بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

من بيت الطاعة إلى مؤسسة الإخضاع: قراءة في البنية العقابية للمرأة في تونس العثمانية والبيليّة

2026-04-12 96 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
من بيت الطاعة إلى مؤسسة الإخضاع: قراءة في البنية العقابية للمرأة في تونس العثمانية والبيليّة
إن قراءة التاريخ التشريعي التونسي دون نبش القبور المنسية في أزقة المدينة العتيقة هي قراءة عرجاء، قاصرة ومنافقة.
وحين نتحدث عن زلزال 13 أوت 1956 فنحن لا نتحدث فقط عن نصوص جافة كتبت في مكاتب القصبة بل نتحدث عن مقصلة حداثية جاءت لتنهي عصراً من الرعب الأنثوي المسكوت عنه، عصراً كانت جدرانه الرطبة تختزن صراخاً لا يسمعه إلا الله والقضاة المتخشبون خلف عمائمهم.
دار جواد لم تكن مجرد بيت عتيق بلا نوافذ بل كانت غوانتانامو شرعياً نبت في رحم القضاء العثماني والبيلي
بيت العقاب والجلد البطيء حيث استثمرت الدولة اللاهوتية في صمت المرأة وكسر إرادتها.
لا يروي لنا التاريخ الرسمي أسماء الجلادين الذين أسسوا هذه الدار لأنها ابنة العرف المتكلس وربيبة الفتوى التي كانت تخترق جسد القانون كإبرة مسمومة.
في تونس القديمة حيث كان الحاكم قاضياً شرعياً والشرطي شيخاً حنفياً تحولت دار جواد من دار ثقة مزعومة إلى مسرح للعدالة الانتقامية ضد كل امرأة تجرأت على قول لا.
كان القضاء المزدوج المالكي والحنفي يلقي بالنساء في هذا الجحيم بتهمة النشوز وهي التهمة التي لم تكن تتطلب إلا عصياناً عاطفياً أو رغبة في الخروج من بيت الطاعة لتجد المرأة نفسها محكومة بالإيداع كأنها قطعة أثاث منبوذة بلا طعن ولا استئناف ولا رحمة.

انظروا إلى هذه الهندسة المعمارية للرعب:
بيت بلا شمس بلا تهوية ،فناء مغلق كأنه عين آلهة تراقب سجينات لا يملكن حتى حق الحلم.
وفي القبو، في البيت التحتاني البارد والرطب كان الانكسار يُباع بالتقسيط للمتشبثات برأيهن.
ومن كان يدير هذا الجحيم؟
إنها الجايدة ،تلك الشخصية السادية التي لم تكن مجرد سجانة بل كانت مربية في مدرسة الدولة الذكورية، امرأة تَمَّ ترويضها سابقاً لتصبح هي نفسها سوط العذاب
ضد بنات جنسها.
الجايدة هي العيون التي لا تنام والأذن التي تحصي الأنفاس تنفذ شرائع الرجال بحماس منقطع النظير، تجوّع من تضحك وتضرب من تنام وتسجن في القبو من تحنّ لقلبها.
كانت دار جواد مصنعاً لإنتاج الخضوع، تستيقظ السجينات مع الفجر للكدح في ورشة عمل لا تنتهي، غسيل وطبخ وخياطة مقابل خبز يابس وماء وشاي محروق ولا خروج من هذا الثقب الأسود إلا بتوقيع صك العبودية من جديد، عقد خضوع يبصم بالتوبة عن جريمة امتلاك رأي أو حياة.
وحتى الخروج كان وصمة عار تلاحق المهدورة كرامتها في مجتمع لا يغفر للنساء أحلامهن.

هنا تبرز عبقرية اللحظة البورقيبية في 13 أوت 1956 تلك اللحظة التي لم تكن مجرد إصلاح قانوني بل كانت
عملاً جراحياً استأصل سرطان دار جواد من جسد المجتمع. حين وقع بورقيبة مجلة الأحوال الشخصية لم يكن يوقع ورقاً بل كان يجرد فقهاء الزمان العثماني من سيوفهم ويحطم أقفال تلك الزنازين المظلمة.
نقل المرأة من خانة العبدة إلى خانة المواطنة وحول الطاعة من سجن قسري إلى اختيار تعاقدي وأرسل الجايدة وسياطها إلى مزبلة التاريخ.
إن انحيازي للحداثة في هذه المسألة ليس ترفاً فكرياً بل هو انحياز للحياة ضد الموت وللنور ضد العتمة.
دار جواد كانت مرآة لتونس التقليدية البشعة حيث العدالة تُحكم من تحت العمامة وحيث العار يُلصق بالضحية لا بالجلاد.
واليوم ونحن نستحضر أصداء الصراخ التي ما زالت تسكن تلك الجدران الرطبة في المدينة العتيقة يجب أن ندرك أن مجلة الأحوال الشخصية هي بيان استقلال حقيقي حرر العباد بعد تحرير البلاد.
إنها تحذير دائم من عودة الظلام تحت مسميات العرف
أو التأديب أو الشرف فالحداثة التونسية رغم أنوف المشككين هي التي أغلقت مصنع الرعب هذا وهي الضمانة الوحيدة كي لا تعود الجايدة من جديد لتسكن بيوتنا وعقولنا. إن أعظم الحروب هي الحرب ضد النسيان وتاريخ دار جواد هو الشاهد الأكبر على أن التحديث كان معركة وجودية انتصرت فيها تونس لنصفها الآخر وللمستقبل وبلا أي خطوط حمراء.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال