بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

داخل الصندوق الأسود للمدرسة: من صناعة الوهم إلى إنتاج العجز الوظيفي

2026-04-29 90 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
مقدمة: من داخل المفارقة الصامتة

داخل القسم، لا تبدأ الحصة بفتح الكتاب، بل بلحظة غير مرئية تُحسم فيها طبيعة الفعل التربوي نفسه: هل يتعلق الأمر بتعلم فعلي، أم بإدارة شكلية لمسار يقود إلى “نجاح” إداري؟
لقد فقد النجاح المدرسي دلالته الأصلية كمؤشر على امتلاك التعلمات، ليغدو مؤشراً رقمياً منفصلاً عن الكفايات الفعلية، وهو ما أكد عليه فيليب بيرنو (Perrenoud, 1998) حين بيّن أن التقييم قد ينفصل بنيوياً عن التعلم داخل الممارسة المدرسية.

1. من التعلم إلى التمثيل: إعادة تعريف النجاح

لم يعد النجاح تتويجاً لمسار تعلمي، بل أصبح بناءً مؤسسياً يُعاد إنتاجه عبر توازنات دقيقة من التنازلات.
فالمدرس لا يشتغل في فراغ معرفي، بل داخل منظومة توقعات إدارية واجتماعية تُحوّل “تجنب الفشل الجماعي” إلى أفق غير معلن للفعل التربوي.
وهو ما ينسجم مع تحليل بيير بورديو وجان-كلود باسرون (Bourdieu & Passeron, 1970)، اللذين يبينان كيف تُعاد إنتاج البنى الاجتماعية عبر المدرسة، بحيث يغدو النجاح نفسه جزءاً من آليات إعادة إنتاج النظام بدل مساءلته.

2. ضغط المؤشرات: عندما يُختزل التعليم في الرقم

يتعزز هذا التحول تحت ضغط صامت للمؤشرات الدولية والتصنيفات (PISA، TIMSS…).
فما كان يُفترض أن يكون أدوات للفهم أصبح نظاماً معيارياً للمقارنة والمحاسبة، بما يدفع المدرسة إلى إعادة تشكيل ممارساتها وفق منطق “قابلية القياس” بدل منطق التعلم.
وهكذا لا يعود السؤال: ماذا تعلّم التلميذ؟
بل: ماذا تُظهره الأرقام عنه؟
وهو ما يكشف انزياحاً من الفهم إلى التمثيل الكمي، ومن المعرفة إلى المؤشر.

3. المدرس بين التوتر البنيوي: التكيف كآلية بقاء

يجد المدرس نفسه داخل توتر مزدوج: مطالب برفع الجودة، وفي الوقت نفسه برفع نسب النجاح.
هذا التناقض البنيوي لا يُنتج انهياراً، بل يُنتج أشكالاً من التكيف الصامت، حيث تتحول الممارسة إلى إدارة مستمرة للفارق بين ما يُدرَّس وما يُطلب إظهاره كمحصلة.
وفي كثير من الحالات، يتحول “التمرير” إلى حل عملي غير معلن، بما يجعل الفاعل التربوي جزءاً من إعادة إنتاج النجاح الشكلي رغم إدراكه لتناقضاته الداخلية.

4. شهادة بلا امتلاك: قطيعة بين القياس والمعرفة

أن يحصل التلميذ على شهادة وهو عاجز عن قراءة نص بسيط، لم يعد مفارقة فردية بل مؤشراً بنيوياً.
وهو ما يوضحه باسيل برنشتاين (Bernstein, 1975)، حين يؤكد أن المدرسة لا تنقل المعارف فقط، بل تنقل أيضاً الشفرات اللغوية والثقافية التي تحدد إمكانات الفهم ذاتها.
وعندما يختل هذا النقل، يصبح النجاح رمزياً، منفصلاً عن الامتلاك الفعلي للمعرفة، في حين تستمر الأرقام في تغطية هذا الانفصال البنيوي.

5. ترحيل الفشل والوهم الرقمي في عصر الذكاء الاصطناعي

يتعمق الخلل حين لا تُبنى التعلمات الأساسية بشكل صلب، ومع غياب الدعم، يتحول الانتقال بين المستويات إلى “ترحيل منظم للفشل”.
ويزداد هذا التوتر مع أدوات الذكاء الاصطناعي، حيث يمكن إنتاج مخرجات تعليمية ظاهرية دون مسار تفكير فعلي، مما يعيد تشكيل العلاقة بين المعرفة والإنجاز في اتجاه أكثر انفصالاً عن الجهد المعرفي.

6. أزمة التقييم: من الكشف إلى التدبير الإداري

يتحول التقييم تدريجياً من أداة للكشف البيداغوجي إلى آلية للتدبير الإداري للمسارات، وهو ما يحلله ميشال فوكو (Foucault, 1975)، حين يبين أن أنظمة القياس، عندما تنفصل عن إنتاج المعرفة، تتحول إلى أجهزة ضبط تُعيد تنظيم الواقع بدل مساءلته.
ويتجلى هذا التحول في التعويض الحسابي بين المواد؛ إذ يمكن لتعثرات عميقة في القراءة والرياضيات أن تُخفف آثارها داخل المعدل العام عبر مواد أقل كثافة معرفية أو عبر أنشطة ذات طابع إنجازي أكثر من كونها معرفياً بنيوياً.
كما يظهر ذلك حين تُدمج مواد غير متكافئة معرفياً داخل نفس المجال التقويمي، كإدماج التربية التكنولوجية مع الرياضيات بثقلها المعرفي، بما يسمح بإعادة توازن المعدلات رغم استمرار التعثر في المكونات الأساسية.
وبهذا المعنى، لا يُلغى الفشل، بل يُعاد توزيعه داخل البنية الرقمية للنجاح، حيث يصبح قابلاً للإخفاء أكثر من كونه قابلاً للعلاج.

7. البعد الاقتصادي: العجز الوظيفي كأثر بنيوي غير مباشر

لا تكمن الأزمة في ضعف التحصيل فقط، بل في طبيعة المعرفة المنتَجة نفسها.
فالتلميذ قد ينجح دراسياً، لكنه يعجز عن توظيف مكتسباته في وضعيات حياتية بسيطة، وهو ما يوضحه غي بروسو (Brousseau, 1986) حين يربط معنى المعرفة بوظيفتها داخل الوضعيات.
ومن منظور سوسيولوجي، لا يُفهم هذا العجز كغاية أو قصدية، بل كأثر محتمل لتقاطع عدة ديناميات:
منطق القياس داخل المدرسة
ضغط القابلية للترقيم والمقارنة
تحولات الطلب الاجتماعي على التعليم
وإكراهات تدبير الكتلة التلاميذية
وبهذا المعنى، يمكن قراءة “العجز الوظيفي” كفجوة بنيوية تتسع بين النجاح المدرسي وبين القدرة الفعلية على توظيف المعرفة، دون افتراض مركزية نية مسبقة، بل نتيجة تراكمات تنظيمية ومعيارية متداخلة.

8. منطق النظام: تفاعل لا عناصر

إذا فتحنا هذا “الصندوق الأسود”، فلن نجد سبباً واحداً، بل شبكة من التفاعلات: ضغط نسب النجاح، هاجس صورة المؤسسة، الخوف من المساءلة، وثقافة التمرير الصامت.
وهو ما ينسجم مع تحليل إدغار موران (Morin, 1999)، الذي يؤكد أن فهم الأنظمة المعقدة لا يتم عبر تفكيك عناصرها، بل عبر إدراك العلاقات التي تنتج معناها الكلي.

9. تفكيك الوهم: غياب الصراع المعرفي

الوهم لا يُنتج بقرار مباشر، بل عبر تراكم تدريجي لتنازلات بيداغوجية: تبسيط مفرط، تقييم متساهل، وتجنب مواجهة التعثر الحقيقي.
وهو ما يوضحه جون بياجيه (Piaget, 1970)، حين يؤكد أن التعلم لا يحدث دون صراع معرفي، وأن غيابه يحول الفعل التعلمي إلى محاكاة شكلية للتعلم.

خاتمة: من إدارة النجاح إلى مساءلة المعنى

لم يعد السؤال تقنياً، بل أصبح معرفياً وأخلاقياً وسياسياً: هل وظيفة المدرسة إنتاج تعلم حقيقي، أم إدارة شرعية رقمية لنجاح يبدو مستقراً لكنه فارغ من المعنى؟
إن تفكيك “الصندوق الأسود” لا يعني فقط كشف الاختلالات، بل مساءلة التصور نفسه للنجاح: هل هو نهاية مسار إداري… أم بداية فعل معرفي حي؟
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: إذا كان هذا الوهم قابلاً للاستمرار، فما الذي يجعل النظام في حاجة دائمة إلى إعادة إنتاجه؟

المراجع:

1. Bernstein, B. (1975). Class, Codes and Control: Towards a Theory of Educational Transmissions. Routledge & Kegan Paul.

2. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction: léments pour une théorie du système d'enseignement. ditions de Minuit.

3. Brousseau, G. (1986). Fondements et méthodes de la didactique des mathématiques. Recherches en didactique des mathématiques.

4. Bruner, J. (1960). The Process of Education. Harvard University Press.

5. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir: Naissance de la prison. Gallimard.

6. Morin, E. (1999). La tête bien faite: Repenser la réforme, réformer la pensée. Seuil.

7. Perrenoud, P. (1998). L’évaluation des élèves: De la fabrication de l'excellence à l'évaluation formative. De Boeck.

8. Piaget, J. (1970). Psychologie et pédagogie. Denoël.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال