بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الإمام سحنون وهيكلة المخيال المالكي التونسي أركيولوجيا العقل الفقهي وبناء الأرثوذكسية في إفريقية

2026-04-09 51 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الإمام سحنون وهيكلة المخيال المالكي التونسي أركيولوجيا العقل الفقهي وبناء الأرثوذكسية في إفريقية
إن مقاربة شخصية مثل سحنون بن سعيد اليوم تتطلب منا تجاوز القراءات التبجيلية والوثوقية التي تسجن النص في دائرة القداسة لندخل مباشرة في أركيولوجيا التكون
التاريخي لهذا العقل الذي هندس المعمار الروحي لإفريقية.
نحن لا نستحضر سحنون كفقيه ضمن سلسلة الأسانيد الميتة بل نفككه كبنية إبستيمية استطاعت في لحظة تاريخية فارقة أن تؤسس لما أسميه الأرثوذكسية المالكية التونسية.
هذا الرجل المولود في القيروان لم يكن مجرد ناقل للمدونات بل كان الفاعل الأساسي في تحويل الإسلام من حدث قرآني منفتح إلى نسق قانوني مغلق ومتجذر في السوسيولوجيا المحلية.
أدرك سحنون بوعيه الحاد أن العقل المشرقي بنوازعه التجريدية وافتراضاته الذهنية لا يمكن أن يستوطن في بيئة إفريقية التي كانت تتطلب تنظيما قانونيا يلامس الواقع المعيش وينظم المتخيل الجماعي للأمازيغ والعرب الوافدين على حد سواء.

حين ارتحل سحنون نحو المركز المشرقي لم يكن يبحث عن بركات روحية بل كان يمارس عملية نقل وتوطين للنظم المعرفية.
كانت رحلته بمثابة إعادة قراءة للمنظومة المالكية عبر مصفاة ابن القاسم لإنتاج ما يمكن تسميته بالعقل الفقهي الإفريقي المستقل.
هذا العقل الذي أعلن قطيعته مع المدرسة العراقية التي غلبت الرأي والافتراض الذهني على الواقع.
إنتاج المدونة الكبرى لم يكن فعلا تأليفيا بسيطا بل كان عملية إغلاق للدائرة الدوغمائية وتحديدا لما هو مفكر فيه وما هو لا مفكر فيه ضمن الفضاء المالكي.
حول سحنون الفقه من مجرد حوارات ومرويات مشتتة إلى نظام قانوني شمولي استطاع أن يبتلع الأعراف المحلية ويصهرها في بوتقة النص ليخلق هوية قانونية صلبة حالت دون تفتت البنية الاجتماعية التونسية أمام التيارات الكلامية والمذهبية العابرة.

صعود سحنون إلى سدة القضاء يمثل في جوهره لحظة مؤسسة لاستقلالية المؤسسة الدينية أو ما أسميه بسلطة العلماء في مواجهة السلطة السياسية للأغالبة.
لم يدخل سحنون القضاء كخادم للأمير بل كممثل للأرثوذكسية الصاعدة التي ترى في نفسها حارسا للمتخيل الروحي العام.
فرض شروطا جعلت من المحكمة فضاء مستقلا يمارس سيادته حتى على رجالات الدولة والجيش.
هذا الفصل الجنيني بين الزمني والروحي هو الذي أعطى للشخصية التونسية ذلك البعد السيادي والكرامة الجماعية التي ترفض التبعية المطلقة لمركز الخلافة.
علم سحنون هذا المجتمع أن الحقيقة الدينية ليست هبة من الحاكم بل هي بناء قانوني واجتماعي يحرسه الفقيه بوصفه مهندس العقد الروحي.

انتصار المالكية السحنونية في تونس يفسره قدرتها على استيعاب المكبوت السوسيولوجي والاعتراف بالعرف كمصدر من مصادر التشريع الصامتة.
سحنون لم يفرض فقها متعاليا بل أنتج فقها ينسجم مع الطبيعة العملية للإنسان التونسي.
هذا الإنسان الذي يميل إلى الواقعية وينفر من الميتافيزيقا المجردة.
ومن هنا كانت المدونة هي الدستور الحقيقي الذي صاغ العقل الجمعي وحماه من التشظي الطائفي.
وحتى في مواجهة المحنة الكبرى المتمثلة في القول بخلق القرآن وقف سحنون بصلابة تاريخية ليرفض اختراق السلطة السياسية للمجال الاعتقادي.
لم تكن مواجهته للمعتزلة مجرد خلاف كلامي بل كانت دفاعا عن استقلالية العقل الفقهي السني في مواجهة العقل الاعتزالي الذي أراد فرض رؤيته عبر جهاز الدولة.

اليوم ونحن نواجه أزمة المعنى وتفكك المرجعيات التقليدية نجد أنفسنا أمام حالة من الفوضى الروحية نتيجة ما أسميه بالتصحر الثقافي الذي طال مؤسسة الزيتونة وغيرها من قلاع العقل التقليدي.
ظهور التيارات الوافدة مثل السلفية الجهادية هو في جوهره عودة للمكبوت وتعبير عن فشل الحداثة في تقديم بديل رمزي يملأ الفراغ الذي تركه تراجع الأرثوذكسية المالكية السحنونية. هؤلاء الوافدون يحاولون فرض مخيال مشرقي غريب على الذاكرة الروحية لتونس.
لذا فإن العودة إلى سحنون لا تعني تقديس الماضي بل تعني استعادة أدوات البناء الذاتي والسيادة المعرفية.
المذهب المالكي التونسي يمثل ذلك التوازن القلق والضروري بين الحداثة والجذور وبين النص والواقع.

تونس اليوم في أمس الحاجة إلى استعادة تلك الروح السحنونية التي تجمع بين الصرامة القانونية والمرونة السوسيولوجية.
نحن بحاجة إلى إعادة هيكلة الوعي القانوني والإداري بعيدا عن الارتعاش أمام الضغوط الخارجية أو التبعية الثقافية العمياء. سحنون علمنا أن بناء الدولة يبدأ من بناء الإنسان القانوني الذي يحترم المؤسسات ويقدس العدالة.
السيادة اليوم لا تتجزأ فهي تبدأ من السيادة على المتخيل الروحي وصولا إلى السيادة التقنية والاقتصادية.
أراد سحنون لتونس أن تكون مركزا لا هامشا وأن تكون منتجة للمعرفة لا مجرد مستهلكة لها.

المدونة الكبرى تظل هي النص التأسيسي الذي يفسر خصائص الشخصية التونسية من اعتدال ووسطية ونفور من الغلو. هذه الشخصية هي نتاج مشرط أركيولوجي اشتغل عليه سحنون لقرون عبر تلاميذه ومؤسساته.
وإذا أردنا بناء مشروع حضاري للمستقبل فلا بد من الانخراط في مراجعات نقدية شجاعة لهذا الإرث لاستنطاق ما فيه من طاقات تحررية.
سحنون لا يزال فاعلا في اللاوعي الجماعي وفي كل ممارسة قانونية تنشد الإنصاف، هو الرمز الأول للسيادة الذي يذكرنا بأننا لسنا مجرد ظاهرة صوتية أو جغرافيا تابعة بل نحن مختبر حي لصناعة المعنى وتوطين الحقيقة في أرض إفريقية.

يظل سحنون بن سعيد التنوخي هو حجر الزاوية في المعمار الروحي التونسي وأي محاولة لتجاوز هذا الأثر دون فهم آليات اشتغاله هي محاولة للقفز في الفراغ.
إننا مدعوون اليوم لقراءة سحنون بعيون العصر وباستخدام أدوات العلوم الإنسانية الحديثة لنفهم كيف تشكلت هويتنا وكيف يمكننا حمايتها من الذوبان في عولمة مادية تفتقر إلى المعنى.
استعادة سحنون هي استعادة للعقل المبدع الذي يرفض التقليد الأعمى ويؤمن بأن الدين والتشريع هما في نهاية المطاف في خدمة الإنسان وعمارة الأرض بالعدل والكرامة. فلتكن سيرة سحنون ومنهجه هما البوصلة التي تهدينا في غياهب هذا التحول التاريخي الكبير لتبقى تونس منارة للتنوير والسيادة والاعتدال.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال