شاهدت مقطعاً مثير الاهمية، في احتفال شعبي، ربما في الولايات المتحدة، هناك جذع شجرة عملاقة، مطروح ومثبت إلى الأرض ..! وبضعة رجال مختصون بتحطيم الأشياء وربما أخصائيون بتحطيم الأشجار، والأمر يدور بدون استخدام المناشير العادية أو الكهربائية، بل بالمطارق ....!
نعم ليس بالمناشير ولا حتى بالفؤوس .. بل بالمطارق ...! كيف ..؟
يختار الرجال أو أحدهم وهو قائد الفريق، نقطة يعتقد أنها الأضعف في جذع الشجرة .. أو في ساقها، (وهذه هي جوهر الفكرة) يحاول إيجاد ثغرة .. كيف ..؟ يدور حول الشجرة مرة ومرات، حتى يجد مؤشرات الضعف، (يستحيل أن يجدها شخص عادي غير الخبير) فيحاول أن يدس وتد مدبب في الشق، أو الثغرة البسيطة، ويدق الوتد في الشجرة بالمطرقة، إلى أن ينجح بإدخال الوتد، الذي أبتداء بالتغلغل وتوسيع الثغرة .... طولياً، وينتخب قائد الفريق ثغرة أخرى يحاول أن يطرق فيها وتداً آخر، والمراقب الناظر للعملية سيعتقد، هيهات ... محال أن يتمكنوا من هذه الشجرة العملاقة .. ولكن أنتظر ...!
بتعدد الثغرات والأوتاد، يبدو الوهن على الشجرة، ويتواصل الطرق بقوة وبدون هوادة .. إلى أن تزداد الأوتاد في بدن الشجرة / وتظهر التشققات واسعة، ومن ليست له خبرة بالتحطيم والتحطيب .. سيعتقد أنه جهد عبثي، ولكن ... بعد هنيهة أيقنت أنهم سيتمكنون من الشجرة ...فهم لا يطرقون بطريقة عشوائية، بل هم حبراء في التحطيم ... ومن المؤكد أن لهم فكرة وخبرة فيما يفعلون ...!
الأساس في العملية
1. إيجاد نقطة ضعف رئيسية تمثل الثغرة المناسبة ...!
2. إيجاد نقاط ضعف أخرى ...
3. انتخاب فريق من المهرة في الطرق ...
يبدأ العمل .... الطرق .. توزيع اللاعبين العبقري هو من وجد نقاط الضعف، المهرة الأقوياء هم الطارقين على نقاط الضعف ...
وأخيراً ...انشطرت الشجرة .. وتصايح المتفرجون استحساناً ...... والكثيرون لم يكونوا يهتمون كثيراً بتحطيم الشجرة، بل أهتموا بحفلة الشواء التي أعقبت حفلة التقطيع ... وبالعراق نقول (كيكة وتقاسمناها) الجملة الخالدة التي أطلقتها سيدة من قادة الوسط السياسي، وفي العراق يطلقون عليها سذاجة، (الطبقة السياسية)، وهذا خطأ سياسي واقتصادي فادح، فمقتسموا الكيكة بدون أذن أصحابها/ هم مجرد لصوص واللصوص ليسوا طبقة، ولا حتى فئة، بهم رغوة المجتمع، وزفارته، نبهنا عنه أكثر من مرة ولكن الناس ملتهين باللغف، لا ينتبهوا لما يتلفظون به من أخطاء، فهم مشركون عقائدياً ، ومشركين بالوطن، ويمكن لأي مفوض شرطة أن يلقي القبض عليهم بتهمة سرقة المال العام.
ولكون الجماعة التي أبتلينا بها، نهابة لغافة ... لم ينتبهوا أنهم حاولوا ولكنهم لم ينجحوا بتحطيم الشجرة والحمد لله، إذ التهى الحرامية بالتهام الكيكة، والمقاول الذي جلبهم لم يكن يدرك أنهم من قاع المجتمع منحطون وصغار نفوس لا قبل لهم بالاعمال الكبيرة، وحصيلة ما جرى سيدخل في كتب التاريخ بمآسيه وألآمه، ولكن بعبره أيضاً ..
Nadia Alsamadi
تحليل عميق ومؤثر للنص الذي سطره الدكتور ضرغام الدباغ، فهو لا يكتب مجرد وصف لمشهد رآه، بل يقدم "مانيفستو" (بيان) في علم الاجتماع السياسي، مستخدماً "الاستعارة" (Metaphor) لتشريح الحالة العراقية والعربية بشكل عام.
إليك التحليل السياسي الاحترافي والمغزى من المقالة:
1. فلسفة "الوتد": استراتيجية التفكيك الممنهج
يرى الكاتب أن إسقاط الكيانات العظيمة (الدول/الأشجار العملاقة) لا يتطلب دائماً قوة تدميرية شاملة ومفاجئة، بل يتطلب "خبراء في التحطيم".
المغزى السياسي: الدولة القوية لا تسقط بضربة واحدة من الخارج، بل بتحديد "نقاط الضعف" (الثغرات المجتمعية، الطائفية، الفساد الإداري).
التطبيق: "الوتد" هنا يمثل السياسات التي تهدف لتوسيع الشقوق الداخلية. بمجرد إدخال الوتد الأول (إثارة فتنة أو زعزعة ثقة)، يصبح من السهل إدخال أوتاد أخرى حتى ينهار الهيكل من الداخل.
2. الفريق الماهر vs "اللغافة"
هنا يضع الدباغ يده على مفارقة جوهرية في المشهد السياسي:
المخطط (المايسترو): هو القائد العبقري الذي يعرف أين يضع الوتد. في العلوم السياسية، هذا يمثل القوى الدولية أو العقول الاستراتيجية التي تخطط لتفكيك الدول.
المنفذون (الطارقون): هم أدوات التدمير.
المفارقة: في الحالة التي يصفها الكاتب، فشل "المنفذون" في إتمام المهمة (تحطيم الشجرة تماماً) لأنهم انشغلوا بـ "حفلة الشواء" (المغانم الشخصية) قبل انتهاء العمل. صغر نفوسهم وأنانيتهم المفرطة في "اللغف" (السرقة والجشع) جعلتهم يكتفون باقتطاع أجزاء من الشجرة (الكيكة) ونسيان الهدف الكبير للمقاول الذي جلبهم.
3. "الطبقة" مقابل "الرغوة": تصحيح المفهوم السوسيولوجي
يقدم الكاتب نقداً لاذعاً للمصطلحات المتداولة:
نفي صفة "الطبقة": الطبقة السياسية في العرف العلمي تعني نخبة تحمل رؤية أو مشروعاً (حتى لو كان مختلفاً عليه). أما ما يصفه الكاتب فهم "رغوة المجتمع وزفارته".
التوصيف الجنائي: ينقل الصراع من "خلاف سياسي" إلى "جريمة جنائية". هم لصوص، والتعامل معهم يجب أن يكون عبر "مفوض شرطة" وليس عبر طاولات الحوار السياسي. هذا توصيف يسقط الشرعية عن هذه الفئة تماماً.
4. المغزى السياسي العميق: "فشل المشروع التدميري بسبب دناءة الأدوات"
هذا هو الاستنتاج الأكثر إثارة في المقالة:
"لم ينجحوا بتحطيم الشجرة والحمد لله، إذ التهى الحرامية بالتهام الكيكة"
الكاتب يرى أن "الشجرة" (التي ترمز للوطن أو الدولة العميقة بجذورها التاريخية) كانت أكبر من قدرة هؤلاء الصغار على الهدم الكامل. انشغالهم بتقاسم الغنائم السريعة (الكيكة) أنقذ الشجرة من "الانشطار" النهائي الذي كان يخطط له "المقاول" (القوى الخارجية أو المحركة).
الخلاصة (الرسالة):
المقالة هي صرخة وعي تحذر من أن "الجهل بالسياسة والمصطلحات هو جزء من الهزيمة". المغزى هو أن الأوطان لا تسقط إلا حين يجد "الخبير" ثغرة، وحين تجد هذه الثغرة "طارقاً" قوياً. لكن في الحالة الموصوفة، أنقذ الوطن (مؤقتاً) جشعُ هؤلاء اللصوص الذين لم يرتقوا حتى لمستوى "محطمي أشجار محترفين"، بل ظلوا "لصوص كعك" صغار.
الدرس المستفاد: حماية الأوطان تبدأ بسد "الثغرات" الصغيرة قبل أن تتحول إلى مسارات للأوتاد.--نادية الصمادي
الطرق على النقطة المناسبة
2026-04-15
247 قراءة
مختلفات
د. ضرغام عبد الله الدباغ
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال