بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

ثقوب في العقد الديداكتيكي: سقوط الشرعية الرمزية في زمن التمرد المدرسي

2026-04-26 13 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
مقدمة: من داخل المشهد الصفي

داخل القسم، لا يبدأ الدرس من الكتاب ولا من الجذاذة، بل من لحظة صامتة تتحدد فيها مواقع القوة بشكل خفي. المعلم يشرع في الشرح، لكن عيون التلاميذ لا تتجه كلها نحوه؛ بعضها معلق بعوالم موازية، بعضها يراقب، وبعضها ينسحب دون إعلان. لا أحد يرفض التعلم صراحة، لكن لا أحد يمنحه نفسه بالكامل. ما يحدث ليس مجرد خلل في الانضباط، بل إعادة توزيع صامتة للسلطة داخل الفضاء الصفي. في هذا السياق، يصبح السؤال الضروري: هل نحن أمام فشل في تطبيق تقنيات التدريس، أم أمام تآكل في الشروط الرمزية التي تجعل أي فعل تعليمي ممكنًا؟

1. العقد الديداكتيكي: تقنية تفترض شرعية مفقودة

يُقدَّم العقد الديداكتيكي عند غي بروسو (Guy Brousseau, 1998) كمنظومة دقيقة تضبط الأدوار والتوقعات بين المعلم والمتعلم والمعرفة، حيث يفترض أن لكل طرف موقعًا واضحًا داخل “لعبة” تعليمية مشتركة. غير أن هذا التصور يقوم على افتراض ضمني عميق مفاده أن هذه اللعبة معترف بشرعيتها من جميع الأطراف. ما تكشفه الممارسة اليومية هو أن هذا الاعتراف لم يعد مضمونًا؛ فالتلميذ قد يلتزم بما يُطلب منه شكليًا، دون أن ينخرط فيه فعليًا، مما يحوّل العقد إلى ممارسة شكلية تفتقد أثرها الحقيقي. هنا لا يعود الخلل في تصميم الوضعيات، بل في أن العقد نفسه يشتغل فوق أرضية رمزية متصدعة.

2. العلاقة التربوية: من الامتثال إلى التفاوض

هذا التصدع يمكن قراءته في ضوء تحليل بيير بورديو (Pierre Bourdieu, 1970)، حيث لم تعد المدرسة تحتكر إنتاج المعاني المشروعة، ولم يعد خطابها يُستقبل كحقيقة بديهية. المتعلم اليوم محاط بعوالم معرفية موازية تجعله في موقع يسمح له بمساءلة ما يُقدَّم له، لا استقباله فقط. لكن الأهم أن العلاقة التربوية لم تعد علاقة امتثال عمودي، بل تحولت إلى علاقة تفاوض مستمر، وهو ما يلتقي مع طرح فرانسوا دوبيه (François Dubet, 2002) حول تراجع المؤسسة لصالح بروز الفاعل الفردي. داخل هذا التحول، لم تعد القواعد تُفرض بشكل أحادي، بل تُعاد صياغتها يوميًا داخل التفاعل، مما يجعل القسم فضاءً لديناميكيات الصراع الرمزي أكثر منه فضاءً للتنفيذ.

3. إعادة تشكيل السلطة: ما وراء الفوضى الظاهرة

ما يبدو كفقدان للسيطرة يمكن فهمه بشكل أعمق عبر تصور ميشال فوكو (Michel Foucault, 1975)، حيث لا تختفي السلطة بل تعيد تشكيل نفسها في أشكال أكثر دقة. لم تعد السلطة متمركزة في شخص المعلم، بل أصبحت موزعة داخل شبكة من العلاقات التي تظهر في السلوكيات الصغيرة: التأجيل، السخرية، الانخراط الجزئي، أو الصمت. هذه المظاهر ليست علامات غياب السلطة، بل تعبير عن تحولها من شكل عمودي صلب إلى شكل أكثر تشتتًا، يجعل التحكم في الفعل التعلمي عملية معقدة تتطلب قدرًا من المرونة بقدر ما تتطلب وضوحًا في التوجيه.

4. تفكيك مفهوم الاحترام: من الهيبة إلى المعنى

في هذا السياق، يُستدعى مفهوم “الاحترام” بوصفه حلًا جاهزًا، لكن هذا المفهوم نفسه يحتاج إلى مساءلة. من منظور جاك دريدا (Jacques Derrida, 1967)، لا يمكن اعتبار الاحترام معطى طبيعيًا، بل هو بناء ثقافي ارتبط تاريخيًا بنظام تراتبي واضح. ومع تفكك هذا النظام، لم يختف الاحترام بقدر ما تغيرت شروط إنتاجه. لذلك، فإن الحنين إلى “الهيبة” يعكس في جزء منه التمسك بنموذج سابق، بينما يفرض الواقع التفكير في شكل جديد من الاحترام يقوم على المعنى، أي على قدرة ما يُقدَّم داخل القسم على إقناع المتعلم بجدواه بالنسبة إليه.

5. التمرد كعرض دال على فجوة المعنى

ما يُصنف عادة كتمرد يمكن قراءته من زاوية مختلفة، مستلهمة من تصور جيل دولوز (Gilles Deleuze, 1972)، حيث لا يُفهم هذا السلوك كرفض سلبي، بل كتعبير عن فجوة بين ما يُعرض داخل المدرسة وما يعيشه المتعلم خارجها. التلميذ لا يرفض التعلم في ذاته، بل يرفض شكله حين لا يتقاطع مع تجربته. من هنا، يصبح التشويش مؤشرًا على خلل في العلاقة بين المعرفة المدرسية وسياقها، لا مجرد انحراف سلوكي يجب تصحيحه. إنه عرض يكشف عن حاجة إلى إعادة ربط التعلم بمعناه بالنسبة للمتعلم.

6. مفارقة الاستمرار: لماذا لم تسقط المدرسة؟

رغم هذا التآكل في الشرعية الرمزية، تواصل المدرسة أداء وظيفتها، وهو ما يطرح مفارقة حقيقية. هذا الاستمرار لا يعود إلى قوة الإقناع كما في السابق، بل إلى شبكة من العوامل المتداخلة: الإلزام القانوني، قيمة الشهادات، وضغوط المستقبل، إضافة إلى أشكال التكيف اليومية التي يطورها الفاعلون داخل القسم. المدرسة، بهذا المعنى، لم تعد قائمة فقط على الاعتراف، بل على ضرورة يصعب تجاوزها، حتى وإن فقدت جزءًا من معناها الأصلي.

خاتمة: من سؤال الضبط إلى سؤال المعنى

إن ما نكابده اليوم ليس قصوراً في مهارات الضبط، بل هو تصدع في شرعية المعنى الذي قامت عليه المدرسة؛ فمنطق “الإحكام” تراجع حين كفَّ المتعلم عن أن يكون وعاءً سلبياً، لينتزع موقعه كفاعل يعيد مساءلة ما يتلقاه. نحن لا نواجه تعثراً بيداغوجياً عابراً، بقدر ما نشهد تحولاً عميقاً في نموذج المدرسة، نموذج كان يفترض أن الحقيقة يمكن احتواؤها داخل فضاء مغلق.
هذا التحول يضعنا أمام أسئلة تتجاوز تقنيات التدريس: إذا كانت المعلومة قد تحررت من مركزيتها داخل القسم، فما الذي يعيد تعريف دور المعلم وقيمته؟ هل ما نسميه “تمرد المتعلم” هو سلوك عدائي، أم تعبير عن فجوة بين أنماط التعلم السائدة وتجربة المتعلم الفعلية؟ وهل ما نمارسه اليوم هو ترميم لنموذج يتآكل تدريجياً، أم محاولة للتكيف مع شروط جديدة لم تتبلور بعد؟
ربما لا تكمن الأزمة في ضياع وظيفة المدرسة، بل في تراجع شكلها التقليدي؛ وهو ما يجعل الحاضر يبدو كأنه اختلال، بينما قد يكون في عمقه إعادة تشكل بطيئة لعلاقة تربوية جديدة، ما زلنا نحاول فهم منطقها وإمكاناتها.

المراجع:

1. Brousseau, G. (1998). Théorie des situations didactiques.

2. Bourdieu, P. & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction.

3. Dubet, F. (2002). Le déclin de l’institution.

4. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir.

5. Derrida, J. (1967). De la grammatologie.

6. Deleuze, G. (1972). L’Anti-Œdipe.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال