بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

علوم التربية بين لاهوت التأسيس وفجوات الممارسة – تفكيك حقل يُعلّم دون أن يفهم ذاته

2026-04-11 46 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
في الحقل التربوي المعاصر، يُقدّم كل شيء على أنه مرتب ومنظم: المناهج مُنسقة بعناية، البرامج محبوكة، والمصطلحات النظرية تبدو مترابطة في شكلها الظاهري. لكن هذا السطح المتماسك ما هو إلا قشرة، وراءها أزمة بنيوية عميقة تهز أركان الحقل نفسه: ممارسوه يعلّمون دون أن يفهموا حقيقة وظائفهم، ويعيدون إنتاج أنماط هشة من المعرفة والإخفاق، تتخفى خلف صيغ ونماذج رسمية. الفجوات التي تكشفها الممارسة اليومية ليست عوارض عرضية أو أخطاء فردية، بل جزء من طبيعة الحقل المنهجي نفسه، الذي يعيش بين وهم الاتساق وصمت الأعطاب. وهنا، يصبح السؤال الجوهري: كيف يمكن لحقل يُعلّم الواقع أن يظل عاجزًا عن فهم ذاته؟ وهذا يقودنا مباشرة إلى قلب الأزمة التي سنفككها في هذا التحليل.




علوم التربية بين لاهوت التأسيس وفجوات الممارسة – تفكيك حقل يُعلّم دون أن يفهم ذاته




1. الفجوة بين النظرية والممارسة: تعليم بلا وعي بذاته

الفجوة بين النظرية والممارسة ليست مجرد اختلاف بين ما يُفهم نظريًا وما يُطبّق عمليًا، بل هي اللبنة الأساسية لأزمة الحقل. الحقل التعليمي يبني نفسه على نظريات معقدة، مصطلحات دقيقة، وأطر منهجية متقنة، لكنها غالبًا تفتقر إلى الارتباط بالواقع العملي. هذا الانفصال يولد عجزًا مزدوجًا: أولًا، عجز الحقل عن فهم أثر الاستراتيجيات التعليمية على التعلم، ثانيًا، عجزه عن مراجعة هذه الاستراتيجيات أو إعادة تصميمها نقديًا.
الفجوات بين النظرية والممارسة ليست عشوائية، بل جزء من مسار تطور العلوم التربوية نفسها، وهو ما تؤكده أفكار إدغار موران (Edgar Morin, 1990) حول التفكير المعقد، حيث يرى أن المعرفة الإنسانية، بما فيها التربوية، ليست خطية أو منفصلة، بل مرتبطة بمجموعة متشابكة من العوامل الاجتماعية والثقافية والفردية، ما يجعل أي محاولة لعزل النظرية عن الممارسة مجرد وهم بالاتساق.
كما يشير بيير بورديو (Pierre Bourdieu, 2000)، الفجوة بين النظرية والممارسة تكشف عن هشاشة بنيوية في الحقول الاجتماعية، وتخلق حلقة مفرغة من إعادة إنتاج أنماط العجز. ويضيف ميشيل فوكو (Michel Foucault, 1975) بعدًا آخر من خلال مفهومه السلطة والمعرفة، حيث تظل المؤسسات التعليمية، عبر قواعدها الصامتة، تحمي نفسها من النقد الداخلي، مما يزيد الفجوة بين الممارسة الواقعية والنظرية المفترضة. هذه الحلقة المفرغة تجعل الفعل التربوي ممارسة نمطية ومكررة، بلا وعي نقدي أو قدرة على التكيف، وتحول التطبيق إلى شكل يطبق دون أن يُسائل معناه، فتستمر الأزمة كحلقة مفرغة من إعادة إنتاج الهشاشة.

2. لاهوت التأسيس: الوهم النظري للاتساق

مصطلح "لاهوت التأسيس" يعكس طبيعة الحقل التربوي الذي يُقدس مفاهيمه النظرية ويعتبرها أسسًا، بينما الواقع العملي يكشف هشاشتها. الحقل يعيش أزمة مزدوجة:
أزمة الأبستمولوجيا: المصطلحات والمفاهيم الأساسية متضاربة أحيانًا، وغالبًا ما تفتقد إلى الترابط الذي يسمح بفهم تأثيرها على الفعل التربوي.
أزمة التطبيق: البرامج والأساليب التعليمية تُفرض على المعلم والتلميذ بشكل نمطي، بعيدًا عن مرونة السياق الاجتماعي والثقافي، ما يولد فجوات مستمرة بين الهدف النظري والنتائج الفعلية.
هذا الوهم بالاتساق يظهر أن الحقل يمكن أن يبدو متماسكًا من الخارج، بينما الواقع يكشف هشاشته الداخلية. ويؤكد ذلك بيير بورديو (Pierre Bourdieu, 1990) في مفهوم "الممارسات المخفية" (Les pratiques cachées)، إذ يحمي الحقل نفسه من النقد الداخلي عبر صيغ رسمية معقدة، ويستمر في إنتاج ممارسات لا تراعي أعطابه البنيوية، مما يعمّق أزمة الاتساق ويثبت هشاشة الحقل.

3. صمت الأعطاب: آلية بنيوية لحماية الحقل

الصمت هو آلية مركزية لحماية الحقل من مواجهة أعطابه البنيوية، ويظهر في مستويين متكاملين:
الصمت المؤسساتي: ترتيبات رسمية، تقارير، ومراجعات تمنع كشف الفجوات وتحجب الواقع عن الملاحظة النقدية.
الصمت الشخصي: التربويون، نتيجة شعور بالعجز أو خوف من العواقب الرمزية، يمتنعون عن الاعتراف بالأعطاب أو تحليلها.
الصمت ليس مجرد غياب للكلام، بل هو آلية دفاعية تحافظ على وهم الاتساق داخل الحقل، وتضمن استمرار إعادة إنتاج الممارسات الهشة. وهو ما يشير إليه ميشيل فوكو (Michel Foucault, 1975) في تحليله للسلطة والمعرفة، حيث تُخفي الحقول المعرفية أعطابها ضمن نظم رمزية وتقارير رسمية، كما يحدث في الحقل التربوي، حيث تبقى الأعطاب البنيوية محمية من أي مساءلة نقدية.

4. الشبكة الاجتماعية للامتثال: المدرسة كعقدة ضمن بنية اجتماعية

المدرسة ليست فضاءً معزولًا، بل شبكة امتثال اجتماعية تتفاعل فيها العلاقات بين المعلمين، التلاميذ، الأسر، والسياسات العمومية. هذه الشبكة تكشف أن الفجوات بين النظرية والممارسة ليست ظاهرة معزولة، بل جزء من آلية مستمرة لإنتاج التحديات البنيوية.
الحقل التعليمي يتعامل مع طبقات معقدة من الأعطاب البنيوية والاجتماعية التي تتفاعل يوميًا مع الممارسات الصفية، مما يضاعف هشاشة الفعل التربوي. ويؤكد ذلك بيير بورديو (Pierre Bourdieu, 1993) في تحليله للشبكات الاجتماعية (La misère du monde): المؤسسات التعليمية تعكس المجتمع، وتغذي نفسها بأزماته الأخلاقية والهيكلية، وتنتج امتثالًا مستمرًا ضمن فجوات الاتساق والنظرية.

5. وعي الحقل النقدي: التفكيك كاستراتيجية

التفكيك النقدي للحقل يستلزم تحليلًا مسترسلًا ومتكاملًا عبر ثلاثة محاور رئيسية:
الممارسة مقابل النظرية: مقارنة الأطر النظرية بما يُطبّق فعليًا، مع التركيز على الفجوات البنيوية وأنماط إعادة إنتاج العجز، وكشف مدى تناسق الهدف مع النتائج.
السياق الاجتماعي والثقافي: دراسة تأثير المجتمع، القيم، التحولات الاقتصادية والاجتماعية على الفعل التربوي، وكيفية تفاعل التلميذ والبيئة المدرسية مع البرامج والأساليب المعتمدة.
الوعي النقدي والذات المؤسسية: تقييم قدرة الحقل على مراجعة ذاته والتحرر من وهم الاتساق الذي يقفل نافذة التفكير النقدي ويمنع إعادة تصميم استراتيجياته التعليمية بشكل واعٍ.
هذه المحاور تظهر أن الفجوات البنيوية ليست عرضية، بل مؤسسة على صمت منظّم واستمرارية في إعادة إنتاج الهشاشة، وأن الحقل يظل مأزومًا طالما لم يُدمج الواقع النقدي في صميم ممارساته، وهنا تنكشف الحاجة الملحّة لممارسة نقدية حقيقية، تتجاوز التكرار الروتيني إلى تحويل الممارسة اليومية إلى مصدر للمعرفة وللتجديد البنيوي للحقل، وفق منطق موران (Edgar Morin, 1990) في بناء المعرفة المعقدة والمتشابكة.

خاتمة:

علوم التربية ليست مجرد أدوات لتعليم أو تدريب المعلمين، بل هي حقل مأزوم يعيش بين لاهوت التأسيس وفجوات الممارسة، حيث يظهر على السطح ترتيب واتساق، بينما يغطي هذا السطح ستارًا كثيفًا من الهشاشة المنهجية والفجوات البنيوية المستمرة التي تصيب صميم الممارسة التربوية. هذا الوهم بالاتساق ليس مجرد خطأ مؤقت أو عائق فردي، بل هو جزء من طبيعة الحقل نفسه، يعيد إنتاج أنماط العجز والفشل بشكل متكرر، ويجعل الممارسة اليومية تسير وفق نسق مشوّه لا يراعي الواقع المعاش للتلاميذ والمعلمين والمجتمع.
التفكيك النقدي لهذا الحقل يكشف أن معظم الممارسات الحالية لا تعمل على معالجة الأزمة، بل تكرّسها وتضاعفها، بحيث تصبح الفجوات البنيوية جزءًا ثابتًا ومستمرًا من تجربة التعليم. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: كيف يمكن لحقل يقدس نفسه نظريًا ويعطي أولوية للبرامج والمناهج على حساب الواقع أن يواجه أعطابه، ويعيد صياغة ذاته بحيث تتوافق النظرية مع الممارسة، وهل يمكن تحويل فجوات الممارسة إلى مصادر معرفة حقيقية بدل أن تُخفي الفشل المتكرر؟ وما مصير التربية إذا ظل الحقل لا يفهم ذاته ويكرر نفس الأنماط الهشة بصمت، وهل يمكن لعلوم التربية أن تتحرر من لاهوت التأسيس لتصبح حقلًا واعيًا بحقيقته الميدانية، قادرًا على إعادة إنتاج نفسه بشكل نقدي ومبدع؟ وكيف يمكن للحقل أن يدمج الواقع الميداني ضمن صميم تفكيكه النقدي، ليصبح ممارسة وعي بنية، وليس مجرد تطبيق آلي لنصوص ومناهج؟

الواقع لا يُدين الأفراد، لكنه يفضح الهشاشة البنيوية ويضع أمام الحقل فرصة لإعادة البناء على أسس واعية، حيث يكون الواقع أولًا، والنظرية أداة تفسيرية داعمة لا سلطة مفروضة. مواجهة هذه الأزمة تتطلب وعيًا نقديًا مستمرًا واستعدادًا لإعادة النظر في كل ممارسات الحقل، وتحويل الفجوات الميدانية من نقاط ضعف إلى مصادر معرفة، تجعل الحقل واعيًا بحقيقته وقادرًا على التطوير والإبداع، وهو التحدي الثوري الذي يبقى قائمًا أمام كل من يسعى لفهم التربية لا كأداة تدريب، بل كحقل حي قادر على إعادة إنتاج ذاته بشكل نقدي وإبداعي، متحررًا من الوهم النظري للاتساق، ومستعدًا لإطلاق إمكانياته البنيوية الكامنة، وفق منظور موران وفوكو وبورديو.

المراجع:

1. Bourdieu, P. (1990). Les pratiques cachées. Paris: ditions du Seuil.

2. Bourdieu, P. (2000). Le champ de l’éducation. Paris: Minuit.

3. Bourdieu, P. (1993). La misère du monde. Paris: ditions du Seuil.

4. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir. Paris: Gallimard.

5. Morin, E. (1990). Introduction à la pensée complexe. Paris: Seuil.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال