بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

من المجبى إلى الكانزة: تشريح أنثروبولوجي لآليات الإفقار الممنهج وسياسات الأرض المحروقة في تونس بين القرنين التاسع عشر والعشرين

2026-04-16 335 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
من المجبى إلى الكانزة: تشريح أنثروبولوجي لآليات الإفقار الممنهج وسياسات الأرض المحروقة في تونس بين القرنين التاسع عشر والعشرين
إن قراءة التاريخ التونسي في فترات انكساراته الكبرى لا تكتمل إلا بالغوص في تلك المسامات العميقة التي تركتها الأزمات الوجودية في جسد الأمة حيث لم يكن عام الجوع مجرد عارض مناخي أو نوبة قحط عابرة بل كان زلزالاً بنيوياً كشف عورات السلطة وهشاشة المجتمع أمام تغول المركزية والارتهان للخارج.
في هذا السياق تبرز مأساة القرن التاسع عشر كفصل تراجيدي بدأ فصوله في أروقة المال بباريس ولندن قبل أن ينتهي بموت التونسيين في خيامهم.
الدولة التي كان يقودها الصادق باي وتحت سطوة الوزير الأكبر مصطفى خزندار دخلت في دوامة مديونية خارجية انتحارية حيث أُغرقت البلاد في قروض بفوائد مشطة أدت إلى فقدان السيادة المالية والقرار الوطني.
وما ضريبة المجبى التي قفزت بقرار جائر عام 1864 من 36 ريالاً إلى 72 ريالاً إلا الشرارة التي أشعلت الهشيم فقد كانت هذه الضريبة تمثل استنزافاً لكرامة الفلاحين والرحل
في حين كانت الحواضر المحظية كالعاصمة وسوسة وصفاقس والقيروان تنعم بالإعفاء مما كرس انقساماً سوسيولوجياً حاداً بين بلاد المخزن و بلاد السيبة.
هنا يبرز علي بن غذاهم ذلك القائد الذي لقبته الذاكرة الشعبية بـ «باي العربان» كرمز للمقاومة البنيوية ضد تغول الجباية حيث قاد قبائل ماجر والفراشيش وعيار وجلاص في ملحمة رفضت التحول القسري نحو مركزية قضائية وإدارية كانت تستهدف سلب القبائل استقلاليتها الذاتية.
فشل ثورة 1864وما تلاه من حملات قمعية وحشية قادها الجنرال أحمد زروق في جهة الساحل والداخل لم يكن مجرد استعادة للنظام بل كان سياسة أرض محروقة صادرت فيها السلطة المواشي والمحاصيل وفرضت خطايا مالية تفوق قدرة البشر على الاحتمال مما أفرغ المطامير التقليدية
وترك البلاد عارية أمام قحط عام 1867.
في ذلك العام المشؤوم، تلازم الجوع مع الوباء وسجلت السجلات التاريخية أن الموت كان يحصد المئات يومياً
في مشهد أعاد للأذهان كوارث العهد الحفصي حيث لم تكن الكرنتينة البدائية قادرة على وقف زحف الكوليرا والطاعون على أجساد نخرها الجوع الممنهج.
ومع دخول الاستعمار الفرنسي عام 1881 انتقلت المأساة من خانة الاستبداد المحلي إلى خانة الهندسة الاستعمارية الشاملة حيث شنت سلطات الحماية حرباً قانونية لانتزاع السيادة على الأرض والموارد.
فكان قانون التسجيل العقاري الصادر في 01جويلية
1885 أول معول لهدم الملكية العرفية الجماعية تبعه أمر 13 يناير 1896
الذي صنف الأراضي البور كملك للدولة مما مكن المعمرين من وضع أيديهم على أفضل المراعي القبلية.
السيطرة على المياه بموجب أمر 24 سبتمبر 1885 وتفتيت الأراضي الاشتراكية عبر مجالس التصرف بين عامي 1901 و1909لم تكن مجرد إجراءات إدارية بل كانت عملية تدجين قسري حولت الفلاح التونسي من منتج سيد على أرضه إلى عامل أجير أو نازح يائس.
هذا التدمير المنهجي للمجالات الحيوية هو الذي جعل تونس تدخل نفق مأساة 1947-1948 وهي منزوعة السلاح الغذائي.
خلال الحرب العالمية الثانية وبينما كانت تونس مسرحاً لعمليات عسكرية طاحنة استنزفت الجيوش المتحاربة وسلطات الحماية كل مدخرات البلاد واستمر تصدير الحبوب والزيوت نحو فرنسا الميتروبول حتى في ذروة الجفاف الذي بدأ عام 1946. لقد كان عام الجوع في الأربعينيات مأساة إنسانية بالأرقام حيث سجلت الوفيات الناتجة عن التيفوس أرقاماً مفزعة:
1034 ضحية في 1941 و1093 في 1942 و1811 في 1943 لتتوج هذه المعاناة بمجاعة 1947 التي اضطر فيها التونسيون لأكل جذور الإيرني وطحن بذور الأعشاب البرية.
وما إطلاق تسمية عام الروز على سنة 1948 إلا تعبير عن المرارة من المساعدات الاستعمارية الكانزة التي كانت توزع بمهانة والتي لم تكن لتسد رمق أمة كانت يوماً مطمورة روما.
هذه المحن أدت إلى تحول ديموغرافي زلزالي تمثل في النزوح الكبير نحو السواحل والعاصمة حيث ولدت أحياء البؤس أو الوربي في الملاسين وجبل الجلود وحي الهلال ودوار هيشر.
هذا النزوح لم يكن مجرد هروب من الموت بل كان إعادة تشكيل للهوية التونسية حيث تحولت القبائل المشتتة إلى بروليتاريا حضرية أصبحت لاحقاً القوة الضاربة للحركة الوطنية.
إن دروس التاريخ التونسي من ثورة بن غذاهم إلى انتفاضات الخبز تؤكد حقيقة بنيوية واحدة
أن السيادة الوطنية والكرامة الإنسانية صنوان لا يفترقان وأن أي ارتهان مالي للخارج أو تهميش للفئات الهشة هو مقدمة حتمية لعودة عام الجوع في أثواب جديدة.
الذاكرة التونسية التي تحتفظ بقصص الصبر والأنفة والأمثال التي تقدس نقب الأرض طلباً للرزق الحلال تظل هي الحصن المنيع ضد تكرار مآسي التبعية والانهيار مذكرّة بأن الخبز الممزوج بالكرامة هو وحده الكفيل ببناء الأوطان وصونها من عوادي الزمن ومكر السياسة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال