بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

كهنة الأرقام وجلادو الجغرافيا: جيرار دي بيرنيس وهندسة الانتحار الهيكلي في المتاهة التونسية

2026-04-11 170 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
كهنة الأرقام وجلادو الجغرافيا: جيرار دي بيرنيس وهندسة الانتحار الهيكلي في المتاهة التونسية
لا يمكن الحديث عن الدولة التونسية الحديثة دون الوقوع في فخ السردية البورقيبية التي اختزلت الوطن في كاريزما الزعيم بينما كانت الحقيقة تُطبخ في قدور تكنوقراطية باردة خلف ستائر سميكة.
لم يكن الحبيب بورقيبة سوى المايسترو الذي يقود أوركسترا لم يكتب هو نوتاتها الموسيقية.
إذا كان سيسيل حوراني هو من رسم ملامح الدبلوماسية التونسية وألبسها جبة العقلانية الغربية فإن المهندس الخفي الذي صمم المتاهة الاقتصادية التي لا نزال نتخبط في دهاليزها هو جيرار دي بيرنيس ذلك الأكاديمي الفرنسي الذي جاء بمبضع الجراح ليمارس تجاربه المختبرية على جسد مجتمع لم يفق بعد من صدمة الاستعمار.
نحن هنا لا نتحدث عن مستشار عابر بل عن الكاهن الأكبر لعقيدة التنمية الثقيلة، الرجل الذي حول تونس من أرض للفلاحة والزيتون إلى حقل تجارب لنظريات ماركسية كاثوليكية ولدت في غرف جامعة غرينوبل لتطبق في قفصة وقابس ومنزل بورقيبة.

دخل دي بيرنيس تونس عام 1955 في لحظة ارتباك تاريخي حاملاً معه حقيبة مليئة بالخرائط والأرقام
ومنذ تلك اللحظة بدأ في تشريح البنية التحتية للاقتصاد التونسي عبر معهد الدراسات العليا بتونس.
لم يكن يرى في التونسيين بشراً بخصوصيات سوسيولوجية بل كان يراهم مجرد أرقام في معادلة التنمية المتمركزة
على الذات.
في عام 1956 وبينما كان العالم يحتفل بالاستقلال كان دي بيرنيس ينشر دراساته حول البطالة والتصنيع .
وفي عام 1958 قدم دراسته الشهيرة عن الفلاحة التونسية وآفاقها التي كانت بمثابة الرصاصة الأولى التي أطلقت على صدر الريف التونسي حيث دعا صراحة إلى تحديث قسري للأرض وهي الدعوة التي التقطها أحمد بن صالح لاحقاً ليحولها إلى جحيم التعاضد الذي التهم الأخضر واليابس.

الكارثة بدأت حين التقت طموحات أحمد بن صالح ذلك النقابي الذي كان يحلم بوحش سياسي يحرث المجتمع
مع نظريات دي بيرنيس حول الصناعات المصنعة.
كانت الفكرة في ظاهرها براقة كذهب الخداع
بناء قلاع صناعية ثقيلة مثل الفولاذ والكيماويات لتكون هي القاطرة التي تجر الاقتصاد نحو الحداثة.
لكن الحقيقة كانت مريرة كعلقم فقد أقنع دي بيرنيس النخبة التونسية بأن السيادة لا تتحقق بالقمح والتمور بل بالدخان المتصاعد من مداخن المصانع الملوثة.
وهكذا تحولت تونس من بلد يؤمن غذاءه بنفسه إلى بلد يقترض المليارات ليبني مصانع الفولاذ في منزل بورقيبة التي لم تنتج سوى العجز الهيكلي والمجمع الكيميائي في قابس الذي حول عروس المتوسط إلى جحيم بيئي ومنطقة الحوض المنجمي في قفصة التي استنزفت كرامة الإنسان قبل استنزاف الفسفاط من بطن الأرض.

في عام 1964 كان دي بيرنيس هو العقل المدبر وراء قرار تخفيض قيمة الدينار التونسي وهو القرار الذي كان يهدف لتمويل تلك المشاريع العملاقة على حساب القوة الشرائية للتونسيين.
كانت تلك اللحظة هي بداية الارتهان الحقيقي للمؤسسات المالية الدولية،فبينما كان الخطاب الرسمي يتغنى بالسيادة كانت الأرقام تشير إلى تبعية هيكلية مرعبة حيث ارتفعت المديونية الخارجية لتونس في عهد بن صالح بنسب فلكية وأصبح المواطن التونسي رهينة لقروض لم يجنِ منها سوى أحزمة الفقر التي بدأت تتشكل حول العاصمة والمدن الساحلية نتيجة النزوح القسري للفلاحين الذين انتزعت أراضيهم لصالح تجربة التعاضد الفاشلة.
المقاومة الشعبية التي اندلعت في مساكن في ديسمبر 1964 وفي الوردانين في جانفي 1969 لم تكن مجرد تمرد على قرارات إدارية بل كانت صرخة مجتمع يرفض الانقراض أمام جبروت تكنوقراط لا يفهمون لغة الأرض.

لعل المشهد الأكثر مأساوية يتجلى في مدينة ابس التي كانت توصف بكاليفورنيا المتوسط بجمال واحاتها البحرية الفريدة.
وبناءً على توصيات دي بيرنيس تم زرع المجمع الكيميائي هناك لتثمين الفسفاط والنتيجة اليوم ليست وظائف أو ثراءً بل هي موت سريري للخليج واندثار للثروة السمكية واجتياح للأمراض السرطانية التي تفتك بالسكان.
هذا هو الخراب الجميل الذي خلفه المهندس الفرنسي صناعات قاتلة للبيئة وللإنسان مقابل أوهام في المخططات العشرية التي كانت ترسم نمواً وهمياً على الورق بينما كان الواقع ينزف فقراً وتهميشاً.
وفي فصة كان النموذج المنجمي الذي كرسه دي بيرنيس يعامل البشر كمجرد أدوات استخراج مما خلق فجوة سوسيولوجية عميقة وتوترات اجتماعية انفجرت في 2008 ولا تزال تداعياتها تزلزل الدولة حتى اللحظة.

المفارقة التاريخية الكبرى هي أن نظام بن علي الذي ادعى الليبرالية والقطيعة مع الاشتراكية حافظ على جوهر المتاهة التي صممها دي بيرنيس. أبقى على الدولة المركزية القابضة ليس من أجل التنمية بل من أجل إحكام القبضة الأمنية وتوزيع المغانم على العائلات المتنفذة.
ظلت البنية البيروقراطية التي شرعنها دي بيرنيس هي العائق أمام أي مبادرة حرة وظل الفلاح التونسي الذي يمتلك علاقة روحية مقدسة بالأرض غريباً في وطنه، مجرد رقم في سجلات ديوان الأراضي الدولية أو عاملاً في تعاضديات لم تترك له سوى الحسرة.
الشركات الكبرى التي أُنشئت في تلك الحقبة ظلت تحت سيطرة الدولة أو تم تفويت أجزاء منها لمقربين من النظام مما حول السيادة الوطنية إلى سيادة عائلية على الموارد.

اليوم وبعد عقود من رحيل دي بيرنيس وسقوط بن صالح وتلاشي عصر بورقيبة لا نزال ندفع فواتير تلك المخططات التي طبخت في الغرف الباردة بباريس وتونس.
نحن ندفع فاتورة تدمير الريف وفاتورة تلوث المتوسط وفاتورة المديونية التي لا تنتهي.
كانت نصائح دي بيرنيس هي السم الذي عطل محرك النهضة الحقيقية والاعتراف بهذا الاختلال الهيكلي هو الخطوة الأولى لكسر جدران المتاهة.
السيادة الحقيقية ليست في المصانع التي تستورد تكنولوجيتها وخاماتها وتصدر تلوثها بل في العودة إلى الأرض وفي احترام كرامة الإنسان التونسي الذي كان ضحية لمهندس خفي لم يرَ فيه سوى فئران تجارب في
مختبر فاشل.
إن البحث في دهاليز هذه الشخصية ليس ترفاً تاريخياً بل هو ضرورة لفهم لماذا تعجز تونس اليوم عن الإقلاع الاقتصادي ولماذا لا نزال ندور في الحلقة المفرغة التي بدأها حوراني سياسياً وأكملها دي بيرنيس اقتصادياً محكمين إغلاق أبواب المتاهة علينا.

كان دي بيرنيس يجلس في باريس يكتب المخططات العشرية ويقترح تخفيض قيمة العملة لخدمة أهداف التصنيع القسري واستطاع هذا التكنوقراط العابر للقارات أن يقنع النخبة التونسية بأن الحداثة تعني القطيعة التامة مع الفلاحة التقليدية وهي القطيعة التي لم تجلب للصناعة حداثة حقيقية بل جلبت للدولة تبعية هيكلية للديون والتكنولوجيا الأجنبية.
خطورة هذا الفكر تكمن في أنه شرعن العنف التنموي فبما أن التنمية هي الحقيقة العلمية التي يمتلكها الخبراء
فإن أي مقاومة من الشعب هي مجرد تخلف يجب قمعه بقوة الدولة.
هذا الفكر هو الذي مهد الطريق لاحقاً لكل أشكال السلطوية حيث أصبحت الدولة ترى في نفسها الأب الحكيم الذي يعرف مصلحة الشعب الجاهل أكثر من الشعب نفسه.
لقد خلف وراءه خراباً نسميه الدولة وهو خراب يتطلب اليوم شجاعة فكرية لتفكيكه وبناء محرك جديد يحترم خصوصية الأرض وكرامة الإنسان بعيداً عن أوهام التنمية القسرية ونصائح التكنوقراط العابرين للقارات الذين لم يعرفوا يوماً طعم التراب التونسي ولا قدسية مائه.
التحدي الحقيقي للأجيال القادمة هو كسر هذا المحرك المعطل والتوقف عن دفع فواتير دي بيرنيس التي أثقلت كاهل الموازنة وكاهل المواطن.
العودة إلى الجذور ليست تراجعاً بل هي الانطلاقة الصحيحة نحو سيادة صناعية وفلاحية حقيقية تبدأ من احتياجاتنا نحن لا من نظريات المختبرات الفرنسية.

إن المتاهة التونسية التي وضع دي بيرنيس جدرانها وبن صالح أبوابها وحوراني مفاتيحها يجب أن تهدم فوق رؤوس من لا يزالون يقدسون تلك الحقبة لنبني وطناً لا يرى في مواطنيه مجرد أرقام بل يرى فيهم جوهر الوجود ومحرك التغيير.
إننا نعيش اليوم في قلب الانفجار الكبير الذي تسببت فيه تلك النظريات وما نراه من أزمات في المياه والطاقة والبيئة والغذاء ليس سوى تجليات لهذا الفشل التاريخي الذي طال أمد إنكاره. لقد آن الأوان لنقول بملء الفم إن المهندس الخفي قد أخطأ وإن ثمن خطئه ندفعه من دمنا وأرضنا ومستقبل أطفالنا.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال