بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

جناية التزييف الكوني: كيف تحول قفص سيدي بوسعيد من صرح سيادي لعائلة صمودة إلى غنيمة في حروب السطو الثقافي الرقمي

2026-04-15 90 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
جناية التزييف الكوني: كيف تحول قفص سيدي بوسعيد من صرح سيادي لعائلة صمودة إلى غنيمة في حروب السطو الثقافي الرقمي
حين نتأمل في تاريخ الصناعات التقليدية التونسية فإننا لا نقف أمام مجرد حرف يدوية عابرة أو مهارات تقنية متوارثة بل نحن بصدد قراءة نص سوسيولوجي ومعماري يختزل قروناً من التراكم الحضاري على هذه الأرض التي كانت دوماً ملتقى للرياح والآفاق والتحولات الكبرى .
ومن بين كل تلك الرموز التي نحتت الهوية البصرية لبلادنا يبرز قفص سيدي بوسعيد كوثيقة جمالية وسيادية تتجاوز فكرة احتواء الطيور لتصبح بياناً معمارياً مصغراً يحاكي فخامة القباب وهيبة القصور الحسينية.
هذا القفص الذي نراه اليوم معلقاً في شرفات العالم ليس وليد الصدفة بل هو ثمرة ملحمة إبداعية قادتها عائلة صمودة التي حولت السلك واللوح إلى قضية هوية في مواجهة محاولات الطمس والسطو الثقافي التي تمارسها المنصات الرقمية العالمية اليوم حيث يضيع الأصل التونسي في زحام المسميات التجارية المغلوطة.
بدأت هذه الرحلة الإبداعية في منتصف القرن التاسع عشر وتحديداً في عام 1850 وهي فترة كانت تشهد فيها تونس تحولات معمارية واجتماعية هامة تحت حكم البايات الحسينيين ولم تكن البداية فوق مرتفعات سيدي بوسعيد الزرقاء كما يعتقد الكثيرون بل كانت في رحم المدينة العتيقة بتونس العاصمة وتحديداً في منطقة تربة الباي ذلك الصرح الجنائزي والمعماري الذي بني في عهد علي باي الثاني في القرن الثامن عشر ليضم أضرحة ملوك الدولة الحسينية في ذلك المحيط المشبع بفخامة الزخارف الإسلامية المعقدة وتقنيات نقش حديدة والأعمدة الإيطالية والقباب المكسوة بالقرميد الأخضر.
ولد الابتكار الأول على يد الحرفي الرائد سعيد صمودة الذي لم يكن يصنع قفصاً عادياً بل كان يعيد صياغة العمارة الحسينية في هيكل خشبي وحديدي مستلهماً تصميم القمة من القباب والشبابيك المعروفة باسم الزالبية وهي تلك النوافذ المصنوعة من الحديد المطروق التي كانت تمنح قصور المدينة العتيقة مسحة من الغموض والوقار وهكذا تحول القفص من أداة وظيفية إلى قطعة ديكور راقية تعكس الوجاهة الاجتماعية والتمكن الفني.
تاريخ هذا الأثر الفني هو في جوهره سجل لسلالة حرفية آمنت بأن اليد هي امتداد للفكر والروح فمن سعيد صمودة انتقل السر إلى ابنه محمد صمودة المولود في عام 1879 والذي نجح في الحفاظ على أصول الحرفة وتطوير تقنيات النجارة اليدوية بدقة متناهية تضمن متانة الهيكل وجمال الانحناءات في آن واحد، وفي عهده بدأت هذه الأقفاص تأخذ مكانة مرموقة في بيوت العائلات التونسية العريقة حيث كان اقتناء قفص من صنع عائلة صمودة دليلاً على الذوق الرفيع والرفاهية ،غير أن المنعطف التاريخي الكبير والتدويل الفعلي لهذا الرمز وقع في القرن العشرين وتحديداً عام 1909 مع الجيل الثالث المتمثل في عزوز صمودة هذا الرجل الذي لم يكن مجرد حرفي بارع بل كان رؤيوياً أدرك أن جمال هذا المنتج يؤهله للعالمية فقرر نقل ورشة العائلة إلى قرية سيدي بوسعيد التي كانت تجذب الفنانين والمثقفين من مختلف أنحاء العالم وهناك في قلب القرية البيضاء والزرقاء تحول القفص من منتج عائلي إلى رمز وطني بامتياز حيث عُرف عزوز بلقب رجل الأقفاص في تونس وأسس ورشة عمل ضخمة ضمت أكثر من عشرين متعلماً مما ساهم في خلق جيل كامل من الحرفيين الذين تشبعوا بأصول هذه المهنة.

ومن خلال هذه الورشة شق القفص طريقه نحو الأسواق الدولية ليصل إلى الولايات المتحدة الأمريكية في وقت كانت فيه الصناعات التقليدية التونسية في أوج إشعاعها.

يكمن الإعجاز التقني والتشريح الفني لقفص سيدي بوسعيد في تفاصيله الهندسية التي لا يمكن تقليدها بسهولة إذ يعتمد التصميم على مبدأ القبة فوق غرفة الطيور وهو تصميم يحاكي قباب المساجد والزوايا التونسية مما يمنحه طابعاً روحياً ومعمارياً فريداً .
وتبدأ العملية باختيار الخشب وغالباً ما يستخدم خشب الزان أو الصنوبر نظراً لمرونته وقدرته على تحمل الرطوبة ثم يقوم الحرفي برسم الشكل المقوس وقص الخشب بدقة متناهية لتشكيل الإطارات وتأتي بعد ذلك مرحلة تشكيل الأسلاك الحديدية التي تقاس وتُقص حسب حجم القفص .
ومن أهم العناصر الجمالية هي الروابط النحاسية الصغيرة التي تُقطع بحذر لتشد أسلاك القفص وتضفي عليه لمعاناً ذهبياً يتناغم مع اللونين الأبيض والأزرق في عملية تتطلب صبراً أيوبياً وتركيزاً عالياً لضمان جودة الطلاء والتجفيف تحت أشعة الشمس التونسية.

ومع ذلك فإن هذا الإرث العريق واجه تحولاً مؤسساتياً معقداً في عام 1959 حين تأسس الديوان الوطني للصناعات التقليدية كجزء من جهود الدولة التونسية الحديثة لتنظيم القطاع ورغم الأهداف النبيلة لهذه المؤسسة إلا أن هذه المرحلة شهدت بداية تراجع دور العائلات الحرفية التقليدية كمرجعية أساسية للاسم والعلامة ومع مرور الوقت بدأ اسم عائلة صمودة يختفي تدريجياً من التداول الرسمي ليحل محله مسمى عام هو قفص سيدي بوسعيد.
وهذا التحول نحو المنتج النمطي الذي تروج له المؤسسات الرسمية أدى إلى فك الارتباط بين المبتكر الأصلي والمنتج مما سهل لاحقاً عمليات السطو الثقافي حيث أصبح القفص متاحاً للتقليد دون رقابة كافية على حقوق الملكية الفكرية وتراجع بريق الصناعة اليدوية الأصيلة أمام الإنتاج الكمي الموجه للسوق السياحية الرخيصة مما أثر على السمعة العالمية التي بناها الجيل الثالث من عائلة صمودة.

ورغم هذه التحديات المحلية فقد حقق القفص حضوراً مذهلاً في المهجر حيث تشير السجلات التاريخية والمقتنيات النادرة في الولايات المتحدة إلى أن هذه الأقفاص كانت تباع كتحف فنية غالية الثمن .
ففي عام 1968 قام أفراد من فرقة السلام الأمريكية بشراء أقفاص أصلية من ورشة صمودة ونقلها إلى الولايات المتحدة حيث لا تزال بعض هذه القطع تعرض في مواقع المقتنيات النادرة تحت توقيع عائلة صمودة وهذا الحضور لم يقتصر على أمريكا بل وصل إلى اليابان وأوروبا وتركيا حيث يؤكد الحرفي الهادي العرفاوي الذي تعلم الصنعة منذ عام 1968 أنه جال العالم لبيع أقفاصه التي كانت تنفد من اليوم الأول للعرض نظراً لتقدير السياح اليابانيين والأوروبيين للجانب المعماري في القفص واستخدامه كقطع ديكور في القصور والمنازل الفخمة.

المأساة الحقيقية التي نعيشها اليوم تكمن في أزمة الهوية والسطو الثقافي الرقمي في الفضاءات العالمية مثل أمازون وإيتسي حيث يباع هذا القفص التونسي تحت مسمى قفص مغربي وهو خلط ليس مجرد خطأ تجاري بل هو طمس متعمد للهوية الثقافية التونسية واستغلال للقوة التسويقية لدول أخرى على حساب حقوق الملكية الفكرية لعائلة صمودة وتونس .
ويظهر البحث في المنصات الدولية مئات الإدخالات لأقفاص تونسية بامتياز توصف بأنها طراز مغربي قديم مما يمثل تعدياً صارخاً على جهود أجيال من الحرفيين التونسيين.
ومن الناحية القانونية ورغم أن تونس تمتلك خبرة رائدة في مجال حماية الملكية الفكرية معترفاً بها من قبل المنظمة العالمية للملكية الفكرية إلا أن غياب تسمية أصلية محمية خاصة بقفص سيدي بوسعيد يظل ثغرة قانونية كبرى استغلتها الأطراف الأجنبية.
إن مستقبل هذه الحرفة يتأرجح اليوم بين الاندثار والأمل في ظل تراجع المردودية التشغيلية وعزوف الشباب عن تعلم مهنة تتطلب الكثير من الصبر والتركيز ومع ذلك يبقى الامل قائماً في استعادة البريق لاسم عائلة صمودة واستثمار التكنولوجيا في الترويج للتاريخ الحقيقي للقفص الذي بدأ يتطور ليصبح ثريات وأباجورات عصرية تحافظ على الروح الأصلية للتصميم .
حماية قفص سيدي بوسعيد هي معركة وطنية بامتياز للدفاع عن الجمال والتاريخ وحق المبتكرين الأصليين في أن يظل اسمهم محفوراً في ذاكرة العالم ولذلك تبرز ضرورة التوثيق الأكاديمي الرسمي وإصدار كتاب أبيض يثبت الملكية التاريخية لعائلة صمودة إضافة إلى إنشاء منصة رقمية باللغات العالمية تشرح تاريخ القفص ومراحل صنعه لقطع الطريق على التسميات المغلوطة وفرض ملصق جودة رسمي يحمل رمزاً رقمياً يحيل إلى تاريخ هذا الإرث العظيم ليبقى قفص سيدي بوسعيد شاهداً حياً على أن تونس كانت ولا تزال حاضرة بإبداعها الخالد الذي لا يضيع في دهاليز العولمة الرقمية.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال