بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

أركيولوجيا التبعية المهيكلة: سيسيل حوراني والعبقرية البريطانية في هندسة المتاهة التونسية وصناعة السيادة المنقوصة

2026-04-11 142 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
أركيولوجيا التبعية المهيكلة: سيسيل حوراني والعبقرية البريطانية في هندسة المتاهة التونسية وصناعة السيادة المنقوصة
حين نقف أمام ردهات التاريخ التونسي المعاصر لا نجد أنفسنا أمام مجرد دولة نبتت في رمال الاستقلال بل أمام مختبر جيوسياسي شديد التعقيد كانت تديره عقول لا تظهر في الصور الرسمية ولا تنحني أمام الكاميرات .
ومن بين هذه الظلال التي حركت خيوط المسرح يبرز اسم سيسيل حوراني ذلك اللبناني الذي حمل في حقيبته برد مانشستر ودهاليز المخابرات البريطانية ليصبح العقل البارد الذي همس في أذن الحبيب بورقيبة طيلة عقد من الزمن.

كان المهندس السري الذي لم يبن الجسور بل بنى المفاهيم وصاغ الوعي السياسي لدولة كانت تبحث عن هويتها في زحام الأيديولوجيات .
سيسيل حوراني لم يكن مجرد مستشار عابر بل كان يمثل اختراقا بنيويا في جسد السلطة التونسية الناشئة حيث جاء بخلفية مشرقية مطعمة بليبرالية بريطانية صارمة جعلت منه حلقة الوصل بين طموحات الزعيم التونسي وبين دوائر القرار في لندن وواشنطن .
الرجل الذي ولد في بريطانيا وعاش في ثنايا الشتات المشرقي لم يكن يحمل انتماءات ضيقة بل كان كوزموبوليتانيا بامتياز يرى في الجغرافيا مجرد رقعة شطرنج وفي الشعوب مجرد كتل بشرية تحتاج إلى إعادة هندسة وفق الرؤية الغربية المنتصرة بعد الحرب العالمية الثانية.

القصة تبدأ من تلك الجذور العميقة في مانشستر حيث كانت عائلة حوراني تدير تجارة القطن والسياسة في آن واحد فنشأ سيسيل وإخوته في بيئة أكسفوردية بامتياز ،تلك البيئة التي لا تخرج مجرد أكاديميين بل تخرج صناع سياسات وضباط إيقاع دوليين، وهنا يكمن اللغز الكبير حول هوية الرجل الدينية والسياسية .
بينما يغرق البعض في جدل عقيم حول أصول يهودية مفترضة نجد أن الحقيقة تكمن في كونه ابنا لليبرالية الإمبراطورية البريطانية التي تتجاوز الأديان لتخدم المصالح العليا للإمبراطورية فخدمته في المقر العام للجيش البريطاني بالشرق الأوسط خلال الحرب لم تكن مجرد أداء لخدمة عسكرية بل كانت مدرسة استخباراتية صقلت قدراته على قراءة الخرائط البشرية وتفكيك الولاءات وهو ما أهله لاحقا ليكون سكرتيرا للمكتب العربي في واشنطن حيث كان يحاول تسويق قضية فلسطين بنكهة غربية هادئة تبتعد عن صخب القوميين وضجيج الثوار.

عندما دخل سيسيل حوراني قصر قرطاج برتبة سفير ومستشار خاص لبورقيبة عام ستة وخمسين لم يدخل كضيف بل دخل كشريك في صياغة العقيدة السياسية للدولة فالدستور التونسي لعام تسعة وخمسين ووثيقة الاستقلال نفسها لم تكن نتاجا خالصا للعبقرية المحلية بل كانت تحمل بصمات تلك المدرسة التي ينتمي إليها حوراني، مدرسة الدولة المعتدلة التي تفصل بين العاطفة القومية والبراغماتية السياسية.
كان حوراني هو من روض اندفاعات بورقيبة وجعل منها استراتيجية المراحل التي تجسدت لاحقا في خطاب أريحا الشهير عام خمسة وستين ذلك الخطاب الذي لم يكن سوى ترجمة حرفية لأفكار حوراني الذي كان يؤمن بأن العرب يطاردون سرابا في فلسطين بينما الواقع يفرض عليهم القبول بقرار التقسيم والاعتراف بإسرائيل كأمر واقع في المنطقة وهو ما جعل منه العدو الأول للتيار الناصري والقومي في ذلك الوقت.
لكن نفوذ حوراني لم يتوقف عند السياسة الخارجية بل امتد إلى عمق البنية الثقافية التونسية فمشروعه في الحمامات ومن خلال دار سيباستيان لم يكن مجرد ترف فني
بل كان محاولة لخلق نخبة تونسية جديدة تتنفس هواء الغرب وتؤمن بالقيم الكوزموبوليتانية بعيدا عن الانغلاق الهوياتي .
وهنا وقع الصدام التاريخي بينه وبين الشادلي القليبي الذي كان يمثل تيار التونسة والبحث عن الأصالة الوطنية في مواجهة التغريب الذي كان يقوده حوراني .
كان القليبي يرى في مركز الحمامات أداة لاختراق الشخصية التونسية بينما كان حوراني يراه نافذة على العالم وهو الصراع الذي انتهى بهزيمة حوراني ثقافيا ورحيله عن تونس بعد نكسة سبعة وستين حين نشر مقاله الشهير لحظة الحقيقة الذي صدم فيه الوجدان العربي بانتقاداته اللاذعة للهزيمة واعتبرها نتيجة طبيعية للعقلية العربية الرافضة للواقع.

سيسيل حوراني يظل اللغز الذي يفسر الكثير من تحولات الدولة التونسية فهو الذي رسم ملامح السيادة المنقوصة
أو السيادة الموجهة التي جعلت من تونس صوتا للاعتدال في المحافل الدولية مقابل ضمانات أمنية واقتصادية
من الغرب .
وحين ننظر اليوم في أرشيفه المحفوظ في أكسفورد نكتشف أن الرجل كان يدير شبكة معقدة من المراسلات التي تربط قرطاج بالبيت الأبيض ووزارة الخارجية البريطانية
مما يؤكد أن استقلال تونس لم يكن انقطاعا كاملا عن المركز الاستعماري بل كان إعادة تموضع ذكية شارك حوراني في هندستها ببراعة الفيلسوف وبرود ضابط المخابرات.
بينما كان التونسيون يحتفلون بالاستقلال في الشوارع كان سيسيل حوراني في مكتبه يكتب مسودة الدستور ويحدد المسافات التي لا يجب أن تتجاوزها تونس في علاقتها بالعروبة وبالغرب ليظل الأثر البنيوي لهذا الرجل قائما في صلب المؤسسات التونسية التي لا تزال حتى اليوم تتأرجح بين إرثه الليبرالي وبين ضغوط الهوية الوطنية.

كان سيسيل حوراني هو من أدخل مصطلح الشرق الأوسط إلى الأدبيات السياسية التونسية محاولا تذويب الخصوصية المغاربية في بوتقة جيوسياسية تخدم المصالح الكبرى
وهو ما يفسر لماذا بقيت تونس في عهد بورقيبة مختبرا للأفكار التي تبدو سابقة لعصرها لكنها في الحقيقة كانت مستوردة من مصانع الفكر البريطانية في تشاثام هاوس.

التاريخ لا يرحم الذين يكتفون بالفرجة على خشبة المسرح بل يخلد أولئك الذين يحفرون في الكواليس وسيسيل حوراني حفر عميقا في التربة التونسية لدرجة أننا لا نزال نجد جذوره في كل أزمة سياسية أو تحول استراتيجي تعيشه البلاد اليوم وكأن قدر تونس أن تظل حبيسة ذلك المتاه الذي رسمه هذا المستشار الغامض الذي رحل بجسده وترك لنا لغزا اسمه الدولة التونسية المعاصرة التي لا تزال تبحث عن حقيقتها خلف الأقنعة التي صنعها سيسيل حوراني بكل إتقان ودهاء.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال