بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المختبر التونسي: جدلية الفتح والمقاومة وصناعة اللسان في مهب الإمبراطوريات المتلاحقة.

2026-04-15 318 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
المختبر التونسي: جدلية الفتح والمقاومة وصناعة اللسان في مهب الإمبراطوريات المتلاحقة.
ليس هذا مقالاً عن الماضي بل عن الذاكرة التي لم تشفَ بعد فكل أرض تروى عنها حكاية فتح تخفي في ترابها حكاية مقاومة وتونس التي وصفت يوماً بأنها بوابة المغرب وأرض الفتح العظيم كانت في الحقيقة مختبراً للتاريخ العربي نفسه ومنها بدأ التوسع وفيها ولد السؤال الذي لم يجب عنه أحد حتى الآن هل كان الفتح خلاصاً أم استبدالاً للسيد. مرت على هذه الأرض كل الإمبراطوريات القرطاجية والرومانية والوندالية والبيزنطية والعربية والعثمانية والفرنسية وكلها تركت آثارها لكن لا واحدة منها استطاعت أن تمحو تماماً ما قبلها. وهكذا تراكمت الطبقات فوق بعضها حتى صارت تونس جغرافيا من الذاكرة لا من التراب فقط وكل جيل يأتي يحاول أن يفسر ما حدث كما يشاء فيضيف طبقة جديدة من المعاني والرموز. هذا المقال ليس دفاعاً ولا إدانة بل رحلة في قلب التاريخ المجهول حيث يمتزج الدين بالسياسة واللغة بالسلطة والهوية بالذاكرة وهو محاولة لفهم اللحظة التي ولد فيها التونسي الجديد لا أمازيغياً خالصاً ولا عربياً خالصاً بل كائناً ثالثاً خرج من رماد القيروان وحنين قرطاج. أكتب هذا المقال لأن التاريخ لا يغفر له أن يكتب من طرف واحد ولأن الشعوب التي تفقد سردها تفقد وجهها. تونس التي نعرفها اليوم بمدنيتها واعتدالها وتمردها ليست معجزة عابرة بل ثمرة ذلك التنازع الطويل بين الفتح والمقاومة وبين التعريب والتنوع وبين الذاكرة والحلم. من هنا يبدأ هذا المقال من أول قطرة دم في سبيطلة إلى آخر كلمة حرة في شارع بورقيبة في رحلة في الزمن العربي للتونسي من القيروان إلى الجمهورية ومن الكاهنة إلى بورقيبة ومن الدولة إلى الوعي.

لم تكن تونس تُفتح بل كانت تختبر وكانت الأرض يومها بين يدي البحر والرمال أرضاً مرت تحت أحذية الإمبراطوريات كما تمر الغيوم فوق الصحراء تأتي تمطر قليلاً من النظام ثم ترحل تاركة الفوضى. قبل العرب كانت الرومانية والبيزنطية والوندالية وكلها رفعت شعارات السماء وطلبت ذهب الأرض وحين وصل العرب حملوا شعاراً جديداً لكن الهدف القديم ظل نفسه وهو التوسع والجباية وإقامة سلطة من نوع آخر اسمها هذه المرة الخلافة. في سنة 647 للميلاد في خلافة عثمان بن عفان أرسل والي مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح جيوشه نحو إفريقية وكانت الدعوة الأولى للغزو باسم الدين لكن خلفها دوافع من السياسة والمال فالبيزنطيون يسيطرون على الساحل وقبائل الأمازيغ تحكم الداخل والبحر الأبيض المتوسط هو طريق الذهب والحبوب والعبيد وكان من يملك إفريقية يملك بوابة المتوسط ومن يملك المتوسط يملك العالم القديم. قاتل العرب في سبيطلة وهناك واجههم القائد البيزنطي جرجير ولم تكن الحرب دينية كما يسوقها التاريخ المدرسي بل كانت حرب جباية انتصر فيها ابن أبي سرح لكنه لم يحتل البلاد بل عقد اتفاقاً مالياً وصفقة ذهبية تقضي بأن يدفع الروم والأهالي فدية ضخمة مقابل انسحاب الجيوش. لم تكن تلك أول مرة يشترى فيها السلام بالذهب لكنها كانت بداية علاقة جديدة بين الدين والمال وبين السماء والسلطة.

يذكر المؤرخ ابن الأثير أن جيوش العرب عادت بالغنائم من إفريقية وأن عثمان أخذ خمسها لبيت المال ويذكر الطبري أن الجند اختلفوا على تقسيم الغنائم حتى كادت تقع فتنة بينهم وهذا يعني أن ما يسمى فتحاً كان في حقيقته حرب مصالح بين أطراف مختلفة داخل الفاتحين أنفسهم. الدم الذي سال في سبيطلة لم يكن دماً مقدساً كان دماً سياسياً والذهب الذي عادوا به إلى دمشق كان أول إغراء في سلسلة طويلة من الفتوحات التي امتزج فيها الدين بالسيف والعقيدة بالسياسة. بعد تلك الحملة انسحب العرب إلى برقة وطرابلس وظلت تونس بيد البيزنطيين وقبائل الأمازيغ التي كانت ترفض كل سلطة غريبة سواء جاءت من القسطنطينية أو من مكة لكن دمشق لم تنس هذه الأرض كانت تعرف أن من يسيطر على إفريقية يسيطر على الغرب كله ولذلك حين قامت الدولة الأموية قرر معاوية بن أبي سفيان أن يعود إلى الحلم المؤجل وهكذا بدأت المرحلة الثانية الأعمق والأخطر. لم تعد المسألة حرباً فقط بل مشروعاً سياسياً باسم الدين أرسل معاوية قائده الشهير عقبة بن نافع سنة 670 للميلاد هذه المرة لا ليقاتل فقط بل ليبني قاعدة دائمة في عمق الأرض بعيدة عن البحر وعن الروم وهناك في قلب تونس زرع خيمته ورسم بالدم أول خط على الرمال وقال جملته الشهيرة التي صارت تروى كمعجزة ها هنا القيروان.

لم يكن عقبة يبني مدينة بل يبني عاصمة لغزو طويل الأمد فمن القيروان ستنطلق الحملات ومنها سيعاد رسم خارطة الشمال الإفريقي ولم تكن القيروان مدينة الإسلام بل مدينة الدولة ومدينة المشروع ولذلك حين نقرأ عنها اليوم في كتب التاريخ علينا أن نقرأ ما وراء الكلمات. كانت القيروان معسكراً لا مدينة كانت قاعدة الجند ومخزن السلاح ومركز الإدارة ومدرسة التعريب الأولى ويصفها ابن خلدون في العبر بأنها مدينة الإسلام الأولى في المغرب لكن ما لا يقوله هو أن هذه المدينة لم تبن بالحجارة فقط بل بالعنف الرمزي فيها وضعت أولى اللبنات لسيطرة اللغة وبدأ الانقلاب الكبير. السيطرة على المكان تتبعها السيطرة على اللسان والسيطرة على اللسان تعيد تشكيل الوجدان ذلك هو جوهر الفتح الإسلامي في تونس ليس فقط أن تدخل الجيوش بل أن تدخل اللغة إلى الضمائر. في القيروان بدأ التعريب قبل أن تبدأ الأسلمة والناس الذين اعتنقوا الإسلام في السنوات الأولى ظلوا يتحدثون لغاتهم لكن الإدارة لم تكن لتقبل إلا العربية ومن أراد أن يشتغل أو أن يقبل في ديوان فعليه أن يتعلمها هكذا تحول الدين إلى لغة واللغة إلى هوية وبذلك بدأ الفتح الثاني وهو الفتح الهادئ الذي لا يرى لكنه يدوم تحت اسم فتح اللسان والعقل. كانت القيروان أكثر من مدينة كانت فكرة في مخيلة الفاتحين وأشبه بثغر بين عالمين عالم الروم المنهزمين وعالم البربر المتمردين وفي حسابات معاوية بن أبي سفيان كانت نقطة ارتكاز لبناء مجال نفوذ غربي يوازي نفوذ الشرق وهو مشروع سياسي يتدثر بثوب الدعوة أما في ذاكرة البلاد فكانت القيروان أول نواة لسلطة جديدة قادمة من الصحراء تخضع الحواضر والجبال باسم الخلافة.

اختار عقبة بن نافع موقعها بعناية بعيداً عن البحر حتى لا تباغتها سفن الروم وقريباً من منابع الماء حتى تعيش وكانت أرضها برية قاحلة لا شيء فيها إلا الصمت والريح لكن من هناك أراد عقبة أن يبدأ الفتح بمعناه الاستراتيجي عبر بناء قاعدة دائمة تخضع لها القبائل وتدار منها الحملات. القيروان لم تكن صدفة بل كانت إعلان نية أن الإسلام لن يكون زائراً عابراً في إفريقية بل ساكناً دائماً ولأن كل مشروع سياسي يحتاج إلى رمز سماوي جعلت القيروان مدينة للدين أيضاً. شيدت فيها المساجد الأولى وجمع فيها الجند والفقهاء والتجار ومنها انطلقت لغة جديدة ومصطلحات جديدة وبدأ يتكون جيل جديد من السكان نصفه عربي بالنسب ونصفه أمازيغي بالنشأة لكنه يتكلم العربية ويصلي بالعربية ويكتب للعربية ذلك الجيل كان أول نواة للتعريب الاجتماعي ومنه خرج الإداريون والفقهاء والمقاتلون الذين نشروا ثقافة الدولة الجديدة. يقول المؤرخ جاك بيرك في دراسته عن المغرب العربي إن القيروان كانت أول مختبر للعروبة في الغرب الإسلامي وهو توصيف دقيق لأن ما جرى هناك لم يكن مجرد تعليم لغة بل إعادة بناء الوعي الجمعي حيث تحول الدين إلى ثقافة والثقافة إلى سلطة والسلطة إلى هوية جديدة تنظر إلى نفسها في المرآة العربية لا في المرآة الأمازيغية وبذلك بدأت تونس تفقد ملامحها القديمة شيئا فشيئا حتى صار العربي فيها معيار التمدن والأمازيغي رمز البداوة.

في زمن حسان بن النعمان الذي جاء بعد عقبة وأتم الفتح سنة 698 للميلاد أصبحت القيروان العاصمة الفعلية للخلافة في الغرب وبنى فيها الدواوين وجعلها مركزاً للجباية والجيش وكان الهدف واضحاً وهو تحويل الإسلام من دين للناس إلى نظام للحكم والإدارة وهكذا دخلت إفريقية زمن الدولة لكن في المقابل كان هناك من يرى في القيروان غربة جديدة فالقبائل الأمازيغية التي أسلمت شعرت بأنها دخلت إسلاماً لا يشبهها كانت تصلي مع العرب لكنها لا تجد نفسها في لغتهم ولا في سلطتهم. كان الإسلام بالنسبة إليها وعداً بالعدالة لكنه صار أداة تمييز وهنا بدأ الصراع الصامت بين إسلام السلطة وإسلام الناس وهو الصراع الذي سيمتد قروناً في تاريخ تونس والمغرب. عقبة بن نافع نفسه الذي عد بطلاً في كتب التاريخ انتهت حياته في مأساة رمزية إذ خرج من القيروان بجيشه نحو الغرب فوصل إلى المحيط الأطلسي وقال مقولته الشهيرة اللهم اشهد أني بلغت المدى ولم يبق إلا البحر لكن في طريق عودته في تهودة قرب الأوراس انقضت عليه القبائل الأمازيغية بزعامة كسيلة وقتلته سنة 683 للميلاد كان ذلك انتقام الأرض من الغزاة أو كما يصفه المؤرخ التونسي هشام جعيط كانت معركة كسيلة نهاية مرحلة الغزو وبداية مرحلة الاستقرار. القيروان بقيت لكن عقبة رحل والدم الذي سال هناك لم يلغ الفكرة التي زرعها بأن الإسلام والعروبة سيكونان الوجهين السياسيين لتونس القادمة. ومع موت عقبة بدأت مرحلة جديدة أشد تعقيداً وهي مرحلة المقاومة الأمازيغية الكبرى بقيادة ديهيا الكاهنة التي ستعيد تعريف معنى الحرية ومعنى الوطن في وجه الغزاة.

في التاريخ لا تظهر النساء كثيراً على صهوة الحروب إلا حين تكون الأرض في خطر وفي تونس حين كانت إفريقية على حافة الانهيار بين الروم والعرب خرجت امرأة لتقول لا اسمها ديهيا وسيسميها العرب الكاهنة وهي امرأة من جبال الأوراس أمازيغية الأصل من قبيلة جراوة جمعت بين الكاهنة والمحاربة وبين الحكيمة والملكة لكن التاريخ العربي لم يغفر لها أنها انتصرت عليهم لبرهة من الزمن فحولها إلى أسطورة غامضة نصفها ساحرة ونصفها شيطانة ومثل كل النساء اللواتي يواجهن السلطة جرى تجريدها من حقيقتها لتصبح رمزاً يدان ويخاف منه في آن. حين قتل عقبة بن نافع دخلت إفريقية في فراغ سياسي البيزنطيون في البحر ينتظرون لحظة العودة والقبائل الأمازيغية تتساءل عن مصيرها وفي هذا المشهد صعدت ديهيا لم تكن ضد الإسلام بل ضد الاحتلال باسم الإسلام كانت تعرف أن ما يعرض على قبائلها ليس ديناً فحسب بل وصاية سياسية وثقافية كانت ترفض أن تصبح إفريقية مجرد إقليم تابع لدمشق يُدار بلسان غير لسانها وتفرض عليه جباية باسم الخلافة فجمعت القبائل ووحدت الجبال وقادت المقاومة الكبرى ضد حسان بن النعمان القائد الأموي الجديد الذي جاء لإتمام ما بدأه عقبة. يقول المؤرخ ابن خلدون إن الكاهنة انتصرت على حسان في معركة شرسة قرب تبسة فانسحب إلى برقة ويقول الطبري إنها حكمت البلاد خمس سنوات كاملة من طرابلس إلى قرطاج وهي خمس سنوات من الحرية القصيرة لكنها كانت كافية لتزرع الشك في قلب المشروع الأموي. كانت تلك السنوات أشبه بنفس الأرض الأخير قبل أن تطوى إلى الأبد تحت سلطة المركز أدركت ديهيا أن العرب سيعودون أقوى وأكثر تنظيماً وأن المواجهة المقبلة ستكون فاصلة فأصدرت قراراً رمزياً صادماً أمرت فيه بإحراق الحقول وتخريب المدن حتى لا يجد الغزاة شيئاً يطمعون فيه كان ذلك الفعل في نظر مؤرخي السلطة جنوناً لكنه في عين الحرية سياسة يأس نبيل لقد أرادت أن تقول لن تأخذوا من هذه الأرض إلا رمادها لأننا لن نكون عبيداً فيها وحين عاد حسان بن النعمان بجيشه بعد أن جمع التعزيزات من مصر كانت ديهيا تعرف أن النهاية قريبة قاتلت حتى الرمق الأخير وسقطت في معركة قريبة من الهمامة على حدود الأوراس لكنها لم تسقط مهزومة بل شهيدة الأرض. يروي بعض المؤرخين أن أبناءها أسلموا بعد موتها وأن أحدهم قاد العرب إلى مواقع قبائلها وتلك النهاية الرمزية كانت علامة على بداية عصر جديد عصر التمازج القسري بين العرب والأمازيغ وبين الفاتحين وأهل الأرض.

من بعد موت الكاهنة تغير وجه إفريقية دخل الناس في الإسلام لكن ليس جميعهم عن قناعة بل عن ضرورة كان الدخول إلى الدين مدخلاً إلى الأمان السياسي والاقتصادي فالخلافة التي كانت تدار من دمشق لم تكن تعرف إلا منطقين من أسلم فهو أخ ومن لم يسلم فهو جزية وهكذا بدأت عملية التحول الكبرى اللغة تتغير الأسماء تتغير والمجتمع نفسه يبدأ في إعادة تعريف ذاته على المقاس الجديد ذلك هو التعريب الحقيقي لا الذي فرضه السيف بل الذي فرضه النظام. الكاهنة إذن لم تكن عدوة الإسلام بل كانت آخر صوت يصرخ في وجه مركز يريد أن يصنع الأطراف على صورته وبموتها دخلت إفريقية إلى التاريخ العربي الإسلامي رسمياً وبدأت تسمى تونس لكن روح الكاهنة لم تمت لأنها ستعود لاحقاً في كل ثورة وفي كل امرأة أمازيغية ترفض الخضوع وفي كل مثقف تونسي يسائل التاريخ ويسأل من نحن عرب أم أمازيغ أم مزيج من الاثنين صنعه السيف والسياسة. لما سقطت القيروان في يد الأمويين نهائياً بعد موت الكاهنة تغير وجه الأرض لم يعد الهم الفتح ولا الحرب بل إعادة تشكيل الإنسان لم يعد المطلوب السيطرة على القبائل بل السيطرة على اللغة لأن اللغة هي أعمق أنواع الفتح والعرب الذين جاءوا من صحراء اللسان الواحد فهموا ذلك بسرعة فمنذ تلك اللحظة بدأت إفريقية تتكلم العربية حتى قبل أن تفكر بها. كان الأمويون يعرفون أن الإمبراطوريات لا تقوم إلا إذا كانت لغة السلطة لغة وحيدة ففي القيروان فتحت أولى الكتاتيب لتعليم العربية للناشئة الأمازيغ وأنشئت دواوين الدولة بالعربية ومن أراد أن يدخل الإدارة أو الجيش فعليه أن يتعلم لغة الخليفة هكذا صار التعريب ليس خياراً بل شهادة ولاء وفي ظرف جيلين فقط بدأت العربية تزاحم اللاتينية والأمازيغية في المدن وتغزو الأرياف عبر المساجد والخطب. يقول المؤرخ جورج مارسيه إن إفريقية كانت تعرب بالمنبر قبل أن تعرب بالمدرسة فالإمام الذي يعتلي المنبر لم يكن مجرد واعظ ديني بل ممثل للسلطة المركزية وكل خطبة جمعة كانت درساً في الطاعة وكل آية تتلى كانت تترجم سياسياً وهكذا صار الدين أداة لتطويع اللسان والعقل معاً.

اللغة ليست أصواتاً بل رؤية للعالم وحين تغيرت لغة البلاد تغير وعيها بذاتها تحول الأمازيغي من إنسان الجبل والقبيلة إلى مسلم عربي يتحدث لغة غير لغته ويكتبها بيد مرتجفة لم يعد الوطن الجبل ولا القرية بل دار الإسلام الممتدة حتى دمشق هكذا ذاب الانتماء المحلي في انتماء ديني سياسي أكبر جعل من تونس ولاية لا بلاداً لكن هذا التحول لم يكن كاملاً ففي القرى والجبال بقي اللسان الأمازيغي حياً يقاوم في الأغاني والأمثال والحكايات كان الناس يتكلمون العربية في السوق والمسجد لكنهم يعودون إلى لغتهم في البيوت وهكذا نشأت الازدواجية الكبرى التي ما زالت تونس تحملها حتى اليوم وجه عربي رسمي وعمق أمازيغي شعبي. التعريب لم يكن ثقافياً فقط بل اقتصادياً أيضاً فالجباية صارت تحصى بالعربية والعقود تكتب بالعربية والتجارة تدار بالعربية والذي لا يفهمها يقصى وهكذا صار التونسي مضطراً أن يتعلمها كي يعيش ومن هنا بدأت علاقة تونس بالعربية كلغة نفع وسلطة لا كخيار وجداني لكن هذا التفاعل أنتج شيئاً جديداً فالعربية نفسها تغيرت في إفريقية واختلطت بلسان البربر فأنتجت لهجة جديدة ما سيعرف لاحقاً بالدارجة التونسية وهي لغة هجينة تحمل في طياتها نبرات من الأمازيغية واللاتينية والعربية وأحياناً من الإيطالية والتركية كانت تلك اللغة الشعبية صرخة خفية في وجه التعريب الرسمي كأنها تقول خذوا السلطة والقرآن واتركوا لنا الكلام اليومي. التعريب لم يقتصر على اللسان بل مس المكان نفسه تحولت المدن القديمة قرطاج وسبيطلة وسوسة إلى مدن جديدة الأسماء والمعاني المساجد حلت محل الكنائس والمدارس محل المعابد كل حجر تغير موقعه ليعكس السلطة الجديدة وبذلك أعيد رسم الجغرافيا الرمزية لتونس من حضارة متوسطية إلى حضارة صحراوية شرقية ولم يكن هذا التحول بلا ثمن فقدت البلاد جزءاً من ذاكرتها القديمة الآثار الرومانية أهملت والنقوش اللاتينية طمست واللغة الأمازيغية صارت تتهم بالجهل كان ذلك محواً بطيئاً للذاكرة الأصلية ولأن الأمم التي تفقد لغتها تفقد سردها صارت تونس تروى من الخارج من كتب المشرق لا من ترابها وهكذا بدأ ما يسميه المفكر عبد الله العروي بالاغتراب التاريخي أن يروى تاريخك بلسان غيرك.

في القرن الثامن بعد أن ترسخ الحكم الأموي كانت إفريقية قد تغيرت جذرياً لم تعد بلاداً أمازيغية مسيحية كما كانت ولا رومانية كما كانت من قبل بل صارت عربية إسلامية بالاسم ومتعددة بالجوهر لكن هذا التعريب لم يلغ الأمازيغية بل جعلها تحت الأرض تنتظر قروناً لتعود في الوعي الحديث إنه لم يكن موتاً للهوية بل نوماً طويلاً داخل اللغة الجديدة. تونس كانت دائماً ابنة البحر والبر ابنة المتوسط والصحراء ومنذ أن دخلها العرب من الشرق ووقف الروم على سواحلها من الغرب ظلت عالقة بين مرآتين متقابلتين مرآة ترى فيها ملامح المشرق وأخرى تعكس وجه أوروبا هكذا بدأت قصة الهوية المزدوجة التي لم تهدأ منذ أكثر من 13 قرناً. حين رسخ الأمويون سلطانهم تحولت القيروان إلى رمز للانتماء المشرقي لم تعد مجرد عاصمة عسكرية بل مركزاً روحياً وثقافياً يربط تونس بدمشق ثم ببغداد ومنها انطلقت طبقة العلماء والفقهاء التي ستصبح لاحقاً حراس اللغة والعقيدة وفي مقابلهم ظل في الجبال والسواحل شعب يعيش بذاكرة أخرى أمازيغية حرة محلية ذلك التناقض بين السلطة المشرقية والروح المتوسطية هو الذي سيصنع لاحقاً الشخصية التونسية المائلة دائماً إلى التوازن والاحتجاج في آن واحد. على مر القرون كانت تونس تتقلب بين إمارات وممالك لكنها لم تفقد حسها بالاختلاف فحين قامت الدولة الفاطمية من القيروان كانت تحمل بذور الانشقاق عن المشرق نفسه وحين انتقلت الخلافة إلى القاهرة بقيت تونس تبحث عن ذاتها بين عروبة الدين ومغربية المكان إنها لم تتخل عن العربية لكنها لم تتخل عن ذاكرتها الأمازيغية أيضاً بل خبأتها في اللهجة في المطبخ في الملامح وفي الأمثال الشعبية التي ما تزال تقال حتى اليوم هكذا عاش التونسي بلسانين وذاكرتين وهو يعيش بهما إلى الآن.

ثم جاء البحر مرة أخرى ولكن هذه المرة من الغرب الحديث الأتراك ثم الفرنسيون الذين دخلوا البلاد سنة 1881 ثم أوروبا الجديدة التي تنظر إلى تونس كحديقة أمامية للمتوسط وفي تلك اللحظة استيقظ سؤال الهوية على نحو مؤلم من نحن أبناء الشرق الذين جاءوا من القيروان أم أبناء الغرب الذين تعلموا في باريس لقد أعاد الاستعمار طرح الأسئلة التي دفنتها القرون لكنه أيضاً أيقظ الوعي بأن التعريب الذي بدأ بالسيف تحول إلى أداة مقاومة فاللغة التي فرضت يوماً باسم السلطة صارت اليوم سلاحاً ضد سلطة أخرى ذلك هو تناقض تونس الدائم ما يفرض عليها تعيد هي تشكيله حتى يصبح ملكاً لها. حين جاء الحبيب بورقيبة بعد الاستقلال سنة 1956 وجد نفسه أمام شعب يتكلم العربية يفكر بالفرنسية ويحلم بمستقبل غربي الملامح فقرر أن يبني هوية تونسية وسط هذا الخليط مزيجاً من العروبة والعقلانية ومن الإسلام والحداثة كان مشروعه في جوهره محاولة لردم الهوة التي تركها الفتح الأول الهوة بين الشرق والغرب وبين الدين والدولة وبين الأصل والمصير لكن تلك الهوية بقيت قلقة لأنها ولدت من تناقض لا من انسجام وكلما حاولت تونس أن تنظر في المرآة رأت وجهين واحداً من القيروان وآخر من قرطاج. الهوية التونسية اليوم ليست عربية خالصة ولا أمازيغية خالصة ليست شرقية تماماً ولا غربية تماماً إنها هوية مفكرة متصالحة مع التعدد وإن لم تحسمه فالعربية التي كانت لغة السلطة صارت لغة الشعر والفرنسية التي كانت لغة المستعمر صارت لغة العلوم والدارجة التي ولدت من اختلاط اللغات صارت لغة القلب اليومي. هذا التعايش بين اللغات هو صورة رمزية لتونس ذاتها بلد لا يعيش باليقين بل بالأسئلة لقد أراد الفاتحون أن يجعلوا من إفريقية ولاية عربية لكن ما حدث هو العكس صارت العروبة نفسها تعرف في تونس بطريقة تونسية خفيفة نقدية واقعية ولعل هذا ما جعل البلاد بعد قرون مهداً للفكر الإصلاحي العربي ولثورات الحداثة السياسية.

منذ القيروان إلى قرطاج الجديدة من الكاهنة إلى بورقيبة ومن المساجد إلى الجامعات ظلت تونس تبحث عن توازنها بين الأصل والمستقبل التعريب لم يكن موتاً لهويتها القديمة بل كان بداية صراع طويل بين لغتين وثقافتين وذاكرتين وفي النهاية ربما لم تنتصر أي منهما بل انتصرت تونس نفسها لأنها ظلت قادرة على حمل هذا الخليط دون أن تنكسر. لم تعد تونس اليوم كما كانت زمن القيروان ولا كما حلم بها بورقيبة لقد تغير العالم من حولها وتغيرت هي معه لكنها لم تخرج من أسئلتها القديمة من نحن وإلى أين ننتمي إنها ما تزال تقف في مفترق الطرق بين الشرق والغرب وبين الذاكرة والحداثة وبين اللغة والعقل. حين ولدت الجمهورية سنة 1957 لم تولد من فراغ كانت ثمرة تاريخ طويل من المركزية بدأ مع القيروان واستمر عبر الحفصيين والمراديين والبايات غير أن الجمهورية أرادت أن تكون شيئاً جديداً دولة وطنية حديثة لا ولاية ولا خلافة وفي سعيها هذا استعادت أدوات الماضي لتواجه تحديات الحاضر العربية ظلت لغة التعليم والدين لكن الفرنسية ظلت لغة الاقتصاد والإدارة أما الأمازيغية فقد بقيت صامتة كامنة في اللهجة والوجدان الشعبي لا تذكر إلا في الخطاب الثقافي. تلك الموازنة الدقيقة بين الموروث العربي والموروث المتوسطي جعلت تونس حالة استثناء في العالم العربي ليست دولة دينية وليست علمانية بالكامل ليست عربية خالصة وليست فرنكوفونية صافية بل دولة تعرف أن التنوع ليس ضعفاً بل وسيلة للبقاء. التاريخ لا يعيش في الكتب فقط بل في طرق التفكير والعمل فحتى اليوم يمكن قراءة آثار الفتح والتعريب في الاقتصاد التونسي نفسه فالمدن الداخلية سليل القيروان ومحيطها تميل إلى الانغلاق والمحافظة بينما الساحل والعاصمة حيث البحر والروم والغرب أكثر انفتاحاً وتنوعاً كأن الجغرافيا السياسية القديمة ما زالت تعيد نفسها بأسماء جديدة.

في التعليم والإدارة لا تزال تونس تبحث عن لغة الدولة الحديثة كل محاولة لتعريب شامل تصطدم بالواقع العلمي وكل عودة للفرنسية تثير حساسية الهوية ولذلك يعيش المجتمع في توازن لغوي دقيق يتكلم التونسي بالعربية يفكر بالفرنسية ويحلم بلهجته الخاصة هذا التعدد اللغوي ليس ضعفاً بل نظاماً من المرونة الثقافية يسمح له بأن يتحرك في أكثر من اتجاه. منذ الثورة سنة 2011 عاد الدين إلى المجال العام بوجه جديد لكن تونس بخلاف غيرها لم تنزلق إلى الفوضى الدينية أو العسكرية فالتاريخ الطويل من التجانس والاعتدال ومن فهم الإسلام كجزء من الدولة لا نقيضها جعلها أكثر قدرة على امتصاص الأزمات لقد علمتها القيروان أن الدين يمكن أن يكون نظاماً لكن بورقيبة علمها أن النظام يحتاج إلى عقل وهكذا نشأت العلمانية المرنة لا تصادم الدين ولا تخضع له وتونس الحديثة تدير إسلامها كما تدير لغتها بالتوازن. حين ننظر إلى تونس اليوم نراها تشبه جغرافيتها ضيق المساحة وغنى المعاني بلاد صغيرة بمساحة كبيرة بالرمز فيها الصحراء التي تتذكر القوافل العربية وفيها البحر الذي يروي حكايات قرطاج والروم كأن الجغرافيا في تونس ليست تضاريس بل هي قدر جيوسياسي لا مفر منه إنها البلاد التي ترفض أن تكون مجرد صدى للشرق وتأبى أن تكون مجرد ظل للغرب هي الاستثناء الذي يزعج القوالب الجاهزة ويدفعنا للتساول هل نجحنا حقاً في صهر تلك الطبقات المتراكمة أم أننا نعيش فوق بركان من الذاكرة القابلة للانفجار في كل لحظة.

تونس اليوم ليست مجرد جغرافيا على الخارطة بل هي تمرين مستمر في الحرية لقد علمتنا سبيطلة أن الذهب يرحل والدم يبقى وعلمتنا القيروان أن العقيدة بلا دولة هي شتات وعلمتنا الكاهنة أن الأرض لا تعطي سرها إلا لمن يموت من أجلها واليوم ونحن في قلب الجمهورية الثالثة أو ربما في قلب التيه الكبير نكتشف أن التعريب لم يكن نهاية الطريق بل كان بداية لرحلة اكتشاف التونسة كفعل مقاومة يومي. إن كتابة تاريخ تونس بمداد واحد هو جناية على الحقيقة فهذه الأرض التي تمضمضت بماء المتوسط وتوضأت برمال الصحراء لا يمكن اختزالها في شعار أو أيديولوجيا نحن لسنا بقايا إمبراطوريات بل نحن خلاصتها والتونسي الجديد هو ذلك الكائن الثالث الذي يقرأ ابن خلدون بعقل ديكارت ويسمع نداء الأذان في القيروان وهو يستحضر فخامة قرطاج. هو كائن يعيش في التناقض لكنه يستمد منه قوته هو البرزخ الذي يربط بين ضفتي الوجود أكتب هذا النص لأن التاريخ إذا لم نكتبه نحن سيكتبه غيرنا عنا.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال