تقديم:
يبدو أن علوم التربية المعاصرة قد أعادت صياغة ذاتها داخل لغة جديدة تتغذى من مفردات التحرر، والمشاركة، وبناء التعلمات، غير أن هذا التحول لا يخلو من مفارقة دقيقة: فكلما ازداد الخطاب التربوي حديثًا عن استقلالية المتعلم، ازداد في المقابل ميله إلى إنتاج صيغ أكثر انتظامًا للضبط. لا يتعلق الأمر هنا بإدانة هذا الخطاب، بل بمحاولة فهم شروط اشتغاله داخل سياق مؤسساتي يجعل من مفاهيمه أدوات تنظيم بقدر ما هي أطر تفسير. ومن هذا المنطلق، يطرح المقال إشكاليته المركزية: كيف يمكن لخطاب يُعلن التحرر أن يُسهم، في الآن نفسه، في إعادة إنتاج أشكال جديدة من الاستلاب؟
1. مفارقة التحرر: إعادة تشكيل المفهوم داخل العقلنة الحديثة
ينطلق التحليل من فرضية مفادها أن مفهوم التحرر داخل علوم التربية لم يعد يحيل فقط إلى قيمة أخلاقية أو أفق إنساني، بل أصبح جزءًا من جهاز معرفي-مؤسساتي يُعيد تشكيل معناه وفق متطلبات التنظيم والفعالية. فبدل أن يكون التحرر خروجًا من أنماط السيطرة، يُعاد تعريفه كقدرة على الاندماج الفعّال داخل أنظمة تعلم مُنظمة، وهو ما يقترب من تحليل ماكس فيبر (Max Weber, 1905) للعقلنة الحديثة، حيث تتحول أدوات الرشادة إلى بنى تضبط الفعل الإنساني باسم الكفاءة. بهذا المعنى، لا يُلغى التحرر، بل يُعاد توجيهه داخل أفق يجعل منه وظيفة داخل النظام بدل أن يكون أفقًا لتجاوزه.
2. خطاب التحرر كجهاز معياري لإنتاج الممارسة
لم يعد خطاب التحرر مجرد خطاب وصفي أو نقدي، بل أصبح إطارًا معياريًا يُنتج أنماطًا محددة من الممارسة التربوية. فمفاهيم مثل “التعلم الذاتي” و”البيداغوجيا النشيطة” لا تشتغل فقط كتصورات فلسفية، بل كمرجعيات تنظيمية تُحدد ما ينبغي أن يكون عليه الفعل التعليمي.
وفي هذا السياق، يمكن دعم هذا الطرح بنقد يرى أن المؤسسة التربوية المعاصرة لم تعد مجرد وسيط لنقل المعرفة، بل أصبحت جهازًا مركبًا يعيد إنتاج التوتر بين خطاب التحرر وآليات الضبط، حيث تتجاور مفاهيم الاستقلالية والتعلم الذاتي مع منطق تقنيني دقيق لإدارة المحتوى والمتعلم، بما يجعل من “التحرر” نفسه جزءًا من آليات التنظيم.
كما يمكن فهم الخطاب التربوي بوصفه جهازًا يُسهم في تشكيل الممارسة، وهو ما ينسجم مع تصور ميشيل فوكو (Michel Foucault, 1975)، حيث لا ينفصل إنتاج المعرفة عن آليات الضبط، بل يمر عبرها، خاصة من خلال ما يسميه “تقنيات الذات” التي تجعل الفاعل يراقب نفسه ويعيد تشكيل سلوكه وفق معايير مُعطاة.
3. من المتعلم الفاعل إلى المتعلم المُؤطَّر
تُقدّم المقاربات الحديثة المتعلم بوصفه فاعلًا مركزيًا في بناء المعرفة، غير أن هذا التمركز لا يحدث في فراغ، بل داخل شبكة من الأهداف والمعايير التي تُحدد مسبقًا ما يُعتبر تعلمًا ناجحًا. وهكذا، يصبح المتعلم فاعلًا داخل حدود مرسومة، حيث تُوجَّه مشاركته وتُقاس نتائجه وفق مؤشرات محددة، دون أن يُلغى بذلك هامش الفعل، بل يُعاد تنظيمه. هذا الشكل من التنظيم يقترب مما حلله بيير بورديو (Pierre Bourdieu, 1970) في مفهوم العنف الرمزي، حيث تُمارس الهيمنة عبر أنماط تبدو مشروعة وطبيعية، مما يجعل الامتثال لها جزءًا من الممارسة العادية دون شعور بالإكراه المباشر.
4. من النظرية إلى الأداة: تقنيّة التعلم
تُظهر الممارسة التربوية كيف تتحول نظريات التعلم، مثل البنائية عند جان بياجيه (Jean Piaget, 1936) أو السوسيوبنائية عند ليف فيغوتسكي (Lev Vygotsky, 1934)، من أطر تفسيرية مفتوحة إلى نماذج إجرائية قابلة للتطبيق. فبدل أن تظل هذه النظريات فضاءات للفهم، يتم إدماجها داخل أدوات تنظيمية مثل التخطيط البيداغوجي أو “الجذاذة”، حيث تُترجم إلى خطوات محددة ومسارات جاهزة. وهكذا لا تُطبَّق النظرية بقدر ما يُعاد تشكيلها داخل منطق إجرائي يُفقدها بعدها الإشكالي، ويحوّلها إلى جزء من جهاز إداري لضبط الفعل التعليمي.
5. القفص التربوي: من البنية الصلبة إلى التنظيم المرن
إذا كان “القفص الحديدي” عند ماكس فيبر (Max Weber, 1905) يحيل إلى صلابة البنى العقلانية، فإن القفص التربوي المعاصر يتخذ شكلًا أكثر مرونة، حيث يشتغل عبر إدماج الفاعلين بدل إقصائهم. فهو لا يُفرض بوصفه قيدًا خارجيًا، بل يُقدَّم كتنظيم عقلاني للفعل التربوي، مما يجعله أكثر قابلية للقبول. بهذا المعنى، لا يتم نفي الحرية، بل إعادة تعريفها داخل أطر قابلة للتقويم، وهو ما يجعل الاستلاب أقل ظهورًا وأكثر تغلغلاً داخل البنية التنظيمية ذاتها.
6. نحو أفق نقدي: التمييز بين الاستعمال الأداتي والإمكان النقدي
يُفضي هذا التحليل إلى ضرورة التمييز بين مستويين: مستوى النظريات التربوية بوصفها أدوات لفهم التعلم، ومستوى توظيفها داخل السياسات التربوية بوصفها أدوات تنظيم وضبط. هذا التمييز يسمح بتجنب اختزال النظريات في وظائفها المؤسسية، ويفتح إمكان التفكير في استعادتها داخل أفق نقدي. غير أن هذا الأفق لا يقوم على نداء أخلاقي مجرد، بل يفترض وعيًا بشروط الممارسة داخل المؤسسة، حيث لا يتحقق إلا داخل وعي بشروط الفعل التربوي وإكراهاته، لا خارجه.
خاتمة:
يكشف هذا المقال أن خطاب التحرر في علوم التربية لا يعمل خارج منطق التنظيم، بل داخله، حيث يُعاد تعريف مفاهيمه بما يتلاءم مع متطلبات الضبط والفعالية. غير أن هذا لا يعني استحالة التحرر، بل يدعو إلى إعادة التفكير فيه خارج ثنائية التحرر/الاستلاب البسيطة، وداخل فهم أكثر تركيبًا للعلاقة بين المعرفة والمؤسسة. فهل يمكن فعلاً استعادة النظريات التربوية كأدوات للفهم دون أن تتحول إلى تقنيات للضبط؟ وهل يملك الفاعل التربوي هامشًا لإعادة توجيه هذه الأدوات داخل الممارسة اليومية؟ أم أن القفص لا يُكسر، بل يُعاد تشكيله باستمرار؟
المراجع:
1. Max Weber (1905), L’éthique protestante et l’esprit du capitalisme
2. Michel Foucault (1975), Surveiller et punir
3. Pierre Bourdieu (1970), La reproduction
4. Jean Piaget (1936), La naissance de l’intelligence chez l’enfant
5. Lev Vygotsky (1934), Pensée et langage
القفص الحديدي لعلوم التربية: كيف يُنتج خطاب التحرر أشكالًا جديدة من الاستلاب؟
2026-05-04
79 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال