تقديم:
لم يعد النجاح المدرسي في السياق التونسي يُقدَّم باعتباره تجربة إنسانية لبناء الذات واكتشاف العالم، بل تحوّل تدريجيًا إلى مسار تنافسي شديد الانضباط، تُقاس فيه قيمة التلميذ بعدد الأعداد والشهادات والترتيب داخل سلّم الفرز المدرسي. وفي ظل هذا التحول، لم تعد المدرسة فضاءً لإنتاج المعنى بقدر ما أصبحت جهازًا لإدارة الأداء والضغط والتقييم المستمر، حيث يعيش التلميذ داخل ما سمّاه ماكس فيبر (Max Weber, 1922) “القفص الحديدي”؛ أي ذلك النظام العقلاني البيروقراطي الذي يُخضع الإنسان لمنطق النجاعة والحساب والإجراءات الصارمة. ومن هنا، يمكن قراءة ظاهرة تمزيق الكتب والكراسات في نهاية السنة الدراسية لا باعتبارها مجرد سلوك طفولي عابر أو لحظة عبث جماعي، بل بوصفها فعلًا رمزيًا يكشف أزمة أعمق تتعلق بعلاقة التلميذ بالمعرفة والمدرسة والمعنى نفسه، وهو ما يفتح الباب أمام التساؤل حول ما إذا كانت المدرسة الحديثة ما تزال تنتج الرغبة في التعلم أم أنها أصبحت تُنتج التعب من المعرفة.
1. النجاح المدرسي بوصفه قفصًا حديديًا: العقلنة التربوية وتحويل التلميذ إلى موضوع للقياس والانضباط
حين تحدّث ماكس فيبر (Max Weber, 1922) عن “القفص الحديدي”، كان يقصد ذلك الشكل من العقلنة الحديثة الذي يحاصر الإنسان داخل أنظمة صارمة تُخضع الحياة لمنطق الحساب والفعالية والإجراءات. ويبدو أن المدرسة المعاصرة أصبحت أحد أكثر تجليات هذا القفص وضوحًا، حيث يتحول النجاح المدرسي إلى منظومة ضغط متواصل تُختزل فيها قيمة التلميذ في المعدلات والامتحانات والترتيب. فالتلميذ لا يُطلب منه أن يفهم بقدر ما يُطلب منه أن ينجح، ولا أن يحب المعرفة بقدر ما يُطلب منه أن يحقق أداءً قابلًا للقياس. وهكذا تصبح الدراسة نوعًا من “العمل الانضباطي” الذي تُراقَب فيه الأجساد والعقول والإيقاعات اليومية للتلاميذ، في انسجام مع ما حلله ميشال فوكو (Michel Foucault, 1975) حول المجتمعات التأديبية وآليات المراقبة والتطويع. فالمدرسة الحديثة لا تكتفي بتلقين المعارف، بل تُنتج أيضًا ذواتًا مطواعة تتعلم كيف تخضع للتوقيت والترتيب والتقييم المستمر، بحيث يصبح الامتحان تقنية للضبط أكثر من كونه أداة للفهم. ويُضاف إلى ذلك أن هذا القفص لا يعمل كبنية مدرسية مغلقة فقط، بل داخل شبكة اجتماعية وثقافية أوسع. وهنا يذكّر إدغار موران (Edgar Morin, 1977–2004) بأن الظواهر التربوية لا تُفهم عبر سبب واحد بسيط، بل عبر “تعقيد” يتداخل فيه المدرسي بالعائلي، والثقافي بالإعلامي، والرقمي بالاقتصادي. فالقفص الحديدي ليس نتاج المدرسة وحدها، بل نتيجة تفاعل منظومات متعددة تُعيد إنتاج الضغط والمعايير نفسها من خارج المدرسة وداخلها في آن واحد.
2. ضغط الامتحان وتحوّل المعرفة إلى عبء: حين يصبح التعلّم مرادفًا للخوف والنجاة المدرسية
في هذا السياق، يفقد الكتاب المدرسي رمزيته الثقافية والتربوية ليصبح مجرد أداة للامتحان. فالمعرفة هنا لا تُعاش كتجربة فكرية ممتعة، بل كعبء نفسي مرتبط بالخوف من الفشل والفرز والإقصاء. لذلك تتضخم لدى التلميذ علاقة نفعية بالأوراق والكراسات والملخصات، لأنها مرتبطة بمنطق “النجاة المدرسية” لا بمنطق الاكتشاف. وقد أشار بيار بورديو وجان كلود باسرون (Pierre Bourdieu & Jean-Claude Passeron, 1970) إلى أن المدرسة الحديثة تُعيد إنتاج التفاوتات الاجتماعية من خلال تحويل النجاح الدراسي إلى شكل من أشكال الشرعية الرمزية التي تبدو محايدة بينما تخفي آليات الفرز الطبقي والثقافي. وفي ظل هذا الضغط المستمر، يصبح الامتحان حدثًا وجوديًا مرهقًا، لا مجرد آلية تقييم، فتتحول نهاية السنة الدراسية إلى لحظة انفجار نفسي وجماعي. ولعل ما يزيد من حدة هذه الأزمة هو ما يمكن تسميته بـ “غربة المعرفة”، حيث يشعر كثير من التلاميذ بأن المضامين المدرسية منفصلة عن واقعهم اليومي وأسئلتهم الحياتية، فتبدو الدروس كأنها مواد مفروضة من خارج عالمهم الحقيقي. وهنا يفقد الكتاب المدرسي معناه الإنساني ويتحوّل إلى جسم غريب لا يحمل بالنسبة إلى بعض التلاميذ سوى ذاكرة الضغط والتعب والخوف من الرسوب. لذلك يصبح التخلص منه في نهاية السنة أقرب إلى التخلص من عبء نفسي ثقيل لا من أداة للتعلّم. ومن منظور إدغار موران (Edgar Morin, 1977–2004)، فإن هذا الانفصال بين المعرفة والحياة يعكس خللاً في طريقة بناء المعرفة نفسها داخل المدرسة، حيث يتم تجزئة الدروس والمواد بشكل يفقد المتعلم القدرة على رؤية العلاقات بين الأجزاء والكل. فالمعرفة حين تُدرّس كأجزاء منفصلة تفقد معناها الحيوي، ويصبح التلميذ عاجزًا عن ربط ما يتعلمه بسياق وجوده اليومي.
3. تمزيق الكتب كفعل رمزي وتمرد مؤقت: التنفيس النفسي داخل منظومة لا يتغيّر جوهرها
يمكن فهم تمزيق الكتب والكراسات في نهاية السنة بوصفه شكلًا من أشكال التمرد الرمزي على سلطة المدرسة وضغطها اليومي. فحين يُمزّق التلميذ كتابه، فإنه لا يمزق الورق فقط، بل يمزق أيضًا حالة التوتر والانضباط والرقابة التي التصقت بهذا الكتاب طوال السنة. إنها لحظة “تحرر مؤقت” من القفص الحديدي للامتحانات والواجبات والتقييم المستمر. كما أن الطابع الجماعي والصاخب لهذه الممارسة يكشف حاجة نفسية إلى التنفيس وتفريغ القلق المتراكم بعد أشهر طويلة من الضغط، في ما يشبه شكلًا بدائيًا من “التطهير الانفعالي” الذي تحدّث عنه أرسطو (Aristote, env. -335) ضمن مفهوم “الكاثارسيس” أو التطهير النفسي. غير أن هذا التمرد يظل محدودًا وعابرًا، لأنه لا يغيّر بنية النظام التربوي نفسه، بل يمنح فقط شعورًا لحظيًا بالخلاص. ويمكن هنا استحضار تحليل هربرت ماركوز (Herbert Marcuse, 1964) للمجتمعات الحديثة التي تسمح أحيانًا بتفريغ الاحتقان عبر أشكال رمزية من الاعتراض دون أن يمس ذلك جوهر المنظومة. فالتلميذ الذي يمزق كتابه اليوم سيعود غدًا إلى المنظومة نفسها، وإلى القواعد نفسها، وإلى سباق النجاح ذاته. ومن منظور إدغار موران (Edgar Morin, 1977–2004)، يمكن أيضًا فهم هذا الفعل كعلامة على تعقيد السلوك الإنساني نفسه، حيث لا يمكن اختزاله في “تمرد” أو “عبث” فقط، بل هو نتيجة تفاعل بين ضغط نفسي، وبنية مدرسية، وثقافة اجتماعية، وتوتر بين عالمين متناقضين.
4. من قدسية الكتاب إلى هشاشة الورق: تحولات العلاقة بالمعرفة في عصر الرقمنة والسرعة
كان الكتاب في المخيال التربوي والاجتماعي القديم يحمل نوعًا من القداسة الرمزية، لأنه ارتبط تاريخيًا بفكرة الارتقاء الاجتماعي والتحرر من الجهل والفقر. غير أن التحولات الرقمية والثقافية المعاصرة ساهمت في إضعاف هذه الرمزية تدريجيًا، خاصة في ظل هيمنة الثقافة السريعة والشاشات والبحث الفوري عن المعلومة. وهكذا لم يعد الكتاب المدرسي يُنظر إليه بوصفه خزّانًا للمعرفة بقدر ما أصبح مجرد وسيط مؤقت ينتهي دوره بانتهاء الامتحان. لقد أصبح كثير من التلاميذ يتعاملون مع المعرفة بمنطق الاستهلاك السريع: حفظٌ مؤقت، ثم نسيان سريع بعد الاختبار. وهنا تتحول المدرسة إلى ما يشبه “مصنعًا للشهادات” أكثر من كونها فضاءً لبناء الفكر النقدي والخيال والإبداع. لذلك لا يبدو تمزيق الكتب مجرد سلوك عبثي، بل يكشف أيضًا هشاشة العلاقة الحديثة بالمعرفة الورقية في زمن الرقمنة والتسارع. ويضيف إدغار موران (Edgar Morin, 1977–2004) هنا أن هذا التحول جزء من إعادة تشكيل أوسع للعقل المعاصر، حيث تتغير أنماط الإدراك والانتباه والمعرفة نفسها تحت تأثير السرعة والتقنيات الرقمية، مما يجعل التفكير المتأني والعميق أكثر صعوبة داخل ثقافة تقوم على الفورية والتشتت.
5. تمزيق المعنى لا تمزيق الورق فقط: أزمة المدرسة الحديثة وتآكل المعنى التربوي
الأخطر في هذه الظاهرة ليس إتلاف الكتب في حد ذاته، بل ما تكشفه من تآكل العلاقة الرمزية بالمعرفة. فالكتاب الذي كان يُنظر إليه تاريخيًا بوصفه أداة للارتقاء والتحرر أصبح لدى بعض التلاميذ رمزًا للضغط والإكراه والملل. وهنا لا يتعلق الأمر بتمزيق الورق فقط، بل بتمزيق المعنى التربوي نفسه. لقد تحوّلت المعرفة في كثير من الأحيان إلى محتوى للاستهلاك السريع والحفظ المؤقت داخل منظومة تعليمية تُكافئ الذاكرة الامتحانية أكثر مما تُنمّي التفكير النقدي والإبداع. ويبدو أن المدرسة، وهي تُفرط في عقلنة النجاح، قد ساهمت تدريجيًا في إضعاف المعنى الإنساني للتعلّم، بحيث أصبح بعض التلاميذ يحتفلون بنهاية الدراسة كما لو أنهم يخرجون من فضاء عقابي لا من تجربة تكوين. وهنا تبرز المفارقة المؤلمة: فالمؤسسة التي كان يُفترض أن تُنتج حب المعرفة أصبحت، في بعض الحالات، تُنتج النفور منها. ومن منظور إدغار موران (Edgar Morin, 1977–2004)، فإن أزمة المدرسة لا تكمن فقط في الأدوات أو المناهج، بل في غياب رؤية “كونية” للإنسان المتعلم، حيث يُختزل التلميذ في نتائج قابلة للقياس بدل النظر إليه ككائن مركب: يفكر، ويشعر، ويتعلم، ويخطئ، ويتأثر بسياقات متعددة.
6. بين خشب المدرسة وسيولة العالم الرقمي: صدام الزمن المدرسي البطيء بثقافة التدفق الرقمي
يعيش التلميذ المعاصر اليوم داخل عالمين متناقضين تقريبًا: عالم المدرسة القائم على الانضباط الورقي والزمن البطيء والصفوف المنتظمة والطاولات الخشبية، وعالم رقمي سريع ومفتوح وتفاعلي يقوم على الصورة والتدفق الفوري للمعلومة. فبعد أن يقضي ساعات داخل فضاء مدرسي تحكمه القواعد والبرامج والتقييمات، يعود إلى فضاء رقمي يمنحه قدرًا أكبر من الحرية والتشويق والتفاعل الفوري. وهنا تصبح المدرسة، في نظر بعض التلاميذ، فضاءً “ثقيلاً” مقارنة بخفة العالم الرقمي وسيولته. فالكتاب المدرسي الثابت يصطدم بشاشة متحركة، والدرس الخطي يصطدم بثقافة التمرير السريع، والشرح الطويل يصطدم بمنطق الفيديو القصير والإشباع الفوري. لذلك لم تعد أزمة المدرسة مرتبطة فقط بالضغط والامتحان، بل أيضًا بعجزها أحيانًا عن التكيّف مع التحول العميق في علاقة الأجيال الجديدة بالمعرفة والزمن والانتباه. ومن هنا، يمكن فهم تمزيق الكتب أيضًا كصدام رمزي بين ثقافتين: ثقافة ورقية مدرسية ما تزال تستند إلى منطق القرن الصناعي، وثقافة رقمية جديدة تُعيد تشكيل الوعي والإدراك والرغبة في التعلّم بطرق مختلفة تمامًا. ويضيف إدغار موران (Edgar Morin, 1977–2004) أن هذا التوتر بين العالمين ليس مجرد انتقال تقني، بل تحول حضاري يمسّ طريقة بناء الإنسان نفسه، لأن كل تقنية جديدة لا تغيّر فقط الوسائط، بل تغيّر أيضًا أنماط التفكير والإحساس بالعالم.
خاتمة:
تكشف ظاهرة تمزيق الكتب المدرسية في نهاية السنة عن أزمة أعمق من مجرد سلوك فوضوي عابر، إذ تعبّر عن توتر متزايد بين التلميذ والمدرسة والمعرفة داخل مجتمع تحكمه عقلانية الأداء والنجاح القابل للقياس. فحين يتحول النجاح المدرسي إلى قفص حديدي، تصبح المعرفة عبئًا، ويصبح الكتاب رمزًا للضغط بدل أن يكون نافذة للفهم والتحرر. كما تكشف الظاهرة عن أزمة معنى تعيشها المدرسة الحديثة، حيث تتراجع الرغبة في التعلم أمام هيمنة الامتحان والتصنيف والمنافسة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى التفكير في مدرسة تستعيد المعنى الإنساني للتعلّم، لا باعتباره سباقًا نحو الأعداد فقط، بل تجربة لبناء الذات والوعي والعلاقة بالعالم. مدرسة تجعل التلميذ يشعر أن ما يتعلمه ينتمي إلى حياته وأسئلته وواقعه، لا مجرد محتوى مؤقت للنجاح العابر. لكن، هل ما تزال المدرسة قادرة على إنتاج الرغبة في المعرفة داخل مجتمع الامتحان والسرعة والرقمنة؟ وهل يمكن تحرير التعلّم من القفص الحديدي للعقلنة التربوية؟ أم أن تمزيق الكتب ليس سوى عرضٍ مرئي لأزمة أعمق يعيشها معنى المدرسة ذاته في زمن فقدت فيه المعرفة جزءًا من سحرها ورمزيتها؟ وربما لم يعد السؤال الحقيقي اليوم هو: لماذا يمزّق التلاميذ كتبهم؟ بل: ماذا بقي من المعنى داخل مدرسة أصبحت تُقاس فيها قيمة الإنسان بقدرته على الأداء والنجاح والتكيّف مع منطق المنافسة؟ وهل تستطيع المؤسسة التربوية أن تستعيد وظيفتها بوصفها فضاءً لتكوين الإنسان، لا مجرد جهاز لإنتاج النتائج والشهادات؟
المراجع:
1. Max Weber, conomie et société, 1922.
2. Michel Foucault, Surveiller et punir, 1975.
3. Pierre Bourdieu & Jean-Claude Passeron, La reproduction, 1970.
4. Herbert Marcuse, L’Homme unidimensionnel, 1964.
5. Aristote, Poétique, env. -335.
6. Edgar Morin, La Méthode, 1977–2004.
القفص الحديدي للنجاح المدرسي: تمزيق الكتب بين ضغط الامتحان وتمزيق المعنى
2026-05-18
66 قراءة
مقالات رأي
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال