بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المعلم داخل مجتمع المخاطر: من تفتّت الهوية المهنية إلى التقاعد كفكّ ارتباط بالقفص الحديدي

2026-05-15 119 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
المقدمة:

لم تعد مهنة التعليم في الزمن المعاصر تُختزل في وظيفة اجتماعية مستقرة ذات مكانة رمزية واضحة، بل أصبحت تعيش داخل فضاء متحوّل تسوده الهشاشة واللايقين وتسارع التحولات القيمية والتكنولوجية والمؤسساتية. فالمعلّم الذي كان يُنظر إليه تاريخيًا باعتباره حاملًا للمعرفة ووسيطًا أخلاقيًا وثقافيًا داخل المجتمع، وجد نفسه تدريجيًا داخل عالم مهني تتآكل فيه المرجعيات القديمة، وتتراجع فيه السلطة الرمزية لصالح منطق الأداء الكمي والتقييم الإداري والتكيّف المستمر مع إصلاحات لا تنتهي.

لقد تحوّلت المدرسة الحديثة من فضاء لبناء الذات الجماعية وإنتاج المعنى إلى مؤسسة محاصَرة بمنطق النجاعة والمردودية والمؤشرات الرقمية، وهو ما جعل المعلّم يعيش حالة متواصلة من التوتر النفسي والإنهاك الرمزي وتفكك الهوية المهنية. ولم يعد التقاعد، بالنسبة إلى كثير من المدرّسين، مجرد نهاية لمسار إداري، بل صار يُعاش أحيانًا كتحرّر متأخر من علاقة استنزاف طويلة مع مؤسسة فقدت قدرتها على منح الاعتراف والمعنى.

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري مساءلة وضع المعلّم داخل ما يسميه عالم الاجتماع أولريش بيك (Ulrich Beck, 1986) «مجتمع المخاطر»، وفهم كيف تحوّلت مهنة التعليم من رسالة ذات حمولة رمزية إلى تجربة مهنية مثقلة بالهشاشة والتآكل، وصولًا إلى التقاعد باعتباره محاولة لفكّ الارتباط بما يشبه «القفص الحديدي» الذي تحدّث عنه ماكس فيبر (Max Weber, 1922).

1. المعلّم داخل مجتمع المخاطر: من الاستقرار المهني إلى هشاشة الوجود الوظيفي

يُشير مفهوم «مجتمع المخاطر» عند أولريش بيك (Ulrich Beck, 1986) إلى ذلك الشكل من الحداثة الذي لم تعد فيه المؤسسات قادرة على إنتاج الأمان والاستقرار كما كان الحال سابقًا، بل أصبحت هي نفسها مصدرًا لإنتاج القلق واللايقين والمخاطر الممتدة. وضمن هذا السياق، لم يعد المعلّم يعيش داخل مهنة مستقرة ذات قواعد واضحة ومكانة اجتماعية ثابتة، بل أصبح فاعلًا داخل فضاء مهني سريع التحول، تتغيّر فيه الأدوار والتوقعات والمعايير بصورة مستمرة.

فالمعلّم اليوم مطالب بأن يكون مربّيًا ووسيطًا نفسيًا ومرافقًا اجتماعيًا ومنشّطًا رقميًا ومنفّذًا للبرامج ومحقّقًا للمؤشرات في الوقت نفسه، بينما تتزايد الضغوط الإدارية وتتراجع القدرة الفعلية على التأثير داخل المؤسسة التعليمية. كما أن التحولات الرقمية وثقافة الاستهلاك السريع للمعلومة ساهمت في إضعاف احتكار المدرسة للمعرفة، مما جعل المدرّس يفقد تدريجيًا جزءًا من سلطته الرمزية التقليدية.

لقد أصبح المعلّم يواجه أيضًا أشكالًا جديدة من العنف الرمزي واليومي داخل الفضاء المدرسي، لا تقتصر على الضغوط الإدارية أو الإرهاق المهني، بل تمتد إلى تآكل الاحترام داخل العلاقة التربوية نفسها. فبعض المدرّسين باتوا يشتكون من تنامي السلوك العدواني واللغة البذيئة والتنمر اللفظي الصادر عن بعض التلاميذ القادمين أحيانًا من بيئات اجتماعية مأزومة أو مفككة قيميًا، حيث تنتقل توترات المجال العائلي والاجتماعي إلى داخل القسم الدراسي.

ولا يتوقف الأمر عند حدود التلاميذ، إذ إن بعض الأولياء يساهمون بدورهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تقويض المكانة الرمزية للمعلّم، حين يُحوّلونه أمام أبنائهم إلى موضوع للسخرية أو التقليل من الشأن أو التشكيك الدائم في الكفاءة والشرعية التربوية. وهكذا يفقد المدرّس تدريجيًا ذلك الحد الأدنى من الاعتراف الرمزي الضروري لبناء علاقة تربوية متوازنة، لتتحول المدرسة أحيانًا إلى فضاء مشحون بالتوتر وانعدام الثقة بدل أن تكون مجالًا لإنتاج الاحترام والمعنى المشترك.

إن خطورة هذه التحولات لا تكمن فقط في أثرها النفسي على المعلّم، بل في كونها تعكس تصدّعًا أعمق في البنية القيمية للمجتمع نفسه، حيث تتراجع سلطة التربية لصالح الفردانية الفوضوية وثقافة الاستهلاك الفوري والتفريغ العدواني للتوترات الاجتماعية داخل الفضاء المدرسي.

لقد دخلت مهنة التعليم، شأنها شأن بقية المهن الحديثة، في حالة من الهشاشة البنيوية التي لم تعد مرتبطة فقط بالأجور أو ظروف العمل، بل بطبيعة العالم الاجتماعي نفسه الذي بات قائمًا على اللايقين والتسارع والتفكك المستمر للمرجعيات.

2. تفتّت الهوية المهنية: حين يفقد المعلّم سرديته الرمزية

لا تكمن خطورة الأزمة التي يعيشها المعلّم فقط في التعب الجسدي أو الضغط الإداري، بل في ذلك التآكل العميق الذي أصاب المعنى الرمزي للمهنة نفسها. فالهوية المهنية لا تُبنى فقط عبر الراتب أو الوضع القانوني، بل عبر الإحساس بالاعتراف الاجتماعي والقدرة على رؤية الذات داخل دور واضح ومتماسك.

وقد بيّن عالم الاجتماع بيار بورديو (Pierre Bourdieu, 1979) أن السلطة الرمزية لا تقوم على القوة المادية وحدها، بل على الاعتراف الاجتماعي بشرعية الدور والمكانة. غير أن المعلّم المعاصر يعيش اليوم داخل فضاء اجتماعي تتراجع فيه قيمة الرأسمال الثقافي لصالح الرأسمال الرقمي والاستهلاكي، مما أدى إلى تآكل صورته التقليدية باعتباره حاملًا للمعرفة والهيبة.

لقد أصبح المعلّم يعيش نوعًا من الانقسام الداخلي بين صورة قديمة للمهنة ما تزال حاضرة في المخيال الجماعي، وواقع مهني جديد قائم على الرقابة الإدارية والمؤشرات الكمية والضغط النفسي والتشكيك المستمر في الجدوى. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«تفتّت الهوية المهنية»، حيث يفقد الفرد القدرة على بناء سردية مستقرة عن ذاته المهنية:

هل هو مربٍّ؟

أم منفّذ تقني للبرامج؟

أم موظف إداري خاضع لمنطق التقييم؟

أم مجرد وسيط هش داخل منظومة رقمية متسارعة؟

إن أخطر ما في هذا التفتّت أنه لا يدمّر فقط صورة المهنة، بل يزعزع أيضًا المعنى الوجودي الذي يمنح المعلّم القدرة على الاستمرار والتحمل.

3. المدرسة والقفص الحديدي: من التربية إلى العقلانية الأداتية

حين تحدّث ماكس فيبر (Max Weber, 1922) عن «القفص الحديدي»، كان يقصد ذلك الشكل من الحداثة البيروقراطية الذي تتحول فيه المؤسسات إلى فضاءات تحكمها العقلانية الأداتية والحسابات التقنية والإجراءات الإدارية الصارمة، بحيث يفقد الإنسان تدريجيًا حريته ومعناه داخل شبكات التنظيم والرقابة.

ويبدو أن المدرسة المعاصرة أصبحت تجسيدًا واضحًا لهذا القفص الحديدي؛ إذ لم يعد النجاح التربوي يُقاس بقدرة المدرسة على بناء إنسان متوازن وفاعل، بل بمدى تحقيقها للمؤشرات والأرقام ونسب النجاح والتقارير الإدارية. وهكذا تحوّل المعلّم من فاعل تربوي يمتلك هامشًا من الاستقلالية الرمزية إلى عنصر داخل منظومة تقنية معقّدة تفرض عليه التكيّف المستمر مع متطلبات التقييم والحوكمة والرقمنة.

لقد أصبحت الممارسة التعليمية محاصَرة بمنطق الأداء والإنتاجية والتوثيق الإداري، مما جعل كثيرًا من المدرّسين يشعرون بأنهم يعيشون داخل علاقة استنزاف يومية لا تمنحهم الاعتراف بقدر ما تفرض عليهم المزيد من التكيّف والانضباط.

ومن هنا، لم يعد الإحساس بالإرهاق مرتبطًا فقط بكثرة العمل، بل بالشعور العميق بأن المؤسسة التعليمية نفسها فقدت بعدها الإنساني وتحولت إلى فضاء بيروقراطي يبتلع المعنى تدريجيًا.

4. التقاعد كفكّ ارتباط: الانسحاب من علاقة الاستنزاف الرمزي

في ظل هذا التآكل المتواصل للهوية المهنية، بدأ التقاعد يكتسب دلالة جديدة تتجاوز معناه الإداري التقليدي. فلم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره نهاية لمسار وظيفي، بل أصبح بالنسبة إلى كثير من المعلّمين شكلًا من أشكال التحرر المتأخر من الضغوط المتراكمة ومن العلاقة المعقدة مع المؤسسة التعليمية.

إن بعض المدرّسين لا يعيشون لحظة التقاعد بوصفها خسارة للمكانة، بل باعتبارها استعادة للذات خارج منطق المراقبة والتقييم والاستنزاف النفسي. وكأنّ المعلّم لا يغادر الوظيفة فقط، بل يغادر أيضًا منظومة كاملة من الضغوط الرمزية التي راكمت داخله الإحساس بالتعب وفقدان المعنى.

ويكشف هذا التحول عن أزمة أعمق من مجرد أزمة مهنية؛ إذ يعكس تحوّل المدرسة ذاتها من فضاء للرسالة التربوية إلى فضاء للإدارة التقنية للمسارات التعليمية. ولذلك لم يعد السؤال الحقيقي مرتبطًا فقط بتحسين ظروف العمل، بل بإمكانية إعادة بناء المعنى الرمزي لمهنة التعليم داخل مجتمع تتزايد فيه الفردانية والتسارع واللايقين.

خاتمة:

إن أزمة المعلّم اليوم لا يمكن اختزالها في المطالب المادية أو في تراجع الأجور وظروف العمل فحسب، رغم أهميتها، لأنها ترتبط أساسًا بتحولات بنيوية أصابت المدرسة والمجتمع معًا. فالمعلّم يعيش داخل عالم تتآكل فيه المرجعيات المستقرة، وتتراجع فيه السلطة الرمزية للمعرفة، وتُختزل فيه العملية التربوية داخل مؤشرات الأداء والحوكمة والرقمنة والتكيّف المستمر مع منطق السوق.

وفي هذا السياق، يتحول التقاعد أحيانًا من نهاية لمسار مهني إلى محاولة متأخرة لاستعادة الذات خارج القفص الحديدي للعقلانية الأداتية والاستنزاف البيروقراطي. غير أن هذا الواقع يفتح أسئلة مقلقة تتجاوز وضع المعلّم وحده:

كيف يمكن لمدرسة فقدت قدرتها على حماية الفاعلين داخلها أن تبني مواطنًا متوازنًا وآمنًا رمزيًا؟

وهل تستطيع المؤسسة التعليمية استعادة بعدها الإنساني في زمن الهيمنة الرقمية ومنطق الأداء الكمي؟

ثم كيف يمكن إعادة بناء الهوية المهنية للمعلّم داخل مجتمع لم يعد يعترف بسهولة بالقيمة الرمزية للمعرفة والتربية؟


المراجع :

1. Beck, Ulrich (1986). La société du risque. Paris : Aubier.

2. Weber, Max (1922). conomie et société. Paris : Plon.

3. Bourdieu, Pierre (1979). La distinction. Paris : Les ditions de Minuit.

4. Dubet, François (2002). Le déclin de l’institution. Paris : Seuil.

5. Ehrenberg, Alain (1998). La fatigue d’être soi. Paris : Odile Jacob.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال