بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

أركيولوجيا العقل التونسي المستقيل: جيوسياسة الانتحار النووي وتفكيك اللامفكر فيه في برزخ السيادة التكنولوجية الموؤودة (1959-1969)

2026-04-09 95 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
أركيولوجيا العقل التونسي المستقيل: 
جيوسياسة الانتحار النووي وتفكيك اللامفكر فيه في برزخ السيادة التكنولوجية الموؤودة (1959-1969)
ليس من قبيل الصدفة أن يسقط الحلم في اللحظة التي يبلغ فيها الذروة فالتاريخ التونسي ليس سوى مقبرة للمشاريع الكبرى التي ذبحت على مذبح التبعية أو تحت مقصلة النخب التي لم تكن ترى أبعد من أنوف كراسيها.
حين نتحدث عن السيادة التكنولوجية المجهضة في تونس الستينات فنحن لا ننبش في ملفات تقنية مغبرة بل نفتح الجرح الغائر لدولة الاستقلال التي اختارت أن تكون حديقة خلفية للقوى الاستعمارية بدلا من أن تكون مختبرا للعقل العربي والتحرر الإفريقي.
كان المشروع النووي التونسي بين عامي 1959 و1969 هو الوثبة الكبرى نحو المجهول الجميل نحو امتلاك مفاتيح القرن العشرين حيث لم يكن المفاعل مجرد آلة لإنتاج الكهرباء بل كان إعلانا عن ولادة إنسان تونسي جديد يفك شفرة الذرة ليطوع الصحراء ويهزم العطش.
تبدأ الحكاية بعبقريين لم يدركا أن ذكاءهما سيكون لعنتهما في وطن يحكمه الهاجس الأمني والولاءات الضيقة.

محمد علي العنابي ذلك المهندس الذي كان ينسج خيوط الشرعية الدولية في أروقة فيينا أدرك مبكرا أن الدولة التي لا تملك طاقتها لا تملك ليس من قبيل الصدفة أن يسقط الحلم في اللحظة التي يبلغ فيها الذروة فالتاريخ التونسي ليس سوى مقبرة للمشاريع الكبرى التي ذبحت على مذبح التبعية أو تحت مقصلة النخب التي لم تكن ترى أبعد من أنوف كراسيها. حين نتحدث عن السيادة التكنولوجية المجهضة في تونس الستينات، فنحن لا ننبش في ملفات تقنية مغبرة، بل نفتح الجرح الغائر لدولة الاستقلال التي اختارت أن تكون حديقة خلفية للقوى الاستعمارية بدلا من أن تكون مختبرا للعقل العربي والتحرر الإفريقي. كان المشروع النووي التونسي بين عامي 1959 و1969 هو الوثبة الكبرى نحو المجهول الجميل، نحو امتلاك مفاتيح القرن العشرين، حيث لم يكن المفاعل مجرد آلة لإنتاج الكهرباء، بل كان إعلانا عن ولادة إنسان تونسي جديد يفك شفرة الذرة ليطوع الصحراء ويهزم العطش.

تبدأ الحكاية بعبقريين لم يدركا أن ذكاءهما سيكون لعنتهما في وطن يحكمه الهاجس الأمني والولاءات الضيقة. محمد علي العنابي، ذلك المهندس الذي كان ينسج خيوط الشرعية الدولية في أروقة فيينا.
أدرك مبكرا أن الدولة التي لا تملك طاقتها لا تملك قرارها، فوضع حجر الأساس لمفوضية الطاقة الذرية قبل أن يرحل في صمت مريب عام 1962 تاركا المشعل لشاب قادم من مخابر باريس بعقل متقد وإرادة فولاذية هو البشير التركي.

هذا الرجل لم يكن فيزيائيا فحسب بل كان منظرا لما أسماه الجهاد العلمي وهي العقيدة التي رأت في العلم أداة للتحرر الوطني لا تقل أهمية عن البندقية.
في مركز تونس قرطاج للبحوث النووية كانت المخططات ترسم مستقبلا مغايرا حيث كان مفاعل قابس هو القلب النابض لهذا الحلم.
لم يكن اختيار ابس ترفا جغرافيا بل كان ضربة معلم استراتيجية تهدف لربط المفاعل بالبحر لتحلية مياه الشرب بمعدلات خرافية تصل لـ 150 ألف متر مكعب يوميا، مما يعني تحويل الجنوب القاحل إلى غابة خضراء بالتوازي مع توليد طاقة كهربائية كانت ستقلب موازين التصنيع في القارة بأكملها.

لكن العبقرية الحقيقية للبشير التركي تجلت في فهمه العميق للجغرافيا السياسية للمواد الخام.
كان يعلم أن المفاعل بلا وقود محلي هو قيد جديد فالتفت إلى الفسفاط التونسي ذلك الذهب الأبيض الذي كانت تونس تصدره بتراب الفلوس ليعود إليها أسمدة غالية الثمن.

اكتشف التركي أن هذا الفسفاط يخفي في أحشائه كنزا من اليورانيوم بتركيزات تصل إلى 140 جزءا في المليون، خاصة في مناجم صرا ورتان.
وضع الرجل معادلاته الكيميائية لاستخلاص اليورانيوم كمنتج ثانوي أثناء تصنيع حمض الفسفوريك وهي العملية التي كانت ستجعل من تونس بنكا للطاقة النووية يكفيها لقرون ويجعل منها رقما صعبا في سوق الوقود النووي العالمي. كانت الحسابات تشير إلى إمكانية استرجاع 360 طنا من اليورانيوم سنويا وهو ما كان سيعني استقلالا طاقيا كاملا يخرج تونس من دائرة الابتزاز النفطي والمالي.

هنا وفي هذه اللحظة تحديدا تقاطعت الخطوط الحمراء الدولية مع الجبن السياسي الداخلي.
حين أغلقت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أبوابها في وجه التمويل التونسي بضغط من واشنطن وباريس لم يتردد لبشير التركي في التوجه نحو موسكو عام 1963

كان العرض السوفيتي مغريا وشاملا وبلا شروط مسبقة لكنه اصطدم بحائط الصد البورقيبي.
كان الحبيب بورقيبة المسكون بفوبيا الشيوعية والمهووس بالرضا الغربي يرى في المفاعل النووي مغامرة قد تخرجه من تحت المظلة الأمريكية.
كان يفضل الدولة التي تعيش على المساعدات المبرمجة بدلا من الدولة التي تصنع قدرها بمفاعلاتها ولم تكن الضغوط الخارجية هي العائق الوحيد بل برز من داخل النظام من يمكن تسميتهم بمخربي الحضارات وعلى رأسهم أحمد بن صالح الذي كان يرى في المركز النووي كيانا متماردا على خطته المركزية في التعاضد.
كان صراعا بين عقل تقني ينظر للمستقبل وعقل بيروقراطي يريد السيطرة على الحاضر ولو كان ركاما.

المأساة بلغت ذروتها في عام 1969وهو العام الذي شهد مفارقة لا تحدث إلا في التراجيديات الكبرى.
في الوقت الذي كان فيه العالم ينحني تقديرا للبشير التركي بانتخابه رئيسا للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية كانت السكاكين في تونس تشحذ لذبح مشروعه.
فور عودته من فيينا محملا بالمجد العالمي قوبل بقرار حل المفوضية وإغلاق المركز.
لم تكتف السلطة بالإغلاق بل مارست عملية إبادة علمية منظمة حيث تم تحطيم الأجهزة المخبرية المتقدمة وتحويلها إلى خردة وتشريد الكوادر العلمية في وظائف إدارية بئيسة لقتل روح الإبداع فيهم.
أما الجريمة الكبرى التي لا تغتفر فهي إضرام النار في أرشيف المركز حيث احترقت المخططات والنتائج المخبرية والدراسات التي استغرقت عقدا من الزمن.
كان حرق الأرشيف هو حرق للمستقبل التونسي وهو إجراء لا يقوم به إلا من يريد محو الذاكرة العلمية للأمة ليضمن تبعيتها الأبدية.

إن ما حدث في تونس عام 1969 لم يكن مجرد فشل لمشروع تقني بل كان انقلابا على السيادة الوطنية في أعمق معانيها. خسرت تونس بقرار سياسي أرعن فرصة التحول إلى نمور المتوسط وبقيت رهينة للجفاف الطاقي والمائي الذي نعاني منه اليوم.
لو نجح مفاعل قابس لما كنا اليوم نتسول الحلول لمشاكل العطش أو نرزح تحت وطأة الديون الطاقية.
قصة البشير التركي ومحمد علي العنابي هي شهادة على أن التخلف ليس قدرا جغرافيا بل هو صناعة محلية بامتياز تتم برعاية دولية وبأيدي نخب لا تؤمن بأن العلم هو الركن الوحيد الذي لا يهتز في بناء الدول.
يبقى الأرشيف المحروق وصمة عار في جبين تلك المرحلة ويبقى اليورانيوم الخام في فسفاطنا شاهدا على ثروة منهوبة وحلم تم اغتياله في مهد بدم بارد.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال