوليكية.
في تلك اللحظة الرهيبة سقطت الأقنعة وامتزج الشعور بالمرارة بالرغبة في الانعتاق. اعتلى الشيخ عرفة بن أحمد بن مخلوف الشابي الهذلي المولود عام 1473م ذلك الرجل الذي مزج علم الفقيه بفروسية القائد منبر جامع القيروان العظيم.
لم يكن يخطب مجرد خطبة جمعة بل كان يعلن ميلاد زمن جديد.
أعلن خلع السلطان المرتد ودعا القبائل والحواضر إلى ثورة عارمة لا تبقي على التبعية ولا تذر.
تحولت القيروان في طرفة عين من مدينة علم وتبرك إلى عاصمة فعلية لكيان سياسي وعسكري مستقل يجمع الجباية ويؤمن القوافل وينظم الإدارة ويحشد الفرسان تحت راية عقيدة سيادة بديلة ترفض مقايضة الوطن بين صليب الإسبان وهلال العثمانيين الوافدين.
صار عرفة الشابي في وعي الناس سيد القيروان وخليفة إفريقية حتى غدت العامة تضرب بعلمه وحكمته الأمثال في أزقة المدن وفيافي الصحراء وظل يلوح كرمز للمقاومة حتى وفاته في 12 أبريل 1542م.
كانت القوة الحقيقية لهذه الإمارة الناشئة تكمن في قدرتها العجيبة على صهر المتناقضات.
في مغرب كان يمزقه الصراع الأزلي بين أهل الحواضر المستقرة والقبائل البدوية الضاربة في السهوب استطاع عرفة الشابي بكاريزميته الروحية والسياسية أن يذيب الفوارق. انصهرت أكثر من 35 قبيلة من بينها دريد وماجر والفراشيش في حلف عسكري وسياسي واحد ولم تعد هذه القبائل مجرد جموع حربية متقلبة تطلب الغنيمة بل تحولت إلى جيش عقائدي يؤمن بالفقه المالكي والتصوف المقاوم كطريق وحيد للكرامة.
كانت قبيلة دريد بفرسانها الشجعان تمثل الكتلة الحرجة والعمود الفقري لهذا الجيش وتمدد هذا النفوذ ليتجاوز السهوب التونسية نحو أقاليم الجزائر الشرقية والجنوبية كأوراس ووادي سوف حيث نشطت الطريقة هناك بقوة من عام 1535م وحتى عام 1882م لتتدفق أموال الزكاة والأعشار إلى بيت مال القيروان صانعة درعا بشريا جغرافيا يحمي الشخصية العربية الإسلامية للمنطقة من الطمس والذوبان.
لم يكن هذا الكيان ليمر دون أن تدق طبول الحرب حوله.
على مدار 142 سنة من الصراع المستمر الممتد بين عامي 1535م و1677م خاضت الإمارة الشابية ما يقرب من
30 معركة ضارية ضد تحالفات معقدة وضخمة.
تجلى ذلك بوضوح في حملة المنستير عام 1540م حين تقدمت قوات الترسيو الإسبانية المنظمة بقيادة الجنرال ألفارو دي ساندي مدعومة بمدفعية ثقيلة وفرسان البلاط الحفصي لإخضاع القيروان وتأديب المرابط الشابي.
التقى الجمعان في منطقة سيدي عرفة وحشدت الإمارة قوة ضاربة قوامها 10,000 فارس من العرب والبربر يقودهم عسكري مسلم من أصول أندلسية يدعى كاشازو يسندهم فرقة من الرماة الأتراك والإنكشارية المنشقين تضم ما بين 300 و400 رام مسلح بالبندقية على الخيل.
وبفضل تكتيكات الكر والفر واستغلال الطبيعة الوعرة تحولت سبخة المنستير إلى مقبرة لمؤخرة الجيش الإسباني الذي وقع في كمين محكم بقيادة لويس دي ريغون أباد قوته بالكامل وحطم كبرياء جنرالاته تاركا في وثائق أرشيف سيمانكاس الإسباني وتحديدا في رسالة جيرونيمو أورتيز إلى فرانسيسكو دوارتي المؤرخة في 16 نوفمبر 1540م رسائل وجل ورعب تصف كيف كان الجنود الإسبان يقيمون القداس في الميدان ويحولون الرمح إلى صليب لتهدئة روع صفوفهم المنهارة أمام هجمات فرسان الشابية.
كما تكشف وثيقة أخرى كتبها برناردينو دي ميندوزا عام 1536م عن تذبذب الولاءات القبلية للبلاط الحفصي حيث يذكر أن قبيلة أولاد ملحل البالغ عدد مقاتليها 1400 محارب كانت منقسمة بين 6 مشايخ متصارعين مما جعل جبهتهم مكشوفة أمام انضباط الشابيين.
وبلغت الملحمة ذروتها في معركة شبر التاريخية قرب القيروان عام 1542م.
ضاق مولاي الحسن ذرعا بهذا المارد الذي يقض مضجعه فخرج بنفسه في جيش عرمرم تسانده الحامية الإسبانية بحلق الوادي تمويلا وتخطيطا لكن الشيخ عرفة وجيش القبائل التونسية كانوا يسطرون في شبر ملحمة من نور ونار حيث سحقوا الجيش الحفصي الإسباني بالكامل وولى السلطان هاربا يجر أذيال الخيبة نحو القلاع الساحلية تاركا الأرض لأصحابها الحقيقيين.
لكن الموت لا ينتظر أحدا فمع رحيل الشيخ عرفة في 12 أبريل 1542م واعتلاء الأمير محمد بن أبي الطيب الشابي سدة القيادة تغيرت لوحة الشطرنج السياسية ودخل لاعب جديد وأكثر دهاء وشراسة( درغوث باشا القائد البحري) العثماني الشهير الذي جاء يطرد الإسبان ويبسط نفوذ الآستانة.
حاول العثمانيون في البداية خطب ود آل الشابي لكن عناد السيادة المحلية رفض استبدال سيد أجنبي بآخر يلبس عمامة الخلافة ويسلب التونسيين قرارهم الذاتي.
هنا تفتق دهاء درغوث باشا عن سياسة فرق تسد فراح يغدق الوعود والإعفاءات الضريبية على مشايخ قبيلة دريد والقبائل المحيطة مستغلا في الوقت ذاته جرحا داخليا غائرا بدأ ينكأ في جسد الإمارة.
الإمارة الشابية وهي في غمرة حروبها الطويلة والمكلفة لحماية استقلالها وبناء مؤسساتها تحولت تدريجيا من فضاء الزاوية الروحي المتسامح القائم على التطوع إلى فضاء الدولة الإكراهي الجبائي.
فرضت ضرائب جائرة على الحواضر والقبائل لتغطية نفقات السلاح مما ولد تململا اجتماعيا حادا.
ويذكر المؤرخ أبو بكر عبد الكافي في كتابه تاريخ صفاقس أن أعيانا من القيروان وصفاقس استنجدوا بدرغوث باشا للتخلص من جور محمد بن أبي الطيب الشابي الذي استبد بالسلطة. هذا الشقاق الداخلي كان الثغرة التي نفذت منها المدافع العثمانية وفي عام 1557م بالتزامن مع إحكام درغوث باشا سيطرته على صفاقس و فصة
حاصرت قوات الإنكشارية والمدفعية الثقيلة القيروان ورغم المقاومة المستميتة سقطت العاصمة وعُزل الأمير محمد بن أبي الطيب واضطر للفرار ونصب درغوث باشا حيدر باشا واليا عثمانيا على المدينة.
ولم تنته القصة بسقوط القيروان إذ انتقلت القيادة وتفككت البنية الإدارية إلى الأمير محمد بن عرفة الشابي الذي اعتصم بالجبال والدواخل الوعرة بالصرين سبيطلة وجبال ورغة محولا الصراع إلى حركة استنزاف وحرب عصابات.
نجح الشابيين في اجتياح الحامية التركية ببسكرة والسيطرة على توزر ليتخذوا منها مركزا جديدا لمقاومتهم المسلحة التي استمرت لعقود حتى تلاشت كقوة سياسية مهيمنة بوفاة الأمير محمد الزفزاف بن عرفة الشابي في بلدة المكناسي عام 1577م.
تعرضت هذه التجربة الفريدة لإقصاء وتهميش أيديولوجي منظم في المدونات التاريخية الرسمية التي كتبت تحت ظل الإدارة العثمانية والعهود المرادية والحسينية اللاحقة.
حرص المؤرخون الرسميون على تصوير العثمانيين كمنقذين وحيدين للبلاد واختزال الحركة الشابية في حركات التمرد والفتنة أو تسطيح أخبارها كما فعل المؤرخ القيرواني ابن أبي دينار في كتابه المؤنس في أخبار إفريقية وتونس الصادر في القرن 17م حيث ركز على الكرامات الصوفية والروحية وأغفل المشروع الوطني السيادي.
لكن البنية المعرفية الحقيقية حفظت في متون موازية ومخطوطات نادرة مثل الفتح المنير في التعريف بطريقة الشابية وما ربوا به الفقير للشيخ محمد المسعود الشابي المتوفى عام 1028هـ الموافق 1618
م وهو الشيخ 9 للطريقة.
يوثق هذا الكتاب الصراعات الفكرية والسياسية الداخلية وهجرته إلى جبل ورغة وجبل ششار إثر خلاف مع شقيقه عبد الصمد الشابي وكيف أسست الحركة لخط استقلالي معرفي انشق عن الشاذلية وتسمى بالزروقية ليبقى أثرها المؤسساتي حيا عبر بيت الشريعة بوادي سوف في الجزائر ينظم حياة الناس وقضاءهم بعيدا عن السلطة العثمانية حتى فُكك نهائياً عام 1867م.
وفي العصر الحديث قاد الدكتور علي الشابي حركة مراجعة أكاديمية رصينة لتنقية هذا التاريخ.
الإمارة الشابية تعكس أولا أزمة حركات التصوف المقاوم حين تنتقل من التربية إلى الجباية والإكراه وتغطية نفقات الحرب التي تزعزع الرضا الاجتماعي وتفتح الثغرات للخارج. وتكشف ثانيا عن حدود الفرسان والتحالفات القبلية شديدة الحساسية للمتغيرات والمغريات أمام الآلات الحربية والجيوش النظامية المحترفة كالترسيو والإنكشارية المدعومة لوجستيا عبر البحار. لكنها ثالثا وقبل كل شيء تفكك تلك الثنائية التقليدية التي تحصر الخيار بين المنقذ العثماني والغازي الإسباني لتثبت أن النخب المحلية التونسية كانت تملك وعا سياسيا ناضجا يرفض الوصاية الأجنبية بجميع أشكالها وهو الوعي الاستقلالي الذي يمثل الجذر الحقيقي لتشكل الشخصية الوطنية التونسية التي ظلت عبر القرون تقاوم الصهر والتعليب لتنتصر في النهاية لذاتها وأرضها.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال