بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

بنية الرق في الإيالة التونسية: السلطة، السوق، وإعادة إنتاج اللامساواة

2026-04-12 111 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
بنية الرق في الإيالة التونسية: السلطة، السوق، وإعادة إنتاج اللامساواة
إن الجغرافيا في تونس كانت دائما هي القدر وهي التي جعلت من هذه الأرض ممرا إلزاميا للقوافل القادمة من أعماق إفريقيا نحو موانئ المتوسط حيث تحولت تونس في العهدين العثماني والحسيني إلى سوق دولية للبشر لا تغيب عنها شمس النخاسة.
التاريخ الصامت يخبرنا أن تونس لم تكن مجرد إيالة بل كانت مركزا استراتيجيا في المنظومة العالمية لتجارة الرق التي ربطت بين إمبراطوريات جنوب الصحراء مثل بورنو وتمبكتو وبين قصور البايات ومزارع الإقطاعيين في الشمال.

إن الرحلة من أعماق القارة نحو الشمال كانت ملحمة من الألم والدموع حيث كان العبيد يساقون في سلاسل حديدية تقيد أرواحهم قبل أجسادهم عبر مسالك صحراوية قاتلة تمر بمرزق وغدامس لتصل أخيرا إلى الجنوب التونسي الذي كان يمثل بوابة العذاب وبداية الاسترقاق المنظم.
الإحصائيات التي ظلت مخبأة في طيات التقارير الديبلوماسية تشير ببرود مرعب إلى أن القرن التاسع عشر وحده شهد تدفق أكثر من مليون إنسان عبر رمال الصحراء الكبرى وكان نصيب تونس من هذه التجارة كبيرا لدرجة أنها أصبحت جزءا من الدورة الاقتصادية للدولة التي كانت تجبي الضرائب على كل رأس بشري يباع في أسواقها.
المأساة الحقيقية تكمن في تلك الرحلة التي كان يموت فيها ثلاثة من كل أربعة عبيد قبل أن تطأ أقدامهم أرض الإيالة بسبب العطش أو الجوع أو سوط النخاس الذي لا يرحم الضعيف.

وفي قلب هذا المشهد الجنائزي برز تصنيف طبقي حاد بين الرقيق الأسود والرقيق الأبيض الذي كان يطلق عليهم اسم العلوج، فبينما كان السود يلقى بهم في جحيم المزارع وحفر الآبار في واحات الجنوب أو الخدمة المنزلية الشاقة كان البيض القادمون من سواحل إيطاليا وإسبانيا أو أسواق الشرق كالجورجيين والشركس يجدون طريقهم إلى صالونات الحكم ودهاليز السلطة.
كان الرق الأبيض في تونس ظاهرة فريدة حيث تحول العبيد إلى وزراء وقادة عسكريين بل ومصلحين كبار مثل خير الدين باشا الذي بدأ حياته عبدا مملوكا لينتهي به المطاف صانعا لتاريخ تونس الحديث.
هذا التناقض الصارخ يعكس بنية السلطة في العهد الحسيني حيث كان البايات أنفسهم يفضلون المماليك البيض على الأحرار التونسيين لضمان الولاء المطلق وتدعيم أركان العرش بالغرباء الذين لا جذور لهم.

حتى البايات أنفسهم لم ينجوا من هذا التداخل البيولوجي والاجتماعي فالمشير أحمد باي الذي قاد ثورة التحرر القانوني كان ابنا لجارية إيطالية اختطفت من جزيرة سنبيرة مما جعل قضية الرق بالنسبة إليه قضية شخصية ونفسية قبل أن تكون سياسية.
أحمد باي حين قرر إلغاء العبودية لم يكن يتحرك بدافع إنساني مجرد بل كان يمارس لعبة سياسية دقيقة لمحاكاة التنظيمات الأوروبية وإرضاء القوى الدولية الصاعدة وخاصة بريطانيا التي كانت تستخدم ملف حقوق الإنسان كحصان طروادة لضرب المصالح الاقتصادية لمنافسيها وتغيير بنية الاقتصاد العالمي نحو الرأسمالية الصناعية التي تحتاج إلى عمال مأجورين لا عبيد مقيدين.

سوق البركة في مدينة تونس العتيقة يظل الشاهد الصامت والأكثر إيلاما على تلك الحقبة حيث كانت تجارة البشر تتم تحت سمع وبصر الدولة وبإشراف أمين السوق الذي كان
يدير المزايدات العلنية على أجساد الرجال والنساء والأطفال.

كان المشتري يفحص العبد كأنه يفحص دابة فينظر في أسنانه ويتحسس عضلاته ويتأكد من خلوه من الأمراض التنفسية في مشهد يمثل قمة الانحطاط البشري.
تسمية البركة التي توحي بالقداسة والخير ليست سوى مفارقة ساخرة فإما أنها تعود لبروك الجمال المحملة بالبشر
أو لبروك العبيد أنفسهم أمام سادتهم الجدد في انتظار البيع.

وبعد قرار الإلغاء عام 1846 تحول هذا السوق إلى بيع الذهب والمجوهرات وكأن تونس أرادت أن تغطي قبح ماضيها ببريق المعدن النفيس لكن الجدران والأعمدة الملونة لا تزال تحمل رائحة العبودية التي لا تزول بالزمن.

قرار الإلغاء الذي تفتخر به تونس كدولة رائدة سبقت به القوى العظمى لم يكن نهاية المطاف بل كان بداية لشكل جديد من التبعية. لقد صدر الأمر العلي عام 1846 ليمنح الحرية القانونية لكنه لم يمنح الكرامة الاقتصادية.
الآلاف من العتقاء وجدوا أنفسهم فجأة في الشوارع بلا مأوى ولا عمل ولا أرض مما اضطرهم للعودة إلى أسيادهم السابقين للعمل مقابل لقمة العيش والستر فيما
عرف بنظام الولاء.
هذا النظام كان في جوهره عبودية مقنعة حيث ظل العبد السابق مرتبطا باسم عائلة سيده وحاملا للقبها كوصمة دائمة تذكره بمكانته الاجتماعية الدنيا.
وفي أرياف الجنوب تحول العبيد إلى خماسة يعملون في النخيل مقابل خمس المحصول في علاقة استغلالية بشعة استمرت حتى منتصف القرن العشرين تحت غطاء العادات والتقاليد والعلاقات القبلية.

الأرشيف الوطني التونسي يضم بين طياته وثائق تفضح زيف الالتزام التام بقرار الإلغاء حيث استمرت تجارة الرق بشكل سري وبعيدا عن أعين القناصل الأجانب
لسنوات طويلة.
قصص مثل قصة خديجة بنت فاطمة التي بيعت في أواخر القرن التاسع عشر رغم مرور عقود على القانون تؤكد أن العقلية الاجتماعية كانت أقوى من النص القانوني.
كان الملاك في جهة فصة ومدنين وتطاوين يعتبرون العبيد جزءا من الثروة ومن الحرمة الشخصية التي لا يجوز للمخزن أو الدولة التدخل فيها مما دفع السلطات الاستعمارية الفرنسية لاحقا لإصدار أوامر تكميلية في عام 1890 لتشديد الرقابة وملاحقة شبكات النخاسة السرية التي كانت تنشط بين الحدود الليبية والتونسية.

ولعل الأثر الأبرز لهذه الحقبة يتمثل في الألقاب العائلية التي
فرضها قانون الحالة المدنية في عهد بورقيبة عام 1959.

كانت لحظة تسمية العائلات هي اللحظة التي تم فيها تخليد العبودية قانونيا حيث تم منح العتقاء ألقابا مثل عتي وشوشان و وصيف وعبيد لتمييزهم عن الأحرار الأصليين.
كلمة عتي فلان ليست مجرد لقب بل هي سند ملكية متأخر يربط الإنسان بمالكه القديم ويحرمه من هويته المستقلة. وهذه الألقاب ظلت تعمل كوشم اجتماعي يلاحق الأبناء والأحفاد ويمنعهم من الاندماج الكامل ويشعرهم دائما بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية في بلد يدعي المساواة.

الصرخة التي أطلقها حمدان عتيق دالي في المحاكم التونسية قبل سنوات قليلة لطلب حذف كلمة عتي من لقبه لم تكن مجرد إجراء إداري بل كانت ثورة ضد الذاكرة المثقلة بالذل.
استجابة القضاء لهذا الطلب عام 2020 مثلت زلزالا في البنية التقليدية وفتحت الباب لمئات العائلات للمطالبة بتطهير أسمائها من بقايا الرق لكن المعركة لا تزال طويلة في ظل بيروقراطية إدارية وعقلية اجتماعية لا تزال تستخدم لون البشرة واللقب كمعايير للتفوق الطبقي.

وفي الجانب الثقافي تحولت معاناة العبيد إلى فنون مقاومة وذاكرة شفوية تحفظها طقوس الاسطنبالي وزوايا السود مثل زاوية سيدي علي الأسمر التي كانت تمثل الملاذ الروحي لمن لا وطن له.
موسيقى الاسطنبالي ليست للترفيه بل هي بكائية طويلة تحكي قصة الاختطاف من إفريقيا والحنين إلى الجذور الضائعة كما أن شخصية بوسعدية التي يراها البعض مهرجا في الشوارع هي في الحقيقة التجسيد المأساوي للأب الذي فقد ابنته في أسواق النخاسة وظل يبحث عنها بين المدن وهو يغني وجعا وألما متنكرا في ملابس رثة كي لا يقع في الأسر هو الآخر.
إنها المأساة التي تنكرت في زي الضحك والرقص كي تبقى حية في ذاكرة الأجيال.

الاعتراف بالماضي ليس ضعفا بل هو قمة القوة والوعي السياسي.
المكون الأسود في الهوية التونسية ليس مكونا طارئا أو هامشيا بل هو أصيل ساهم في بناء الاقتصاد والثقافة والسياسة واليوم نحن مطالبون بإعادة قراءة تاريخنا بلا عناوين براقة وبلا تجميل للحقائق القبيحة.
العبودية في تونس كانت جرحا وطنيا مشتركا والتحرر الحقيقي لا يبدأ بمرسوم ملكي أو قانون جمهوري بل يبدأ من تحرير العقول من تلك النزعة العنصرية الكامنة في اللغة وفي النكات وفي الألقاب وفي توزيع الفرص.

حين ننظر إلى تاريخ العبيد في تونس نرى مسارا طويلا من المقاومة الصامتة ومن المحاولات المستمرة لاختراق
جدار التهميش. من عبيد غبنتن في مدنين الذين صنعوا لأنفسهم عالما خاصا يمزج بين الولاء والحرية وبين الطبل العربي والشنّة الإفريقية إلى المثقفين السود اليوم الذين يرفعون أصواتهم عاليا للمطالبة بحقهم في الذاكرة وفي السردية الوطنية.
تونس الحديثة لا يمكن أن تبنى على أنقاض أرشيف مسكوت عنه بل يجب أن تبنى فوق الحقيقة الكاملة مهما
كانت مرة.
القوانين التي صدرت في 1846 و1890 و1959 و2018 هي محطات في رحلة التيه التونسي نحو الحرية وهي رحلة لن تنتهي إلا عندما يصبح اللقب مجرد اسم لا يشير إلى تاريخ من القيد وعندما يصبح لون البشرة مجرد تفصيل بيولوجي لا يحدد مكانة الإنسان في المجتمع.
البحث في هذا الملف هو رد اعتبار لكل من ضاع اسمه في رمال الصحراء ولكل من بيع في سوق البركة ولكل من حمل لقبا لا يشبهه ولكل من رقص في الشوارع وهو يحمل في قلبه غصة بوسعدية.
التاريخ هو الحاضر الذي نعيشه والذاكرة هي السلاح الوحيد ضد النسيان الذي يريد تجار الأوهام فرضه علينا كي لا نرى الحقيقة كما هي عارية وقوية وصادمة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال