بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

داخل القفص الحديدي للبيداغوجيا الحديثة: هل نُعلّم أم نُعيد إنتاج الاستلاب؟ نحو تحليل سوسيولوجي لاستلاب الفعل التعليمي وإمكانات المقاومة

2026-05-02 189 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تصدير:

"بينما تزدحم رفوف المكاتب بدراسات «النجاعة» و«الجودة»، ينسى الكثيرون أن الفعل التعليمي، في عمقه، يُفترض فيه أن يكون فعل تحرّر. في هذا المقال أحاول تفكيك تلك الشباك التي تحوّل البيداغوجيا من أفق للإبداع إلى «قفص حديدي» يحكمه الامتثال التقني. فهل ما نعيشه تطويرٌ للمدرسة أم تفريغٌ لها من معناها الإنساني؟"

تقديم:

لم يعد الفعل التعليمي، في كثير من سياقاته المعاصرة، ممارسةً حيّة تتشكّل في تماسّ إنساني مفتوح، بل أضحى يتخذ ملامح نسقٍ مضبوط بإحكام، تُحدّد حدوده شبكاتٌ من المعايير والمؤشرات والإجراءات التقنية التي تعيد تشكيله في صمت. إننا أمام وضعية يختلط فيها التنظيم بالعقلنة، والتحديث بالضبط، حتى يغدو السؤال ملحًّا: هل ما نعيشه هو تطويرٌ للفعل التعليمي أم إعادة إنتاجه داخل بنية تُفرغه من معناه؟
تنفتح هذه القراءة على أفق سوسيولوجي-فلسفي مركّب، يستلهم مفهوم «القفص الحديدي» عند ماكس فيبر (Max Weber, 1922)، حيث تنقلب العقلنة من أداة تنظيم إلى بنية إحاطة وضبط، ويتقاطع مع نقد كارل ماركس (Karl Marx, 1844) للاستلاب بوصفه انفصال الإنسان عن فعله ومنتوجه. غير أن فهم هذا التحول يظل ناقصًا دون استحضار ما يبيّنه يورغن هابرماس (Jürgen Habermas, 1981) من هيمنة العقلانية الأداتية على حساب العقلانية التواصلية، بما يحوّل الفعل الإنساني إلى مجرد وسيلة لتحقيق غايات خارجية، وكذلك النقد الجذري الذي يقدّمه إيفان إيليتش (Ivan Illich, 1971) للمؤسسة المدرسية بوصفها جهازًا يحتكر التعلم ويعيد إنتاج التبعية بدل أن يحرّر المعرفة من قوالبها المؤسسية.
ضمن هذا الأفق، نسعى إلى تفكيك استلاب الفعل التعليمي داخل البيداغوجيا الحديثة، والتفكير في إمكانات مقاومته.

1. من العقلنة إلى القفص: حين تتحول البيداغوجيا إلى جهاز

ارتبطت البيداغوجيا الحديثة تاريخيًا بمشروع عقلنة التعليم: تنظيم الزمن المدرسي، تقنين الأهداف، وضبط طرق التقييم. غير أن هذا المشروع، الذي بدا واعدًا في بداياته، أخذ ينزلق تدريجيًا نحو ما يسميه ماكس فيبر (Max Weber, 1922) «القفص الحديدي»، حيث تتحول الوسائل إلى غايات، ويُعاد تشكيل الفعل الإنساني داخل نسق مغلق يقيّده بدل أن يحرّره.
غير أن هذا التحول لا يمكن فهمه فقط كتشوّه في العقلنة، بل كهيمنة لنمط مخصوص منها. فكما يوضح يورغن هابرماس (Jürgen Habermas, 1981)، حين تطغى العقلانية الأداتية، يُختزل الفعل في بعده الوظيفي، وتُقاس قيمته بمدى نجاعته، لا بقدرته على إنتاج المعنى. وهكذا، لا يعود التعليم فضاءً للحوار، بل يتحول إلى جهاز إنتاجي موجّه نحو تحقيق نتائج قابلة للقياس.
في هذا السياق، يُعاد تشكيل البيداغوجيا كمنظومة تقنية: مؤشرات، شبكات تقييم، تقارير… بحيث يُمارس التعليم كتنفيذ لإجراءات، لا كفعل إبداعي مفتوح. وهنا يتكرّس القفص لا كاستعارة، بل كبنية فعلية تنظّم الممارسة وتحدّ أفقها.

2. استلاب الفعل التعليمي: من الفاعلية إلى الامتثال

إذا كان الاستلاب، كما بلوره كارل ماركس (Karl Marx, 1844)، يعني انفصال الإنسان عن نتاج عمله، فإننا في الحقل التربوي أمام صيغة مركّبة منه:
المعلّم ينفصل عن فعله حين يتحول إلى منفّذ لإجراءات جاهزة
المتعلّم ينفصل عن تجربته حين يُختزل تعلّمه في مؤشرات كمية
غير أن هذا الاستلاب لا يُفرض فقط من الخارج، بل يُعاد إنتاجه من داخل المؤسسة نفسها. وهنا يكتسب نقد إيفان إيليتش (Ivan Illich, 1971) دلالته الحاسمة: فالمشكلة لا تكمن فقط في كيفية تنظيم التعلم، بل في احتكاره مؤسسيًا، بحيث يصبح التعلم مرهونًا بالمدرسة، وتُختزل المعرفة فيما تعترف به.
في هذا الإطار، لا يعود التعليم تجربة تُعاش، بل عملية تُقاس؛ لا يُبنى فيها المعنى، بل يُراقب فيها الأداء. وهكذا ينتقل الفعل التعليمي من أفق الفاعلية إلى منطق الامتثال.

3. سيميولوجيا البيداغوجيا: حين تُخفي العلامات فراغ المعنى

تُنتج البيداغوجيا الحديثة شبكة كثيفة من العلامات: كفايات، مؤشرات، وضعيات تعلم، تقييمات معيارية… غير أن هذه العلامات قد تتحول إلى غطاء يُخفي تآكل المعنى.
فالخطاب البيداغوجي المعاصر يميل إلى تضخيم اللغة التقنية، بما يجعلنا نصف التعلم أكثر مما نعيشه. تصبح العلامات بديلاً عن التجربة، واللغة بديلاً عن المعنى.
ولعلّ أبرز هذه العلامات، العلامة العددية، التي يُفترض أن تكون أداة قياس موضوعية، لكنها قد تتحول إلى مؤشر “مطاطي” يعكس حاجات النظام أكثر مما يعكس حقيقة التعلم.
هنا، لا يعود السؤال: ماذا تعني العلامة؟ بل: هل ما تزال قادرة على أن تعني أصلًا؟ أم أننا أمام جهاز دلالي يشتغل رغم تآكل مرجعيته؟

4. آليات الضبط الخفي: الهيمنة الصامتة

لم تعد السلطة التربوية تُمارس عبر الإكراه المباشر، بل عبر آليات دقيقة: التقييم، ثقافة النتائج، والمراقبة الذاتية.
يتقاطع هذا الوضع مع مفهوم الهيمنة الرمزية عند بيير بورديو (Pierre Bourdieu, 1970)، ومع تحليل السلطة الانضباطية عند ميشال فوكو (Michel Foucault, 1975)، لكنه يتعمّق أكثر مع ما يسميه يورغن هابرماس (Jürgen Habermas, 1981) «استعمار العالم المعيش»، حيث تتسرّب منطقية الأنظمة إلى الفضاءات التي يُفترض أن تُبنى فيها المعاني بشكل تواصلي.
في هذه الحالة، لا يُفرض الامتثال بالقوة، بل يُستبطن كخيار «عقلاني»، فتُمارس السلطة في صيغتها الأكثر خفاءً: حين يصبح الخضوع اقتناعًا.

5. إمكانات المقاومة: استعادة المعنى داخل القفص

رغم صلابة هذه البنية، لا ينغلق القفص تمامًا. إذ تظل إمكانات المقاومة ممكنة، وإن كانت محدودة:
مقاومة تأويلية: قراءة النصوص البيداغوجية كإطارات مفتوحة
مقاومة ممارساتية: خلق هوامش حرية داخل القسم
مقاومة نقدية: تفكيك الخطاب وكشف تناقضاته
مقاومة تواصلية: إعادة بناء الفعل التعليمي كفضاء حوار، وفق أفق يورغن هابرماس (Jürgen Habermas, 1981)
مقاومة تحررية من المؤسسة: التفكير في أشكال تعلم تتجاوز احتكار المدرسة، كما يقترح إيفان إيليتش (Ivan Illich, 1971)
المقاومة هنا ليست خروجًا من القفص بقدر ما هي إعادة فتح شقوق داخله، لاستعادة المعنى من قبضة الامتثال.

خاتمة:

لا تهدف هذه القراءة إلى إدانة البيداغوجيا الحديثة، بل إلى مساءلة مفارقتها الأساسية: كيف يمكن لمشروع عقلنة تحرري أن يتحول إلى بنية استلاب؟
إذا كان ماكس فيبر (Max Weber, 1922) قد نبّه إلى خطر القفص الحديدي، فإن يورغن هابرماس (Jürgen Habermas, 1981) يكشف كيف يمتد هذا القفص ليغدو استعمارًا للعالم المعيش، بينما يذهب إيفان إيليتش (Ivan Illich, 1971) أبعد، حين يرى أن المؤسسة المدرسية ذاتها قد تتحول إلى عائق أمام التعلم.
حينها، لا يعود السؤال: كيف نُحسّن التعليم؟ بل:
هل نمارسه كفعل حي أم كتنفيذ؟
هل نُنتج معرفة أم مؤشرات؟
وأين تبدأ المقاومة: من داخل الممارسة، أم من نقد شروطها؟
حين تتحول الأرقام إلى بديل عن المعنى، لا نعود نقيس التعلم… بل نُعيد إنتاج وهمه.
وأخطر ما في القفص الحديدي، ليس أنه يقيّدنا، بل أنه يجعلنا نعتقد أننا أحرار داخله.

المراجع:

1. Weber, M. (1922). conomie et société.

2. Marx, K. (1844). Manuscrits de 1844.

3. Bourdieu, P. (1970). La reproduction.

4. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir.

5. Habermas, J. (1981). Théorie de l’agir communicationnel.

6. Illich, I. (1971). Une société sans école.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال