بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

بورقيبة والإفطار في رمضان

2026-02-24 51 قراءة مقالات رأي أنس الشابي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
بورقيبة والإفطار في رمضان
لم تتوقف الاتجاهات الإسلامية عن اتهام الزعيم بورقيبة بأنّه دعا إلى إفطار رمضان بعد أن انتزعوا الأمر من الظروف الحافّة به ودون أن يقدّموه كما تمّ اقتراحه وبيان ذلك:
1) من ناحية الظروف أيامها كانت البلاد في السنوات الأولى للاستقلال وكان الجميع مدعوا إلى المزيد من بذل الجهد لبناء مؤسّسات الدولة الحديثة وقد لاحظ بورقيبة كما هو حالنا اليوم أن شهر رمضان هو الشهر الذي يتوقف فيه العمل ويتحوّل إلى شهر السهر والتخمة ليلا والنوم نهارا إما في البيوت أو في المكاتب في الإدارات أو في المصانع أيامها رأي أن يستعمل الرخص الشرعية حتى يحافظ على نسق العمل وعلى إنجاز المخططات في مواعيدها بالقول إن العمل في فترة البناء هو جهاد أصغر يستهدف الحفاظ على قوّة الأمة وهو لا يختلف عن الجهاد الأكبر الذي يستهدف هو الآخر الحفاظ على الأمة ومقدراتها، ولأن الكثير من الأعمال الحالية لم تكن موجودة سابقا كالتعامل مع الأفران أو قيادة القاطرات والطائرات والعمل في المخابر الكيميائية وغيرها ممّا هو مستحدث ويستلزم الانتباه حتى لا يعرّض المرء نفسه وغيره إلى الموت وجب أن يؤخذ ذلك بعين الاعتبار وهو ما اقترحه باعتماده القياس لأن هذه الأعمال تشترك مع الجهاد الأكبر في العلّة لذا وجب أن تشترك في الحكم وهو الإفطار، وفي كتب الحديث وقائع كثيرة تثبت أن المعنى الذي أومأ إليه بورقيبة موجود غير أن الشيخين محمد العزيز جعيط ومحمد الطاهر ابن عاشور لم يريا استعمال ما يؤيد اعتبار العمل مجلبة للمشقة المبيحة للإفطار يقول محمد الصالح النيفر فيما نشر له من أعماله الكاملة في الجزء الأول ص 197 ما يلي: "(وقد كانت هناك حادثة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في إحدى الغزوات حيث رأى بعض الصحابة يظللون عليهم فسأل عنهم فقيل له الحرّ أنهكهم فقال يمكنهم أن يفطروا فقالت له زوجته أم سلمة لن يفطروا إلا إذا رأوك تفطر فطلع فوق الربوة وأخذ طستا وشرب ثم قال من لم يشرب بعد الآن فأولئك هم العصاة) وقيل لي إن الشيخ جعيط قال للشيخ الطاهر ابن عاشور لا تذكرها له حتى لا يتخذها لنا حجة يتغلب بها علينا" وللعلم فقد ورد هذا الحديث في صحيح مسلم وسنن الترمذي والنسائي.
2) بالنسبة لموقف الشيوخ من اعتبار المشقة في العمل كما بينته أعلاه فإن المفتي أيّامها الشيخ محمد العزيز جعيط ذكر في حديث إذاعي الأعذار المبيحة للفطر وليس من بينها المشقّة المتحدّث عنها ولمّا "استوضح المذيع من الشيخ تحليل عبارة الأمور الأخرى المبيحة للفطر والتي لم يرد ذكرها مفصّلة؟ أجاب: أريد بذلك المشقّة الغير العادية في حصول الصوم أي الزائدة التي يوجد منها ألم أو يتوقّع حصول الضرر"، أمّا الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور عميد الجامعة الزيتونية فقد امتنع عن الجواب بحجّة أنّ: "هذه مسألة دقيقة تحتاج إلى فرط تمحيص فلا يمكن الجواب عنها بصفة كلية" (جريدة الصباح العدد 2335)، غير أن مفتي صفاقس الشيخ محمد المهيري ومجموعة من الشيوخ من بنزرت ذهبوا إلى أن التعلل بالصيام لترك العمل أو التراخي فيه غير جائز يقول الشيخ المهيري في فتواه بعد إيراد أسانيده من الحديث والسيرة: "وقد قرّر العلماء أنه إذا دعت الحكومة للتعبئة العامة التي تعود على الأمة وعلى الدين بالمنفعة لمواجهة ما ترى فيه خطرا على كيانها فإن الاستجابة لندائها واجبة وعلى الحكومات أن تعمل في مصلحة الأمّة بما هو أنفع وأصلح بدون تقيد بمذهب من المذاهب بل تتمسك بما فيه صلاح وسداد يعود على المجموع".
رغم أن بورقيبة يمتلك فتوى دينيّة تعتبر أنّ المشقة في العمل مبيحة للفطر إلا أنّه لم يستعملها لفرضها وكان ذلك ممكنا في السنوات الأولى للاستقلال لزعامته المطلقة وإمساكه بكلّ دواليب الدولة وفضّل التراجع انسجاما مع منهجه القائم على الوسطيّة في كلّ شيء والذي نجد ترجمته السياسية في القاعدة الأثيرة لديه وهي خذ وطالب، قد تنفع هذه الطريقة في التعاطي السياسي اليومي لأنّ المعارك السياسيّة بنتائجها ولكنها مفلسة ومضرّة إن اعتمدت في الجوانب الأيديولوجية والعقائدية ومدمّرة لكل ما يُعتقد أنه إصلاح ومكاسب إن لم تستند إلى الوضوح والحسم والقطع، لم يحسم بورقيبة في القضايا الدينية وتوسّط عند تناولها وهو ما ترك الباب مفتوحا لإمكانية التراجع عنها وتذكروا مليا أن مجلة الأحوال الشخصية تتعرض منذ سنة 2011 إلى هجمات متتالية وكذا بالنسبة للأوقاف حيث السعي الحثيث لإعادتها وكذا الزكاة والجوامع التي وضعها الزعيم تحت مراقبة إدارة ولكنها انفلتت من عقالها وأصبحت محلات لتسفير الشباب إلى بؤر التوتر وتكوين الإرهابيين وحتى التعليم الحكومي يشهد هو الآخر هجمة جاهلية جهلاء من طرف جمعيات وكتاتيب ومنظمات ورابطات بهدف تحويله إلى تعليم طالباني.
لقد كان كمال أتاتورك أدق بصيرة فحمى دولته وشعبه من خطر الخلط بين الدين والسياسة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال