بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

التّغريبة الأخيرة

2026-05-14 76 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
التّغريبة الأخيرة
التاريخ لا يكتبه المحايدون بمداد هادئ بل يكتبه الصاخبون الذين يتركون بصمات خيولهم محفورة على جلود الخرائط وعندما نتحدث عن التغريبة الهلالية نحن لا نسرد وقائع جافة أو نزوحاً بشرياً عابراً بل نحلل عملية انشطار نووي ديموغرافي وجيوسياسي حدثت في قلب تونس أو ما كان يُعرف تاريخياً بإفريقية، تلك الأرض التي كانت دائماً حلبة للصراع بين روما وقرطاج وبين البيزنطيين والفاتحين الأوائل لتجد نفسها في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي أمام إعصار قادم من الشرق لم يأتِ ليرحل بل جاء ليعيد تعريف التربة والهوية واللسان.
الهجرة الهلالية لم تكن مجرد انتقال قبلي مدفوع بالجوع بل كانت عملية إعادة هندسة شاملة للمجال الحيوي المغربي حيث اصطدمت هضاب نجد وبراري الحجاز بمروج تونس الخضراء لينتج عن هذا الارتطام هوية تونسية جديدة بملامح بدوية ولسان مضري حاد حول البلاد من مجرد إيالة تابعة لظلال الإمبراطوريات إلى قلب نابض بالعروبة الصرفة التي لا تقبل الذوبان.

تبدأ هذه الملحمة من ذلك المختبر البشري القاسي في أعماق شبه الجزيرة العربية حيث كانت قبائل بني هلال وبني سليم تمثل الفائض البشري والطاقة القتالية التي لم تجد لها مكاناً في استقرار الدول المركزية.
هؤلاء هم بنو عامر بن صعصعة الذين ينتمون إلى الفرع القيسي من العرب العدنانية، قوم صقلتهم شمس نجد وجعلت منهم كائنات سياسية واجتماعية تعيش خارج حدود التدجين.
يحملون في جيناتهم إرث القيسية المضرية بكل ما تعنيه من أنفة وعصبية وقد تجلى هذا النزوع نحو التمرد في مناصرتهم التاريخية لحركة القرامطة تلك الحركة التي هزت أركان الخلافة العباسية والفاطمية على حد سواء.

عندما ضاقت بهم السبل في جزيرتهم اندفعوا نحو مصر ليتحولوا في صعيدها إلى صداع مزمن في رأس الخلافة الفاطمية يعبثون بطرق القوافل ويهددون هيبة الدولة في وادي النيل.
وفي تلك اللحظة كانت مصر تعيش أهوال الشدة المستنصرية حيث جف النيل وتصحر الوجدان وأصبح البقاء في وادي النيل انتحاراً بيولوجياً
وهنا تجلى دهاء الوزير الفاطمي محمد أبو الحسن اليازوري الذي قرر ببرود سياسي مرعب أن يستخدم هذه القبائل كسلاح ديموغرافي فتاك لتأديب المعز بن باديس الصنهاجي في تونس الذي تجرأ على شق عصا الطاعة وإعلان الولاء للخليفة العباسي في بغداد محولاً مذهب الدولة إلى السنية المالكية.

كانت خطة اليازوري هي عملية تصدير للأزمة أو ما يمكن تسميته في القواميس السياسية الحديثة بالاستخدام الوظيفي للقبيلة.
أقنع الخليفة المستنصر بأن يبيح بلاد المغرب لهذه القبائل قائلاً لهم إن المغرب ملك لكم ولأبنائكم ومنح كل رجل منهم ديناراً وبعيراً في صفقة تاريخية كانت بمثابة الرشوة الكبرى لاقتلاع جذور الدولة الزيرية.
وهكذا انطلق الطوفان البشري يحمل في أحشائه مئات الآلاف من الأنفس ليس المقاتلين فحسب بل النساء والأطفال والخيام والأساطير في رحلة استيطانية بالمعنى الكلي للكلمة.
سلكوا الطريق الساحلي يبتلعون المسافات بين مصر وليبيا وكانت أولى المحطات هي برقة التي وجدها بنو سليم مراعي خصبة فقرروا الاستقرار فيها وفي طرابلس بينما واصلت خيول بني هلال بقيادة يحيى الرياحي الاندفاع نحو قلب إفريقية لتكتب بدمائها فصول معركة حيدران الفاصلة عام ألف واثنين وخمسين للميلاد.

حيدران لم تكن معركة عسكرية تقليدية بجيوش نظامية متقابلة بل كانت صداماً بين نمطين من الوجود: جيش المعز بن باديس الذي يمثل الدولة الثقيلة بأسوارها وفيلقها المكون من الصنهاجيين والعبيد والزناتة في
مواجهة عصبية قبلية تعتمد على خفة الحركة وتكتيكات الكر والفر المباغتة.

رغم التفوق العددي لجيش المعز إلا أن الروح القتالية للهلاليين الذين لم يكن أمامهم سوى النصر أو الموت جوعاً حطمت غرور الصنهاجيين في يوم واحد. انكسر جيش المعز وفر الأمير مهزوماً إلى القيروان تاركاً وراءه معسكراً مليئاً بالثروات والسبايا لتفتح أبواب إفريقية على مصراعيها أمام المد العربي الذي لا يُبقي ولا يذر.
بعد حيدران لم يعد هناك ما يمنع العرب من التمدد فحاصروا القيروان تلك الحاضرة الروحية ودخلوها عام ألف وسبعة وفارقت الروح جسد المدينة حين استبيحت قصورها وهدمت أسوارها وهو ما وصفه ابن خلدون بمرارة تاريخية حين شبههم بالجراد الذي لا يترك وراءه أخضر ولا يابساً لكنه أغفل أن هذا الخراب العمراني كان في حقيقته ولادة لعمران بدوي جديد، عمران الخيمة والفروسية الذي نقل الثقل السكاني من المدن الساحلية الضيقة إلى السهول والبوادي الفسيحة.

توزعت القبائل وفق خارطة نفوذ رسمتها القوة والعصبية: قبائل رياح الأكثر بطشاً وجمعاً سيطرت على السهول الوسطى والقيروان وباجة بينما اندفعت قبائل زغبة نحو الغرب لتؤمن طريقها نحو الجزائر ووهران واستقرت قبائل الأثبج في الشمال والظهير الجبلي.
أما بنو سليم فقد أحكموا قبضتهم على الجنوب والشرق التونسي فاستوطنت قبائل أولاد يعقوب والصوابر والهمامة والمرازيق مناطق قابس وقفصة ودوز وتطاوين ليخلقوا حزاماً عروبياً خالصاً لا تزال نبرته اللغوية وسماته الثقافية شاهدة عليه حتى اليوم.
كان هذا الاستيطان عملية ترييف شاملة للمجتمع الإفريقي حيث تراجعت الزراعة المستقرة ومنشآت الري الرومانية القديمة لصالح النمط الرعوي المتنقل وتحولت الحقول إلى مراعي شاسعة وهو ما غير البنية الاقتصادية للبلاد وحولها من اقتصاد عقاري إلى اقتصاد تجاري رعوي يرتبط بطرق القوافل الصحراوية.

إن الأثر الأعمق للتغريبة الهلالية لم يكن عسكرياً ولا سياسياً فحسب بل كان لغوياً وهوياتياً بامتياز.
قبل وصول الهلاليين كانت اللغة العربية لغة النخبة والفقهاء في الحواضر الكبرى بينما كانت الأغلبية الساحقة من السكان في الأرياف والبوادي تتحدث بلسان أمازيغي.
جاء الهلاليون بلغتهم العربية البدوية النجديّة والحجازية وفرضوها بضرورة التعايش اليومي والمصاهرة الواسعة ليعرّبوا الأرض والإنسان في عملية انصهار بيولوجي نادرة.
تلاشت الفوارق العرقية بمرور القرون ولم يعد ممكناً الفصل بين المكون العربي والأمازيغي إلا في مختبرات الجينات التي لا تعني شيئاً أمام وحدة اللسان والعقيدة والمصير.
ومن هنا ولدت تلك اللهجة التونسية العريقة التي تحمل في مخارج حروفها خشونة الصحراء ورقة المتوسط وولدت السيرة الهلالية كإلياذة شعبية تروي بطولات أبي زيد الهلالي والجازية ودياب بن غانم لتتحول من تاريخ حربي إلى وجدان جماعي صاغ الشخصية التونسية بصلابتها وعنادها وارتباطها العضوي بالانتماء العربي.

إلا أن التاريخ الذي يعيد نفسه أحياناً في صور مشوهة يضعنا اليوم ونحن في مطلع القرن الحادي والعشرين أمام مشهد يستدعي كل هذه الذاكرة ليطلق صيحة تحذير مدوية تهز أركان الدولة الوطنية التونسية.
ما تشهده البلاد اليوم من تدفقات هائلة وغير مسبوقة وغير منضبطة للمهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء يمثل تغريبة جديدة ولكنها تغريبة بلا يازوري يوجهها ولا عصبية لغوية أو دينية تجمع الوافد بالمستضيف.
إذا كانت الهجرة الهلالية قد أدت في النهاية إلى تقوية الهوية الوطنية عبر لغة ودين وقيم مشتركة وصهرت المكونات في بوتقة واحدة فإن الزحف الديموغرافي الحالي يطرح تهديداً وجودياً يمس جوهر الكيان التونسي.
نحن أمام كتل بشرية تتدفق عبر حدودنا الصحراوية لا تجمعنا بها لغة ولا عقيدة ولا تاريخ مشترك بل تدفعها أزمات القارة السمراء وطموحات العبور نحو الشمال لتجد في تونس مستقراً قسرياً يفرضه واقع الجغرافيا وضعف الدولة الوطنيّة.
التحذير هنا لا ينبع من كراهية أو عنصرية ضيقة بل من قراءة جيوسياسية باردة لواقع الأرض.
تونس التي استطاعت عبر ألف عام صهر العرب والبربر والأندلسيين والأتراك فعلت ذلك لأن هناك رابطاً جامعاً ومصالح متبادلة تحت مظلة هوية كبرى أما اليوم فنحن أمام خطر الاستبدال الديموغرافي الصامت حيث تتحول مناطق واسعة إلى كانتونات بشرية معزولة عن النسيج الوطني مما يهدد بتفكك السلم الأهلي وضياع الشخصية التونسية في لجة الشتات الإفريقي.
الهلاليين حين دخلوا رغم كل ما قيل عن الخراب كانوا يحملون مشروعاً لبناء عصبية قوية أعادت لتونس روحها العربية أما التدفق الحالي فهو فعل تفكيكي ينهك موارد الدولة الضعيفة ويهدد بهدم ما تبقى من العقد الاجتماعي.
إن التاريخ يقرع أجراس الخطر ويذكرنا بأن الهجرة حين لا تكون فعلاً لبناء عصبية وطنية موحدة تصبح معولاً لهدم الكيان.
لقد كانت التغريبة الهلالية ولادة مؤلمة لأمة قوية أما ما نراه اليوم فقد يكون إعلاناً عن ذوبان هذه الأمة في فوضى الديموغرافيا العشوائية إذا لم تستعد الدولة سيادتها وتغلق مسام حدودها أمام طوفان العبث لتبقى تونس كما أرادها القدر التاريخي: عربية اللسان تونسية الهوى ومتجذرة في تاريخها الذي لا يقبل الاستبدال أو الضياع.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال