بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

حين يزحف الهامش إلى العرش: تشريح الانتحار البطيء للدولة بين سيكولوجيا الغضب وانهيار العقل المؤسسي

2026-04-09 57 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
حين يزحف الهامش إلى العرش: تشريح الانتحار البطيء للدولة بين سيكولوجيا الغضب وانهيار العقل المؤسسي
التآكل التاريخي الذي يصيب الكيانات السياسية لا يجد ذروته في استبداد الطغاة أو في نهب النخب
فهذه مجرد عوارض بيولوجية في جسد العمران البشري تخضع لسنن التدافع والترميم لكن الفاجعة الأنطولوجية التي تضرب جوهر الدولة تكمن في تلك اللحظة الانتحارية حين يقتحم الحرافيش المركز دون أن يتخلوا عن طبيعة الهامش.

إنها لحظة ارتداد حضاري حيث تسقط الدولة في يد فئات لم تختبر صرامة المؤسسة ولم تتشرب عقلانية القانون بل تحمل في أحشائها غريزة الشارع وفوضى الاندفاع، فتتحول السلطة من أداة لإدارة المصالح المعقدة إلى امتداد سيكولوجي للمظلومية.
حين يحكم هؤلاء، هم لا ينتقلون إلى الدولة بل يجرجرون الهامش بكل أثقاله وقيمه الرثة ليزرعوه في قلب المركز فيتحول الكيان المنظم إلى مسرح للضجيج البدائي وسوق لتصفية الحسابات التاريخية.
هؤلاء القادمون من قاع الغضب لا يملكون مشروعاً لبناء المستقبل بل يملكون ذاكرة مشحونة بالانتقام فيصبح الحكم عندهم مجرد عملية تعويضية عن حرمان مزمن وتتحول الدولة في نظرهم من إطار جامع إلى غنيمة رمزية يجب استباحتها.
سيكولوجية الحرافيش في السلطة هي سيكولوجية الحصار الدائم حيث يُستبدل العقل المؤسسي بمنطق الشك الجنائزي ويُنظر إلى الكفاءات والنخب بوصفها بقايا نظام معادٍ يجب
استئصاله لا بوصفها ثروة معرفية لا تستقيم الدولة بدونها.

هنا يغيب العقد الاجتماعي لصالح الصراخ الجماهيري وتتحطم الشرعية الدستورية تحت وطأة الشرعية الصاخبة التي تقتات على التصفيق والتهييج اللحظي.
هذا الانهيار البنيوي لا يحدث فجأة بل هو تآكل مبرمج للعقلانيات إذ يُطرد العلم ليحل محله الشعار ويُهمش الخبراء لأنهم يعرّون هشاشة الخطاب الغرائزي بالأرقام والوقائع.
يمارسون السياسة بوصفها صراع إرادات عارية ويخربون الاقتصاد عبر أدوات وعظية انفعالية عاجزين تماماً عن إدراك أن الدولة تراكم تاريخي ومعرفي وليست لحظة انفعال تبدأ من الصفر.
وفي ظل هذا الحكم الراديكالي في جهله تتحول المؤسسات إلى هياكل كرتونية تُدار بمنطق الاستعراض والولاء الشخصي ويُصبح الزمن عندهم هو الحاضر المشتعل فقط
فلا صبر لديهم على نضج السياسات ولا قدرة لهم على استشراف المآلات.
إنهم أسرى الاستعجال الثوري الذي لا ينتج سوى الخراب حيث تُعالج الأزمات بردود أفعال صبيانية تؤدي إلى ارتهان السيادة وتآكل هيبة الدولة في الفضاء الدولي.
التاريخ بقسوته المعهودة يسجل أن انتصار الحرافيش في الوصول إلى الكرسي هو في الحقيقة الهزيمة الكبرى لهم وللدولة معاً فالدولة التي تُهدم باسم الشعب تنتهي دائماً بأن تكون القبر الذي يضم الجميع والحرافيش الذين دمروا المركز يكتشفون في النهاية أنهم حطموا السقف الوحيد الذي كان يحميهم من شتاء التاريخ.
إنها الفوضى التي تُصنع حين تُفتح الأبواب للهامش ليكون حاكماً قبل أن يكون مواطناً وحين تُدار الأوطان بمرارات الماضي لا بضرورات العقل.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال