“الحكاية بدأت…”
ثم تتوالى التفاصيل في نسق يبدو مقنعًا:
عشرات آلاف التلاميذ لم يبلغوا المعدل في مناظرة السنة السادسة، تلميذ يُطلب منه منذ السنة الأولى أن يقرأ ويكتب، تحضيري ثم تمهيدي، وليّ يتحول إلى معلّم، منازل الأولياء تتحول إلى محتشدات للتعلم وأعداد تُرعب العائلات، إنتاج كتابي يُختزل في الحفظ، إنجازات جاهزة تُشترى، فقرات تُستظهر، كراسات تُزيَّن، وتشخيصات عشوائية لصعوبات التعلم…
ثم النهاية المتكررة: تلميذ يرتقي، لكن يصل إلى الإعدادي كارهًا للتعلم، فاقدًا لأدواته.
هذه السردية، رغم كثافتها، لا تفسّر الأزمة بقدر ما تعيد ترتيب أعراضها. إنه خطاب يقدّم التفاصيل باعتبارها بدايات، بينما هي في الحقيقة نتائج لمسار أعمق. وهنا، لا يكون المطلوب إضافة تفاصيل أخرى، بل القيام بما يتجنبه هذا النوع من الخطاب: الحفر في البنية التي تجعل كل هذه الظواهر ممكنة ومقبولة في آن واحد.
من هذا المنطلق، يصبح السؤال الجوهري:
كيف تحوّلت المدرسة من فضاء لإنتاج المعنى إلى جهاز يُنتج الأعداد ويُعيد تدوير الوهم؟
#المدرسة_كآلة_لإنتاج_الوهم #حفريات_في_لاهوت_الأعداد
1. وهم البداية: حين تتحول الأعراض إلى تفسير
حين يُقال إن “الحكاية بدأت” من التحضيري، أو من تدخل الولي، أو من ممارسات بعض المتدخلين، فإننا نكون بصدد قلب العلاقة بين السبب والنتيجة. هذه العناصر ليست بدايات، بل تمظهرات لمنطق سابق يحدد قواعد اللعبة. فالتلميذ الذي يُدفع إلى التعلم المبكر، والولي الذي يتحول إلى فاعل بيداغوجي قسري، والمعلم الذي يبحث عن “الحضور” كقيمة، كلهم يتحركون داخل إطار ضمني يجعل العدد هو المعيار المركزي للنجاح.
هذا ما يجعل ما يبدو انحرافًا فرديًا في الظاهر، مندرجًا في انتظام أعمق. وهو ما ينسجم مع تصور إدغار موران (Morin, 1990) الذي يبيّن أن الظواهر المعقدة لا يمكن فهمها عبر تفكيكها إلى عناصر معزولة، لأن كل عنصر فيها هو نتيجة شبكة من العلاقات المتداخلة. بهذا المعنى، فإن “بدايات” الحكاية ليست نقاط انطلاق، بل عقد داخل بنية تُعيد إنتاج نفسها.
2. لاهوت الأعداد: حين تتحول الوسيلة إلى عقيدة
حين تتحول أعداد مثل 13 و14 و16 إلى مصدر قلق جماعي، فإننا لا نكون أمام مسألة تقييم بيداغوجي، بل أمام نظام رمزي متكامل يمكن وصفه بـلاهوت الأعداد. هنا، لا يعود العدد مجرد أداة قياس، بل يصبح حقيقة قائمة بذاتها، ومعيارًا وحيدًا للقيمة.
في هذا الإطار، يُعاد تعريف النجاح: لم يعد مرتبطًا بما يكتسبه التلميذ من فهم، بل بما يتحصل عليه من أرقام. هذا التحول يُنتج نوعًا من “الإيمان التربوي” الصامت، حيث تُعامل الأعداد كحقائق نهائية لا تُناقش. وهو ما يفسر كيف تتحول الممارسات التي ذُكرت في النص—من الحفظ إلى الإنجاز الجاهز—إلى استراتيجيات “عقلانية” داخل هذا المنطق.
هذا ما يضيئه تحليل بيير بورديو (Bourdieu, 2000) حين يبيّن أن الحقول الاجتماعية تُنتج معاييرها الخاصة وتفرضها كبداهات، بحيث لا يعود الفاعلون يرونها كاختيارات، بل كحقائق طبيعية. لاهوت الأعداد، بهذا المعنى، ليس انحرافًا، بل هو القاعدة التي تنظّم الفعل التربوي.
3. انفصال التقييم عن التعلم: الجذر الصامت للأزمة
حين تأخذ الفقرة المحفوظة أعلى العلامات، بينما يُقيَّم المجهود الشخصي بأقل منها، فإننا لا نكون أمام خلل في التقدير، بل أمام انفصال بنيوي بين ما يُفترض أن يُقاس (التعلم) وما يُقاس فعليًا (الامتثال للنموذج).
هذا الانفصال يُحوّل التقييم إلى آلية مستقلة عن التعلم، تعمل وفق منطقها الخاص. وهنا، يصبح النجاح ممكنًا دون فهم، والفشل ممكنًا رغم الجهد. هذه المفارقة لا تظهر فورًا، بل تتراكم إلى أن تنكشف في مراحل لاحقة، حيث يعجز التلميذ عن مواصلة التعلم رغم “تفوقه” السابق.
لقد تغيّرت شروط الكشف عن الفارق بين العدد والمعرفة، وهو ما يمكن قراءته في ضوء نقد باولو فريري (Freire, 1970) لفكرة “التعليم البنكي”، حيث يُختزل التعلم في إيداع معلومات واسترجاعها، لا في بناء معنى فعلي.
4. اقتصاد النجاح الموازي: حين يصبح الأداء قابلًا للتوريد
الإشارة إلى الأعمال الجاهزة و“المشاريع الجاهزة” لا تعكس مجرد ممارسات معزولة، بل تكشف عن تشكّل اقتصاد موازٍ للنجاح. في هذا الاقتصاد، لا يُنتج التلميذ الأداء، بل يُستورد له. الواجب يُنجز خارج مسار التعلم، والنتيجة تُفصل عن الفاعل.
هذا التحول لا يمكن فهمه كفساد طارئ، بل كاستجابة لمنظومة تُكافئ النتيجة بصرف النظر عن مسارها. حين يصبح العدد هو الهدف، يصبح كل ما يؤدي إليه مشروعًا. وهنا، يتداخل منطق المدرسة مع منطق السوق، حيث يتحول النجاح إلى منتوج.
هذا ما يتقاطع مع تحليل بيير بورديو (Bourdieu, 1993) حول تداخل الحقول، حيث لا تبقى المؤسسة التعليمية معزولة، بل تنفتح على منطق اجتماعي أوسع يُعيد تعريف القيم والمعايير، ويُدخلها في دائرة التبادل والرمزية.
5. إعادة تشكيل الأدوار: تفكك الوظيفة التربوية
ضمن هذا السياق، تتغير أدوار الفاعلين بشكل عميق. التلميذ لم يعد ذاتًا تتعلم، بل فاعلًا يُنتج أداءً قابلًا للتقييم. الولي لم يعد داعمًا، بل أصبح جزءًا من عملية الإنتاج، يتدخل لتعويض ما لا تُنتجه المنظومة. أما المعلم، فيجد نفسه بين ضغط البرامج وانتظارات العائلات، فيتحول تدريجيًا إلى موزّع للعلامات.
هذا التحول لا يعكس مجرد انزياح وظيفي، بل يشير إلى تفكك الوظيفة التربوية نفسها. لم يعد الهدف بناء المعرفة، بل ضمان استمرارية الأداء المقبول. وهو ما ينسجم مع تحليل ميشال فوكو (Foucault, 1975)، الذي يبيّن كيف تتحول المؤسسات الحديثة إلى أجهزة للضبط، تُنتج الامتثال عبر آليات تقييم ومراقبة، بدل أن تُنتج ذواتًا مفكرة.
6. إقصاء الخطأ: تدمير شرط التعلم
في منطق الأعداد المرتفعة، يصبح الخطأ عنصرًا مهددًا يجب تجنبه. لكن الخطأ ليس عارضًا في التعلم، بل شرطًا من شروطه. حين يُقصى الخطأ، يُقصى معه التجريب، ويُختزل التعلم في إعادة إنتاج الإجابة الصحيحة.
هذا التحول يُنتج معرفة هشة، قائمة على التوازن، لا على الفهم. التلميذ يتعلم كيف ينجح، لا كيف يفهم. لذلك، ينهار هذا البناء عند أول وضعية تتطلب التفكير خارج النموذج.
هنا، يتأكد مرة أخرى ما يشير إليه إدغار موران (Morin, 1990): المعرفة ليست تراكمًا خطيًا، بل بناء معقد يتطلب المرور عبر الخطأ والتفاعل مع الغموض، وهو ما يغيب في منطق يُقدّس النتيجة الجاهزة.
7. تحويل التعبير إلى حفظ: اللغة كذاكرة لا كفكر
حين يتحول الإنتاج الكتابي إلى فقرات محفوظة، تفقد اللغة وظيفتها الأساسية كأداة للتفكير. لم يعد التلميذ يكتب ليعبّر، بل ليستعيد ما تم تخزينه. بهذا المعنى، تتحول اللغة إلى ذاكرة ميتة، لا إلى فضاء للإبداع.
هذا التحول يعمّق الفجوة بين النجاح المدرسي والقدرة الفعلية على التفكير والتعبير. التلميذ قد يتحصل على أعلى الأعداد، لكنه يعجز عن صياغة فكرة بسيطة خارج القوالب الجاهزة.
وهنا، لا يكون المشكل في التلميذ، بل في منظومة أعادت تعريف اللغة كوسيلة للامتثال، لا كأداة للفكر.
خاتمة:
النص الذي يبدأ بـ“الحكاية بدأت…” ينتهي إلى تشخيص مؤلم، لكنه يبقى حبيس مستوى الوصف. أما الحفر فيكشف أن الحكاية لم تبدأ من التفاصيل، بل من تحوّل أعمق: لحظة فقدت فيها المدرسة وظيفتها المعرفية، وأعادت تعريف النجاح خارج التعلم.
حين أصبح العدد معيارًا،
والتقييم منفصلًا عن الفهم،
والتعلم خاضعًا لمنطق الامتثال،
تحولت المدرسة إلى آلة تُنتج الوهم بكفاءة عالية.
إن أخطر ما في هذه المنظومة ليس فشلها، بل قدرتها على إنتاج نجاح شكلي يخفي عجزًا بنيويًا. وهنا لا يعود السؤال كيف نُصلح التفاصيل، بل كيف نُعيد التفكير في الأسس: ما الذي نقيسه حين نقيم؟ وما الذي نعتبره تعلمًا أصلًا؟
الواقع لا يُدين الأفراد، بل يكشف بنية تُعيد إنتاج نفس المفارقة:
تلاميذ ناجحون… دون أن يتعلموا.
المراجع:
1. Bourdieu, P. (2000). Le champ de l’éducation. Paris: Minuit.
2. Bourdieu, P. (1993). La misère du monde. Paris: ditions du Seuil.
3. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir. Paris: Gallimard.
4. Morin, E. (1990). Introduction à la pensée complexe. Paris: Seuil.
5. Freire, P. (1970). Pédagogie des opprimés. Paris: Maspero.
المدرسة كآلة لإنتاج الوهم: حفريات في لاهوت الأعداد
2026-04-15
119 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال