بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

زوايا التشكيل السوسيولوجي للدين في تونس: تفكيك البنية بين إسلام الحواضر وصحراء الهوامش

2026-04-07 308 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
زوايا التشكيل السوسيولوجي للدين في تونس: تفكيك البنية بين إسلام الحواضر وصحراء الهوامش
إن محاولة فهم الظاهرة الدينية في الفضاء التونسي تتطلب منا قبل كل شيء الخروج من السياج المعرفي المغلق الذي فرضته القراءات التبجيلية أو القراءات الأيديولوجية السطحية.
إننا بحاجة إلى أنثروبولوجيا تاريخية تستنطق المسكوت عنه في تشكل الوازع الديني ليس بوصفه فيضاً روحياً مجرداً بل بوصفه نتاجاً لصراعات القوى وتوزع الثروة وهندسة المجالات الجغرافية.
الدين لم يكن يوماً كتلة واحدة صماء بل كان أنظمة معرفية متعددة تخضع لقوانين الجغرافيا السياسية
والتراتب الطبقي.

من منظور نقد العقل الإسلامي لا يمكننا فهم جامع الزيتونة بعيداً عن مفهوم الأرثوذكسية المدينية.
كان الزيتونة رحماً أنتج ما يمكن تسميته الإسلام الرسمي أو إسلام المتن. هذا الإسلام لم يكن معنياً فقط بتفسير النص بل كان معنياً بتنظيم المدينة.
نشأ الفقه المالكي في تونس داخل الأسوار والأسوار هنا ليست معمارية فحسب بل هي أسوار سوسيولوجية تفصل بين العالم المتحضر وبين عالم البوادي.
الزيتونة كبنية مؤسساتية كانت تمارس نوعاً من الهيمنة الرمزية حيث جعلت من المعرفة الفقهية الرصينة امتيازاً طبقياً.
في هذه الحواضر تحول الدين إلى عقلانية حقوقية تضبط إيقاع السوق والميراث والمعاملات.
هنا، نجد أن الدليل الفقهي يتفوق على الوجد الصوفي.
إسلام الزيتونة كان إسلام الكتاب والقانون وهو ما خلق فجوة معرفية مع الأطراف التي كانت تعيش إسلام المشافهة وإسلام البركة. هذا التفاوت لم يكن تفاوتاً في درجة الإيمان بل كان تفاوتاً في نمط التدين تفرضه الضرورات السوسيو اقتصادية للمدينة.
إن الظاهرة التي نلاحظها في الشريط الشرقي للبلاد التونسية تمثل نموذجاً لما يمكن تسميته الانضباط السلوكي المرتبط بالمصلحة الاجتماعية. في هذه المناطق لم ينفصل المقدس عن الدنيوي بل تلاحما لإنتاج رأس مال اجتماعي قوي.
لماذا يتماسك الوازع الديني في هذه الجهات؟
الدين هنا تحول إلى نظام تشغيل للمجتمع.
الاستقرار الحضري العريق في هذه المناطق جعل من الالتزام الديني ضمانة للثقة التجارية. السوق يحتاج إلى المحراب ليؤطر العقود بوازع أخلاقي يقلل من تكلفة المراقبة القانونية.
علاوة على ذلك فإن استمرارية العائلات العلمية في هذه المناطق خلقت نوعاً من الهوية الجهوية المحمية بالدين. الدين هنا هو انتماء وتميز سوسيولوجي لذا نجد أن هذه المناطق حين واجهت الحداثة لم ترفضها بل قامت بتبيئة العصرنة داخل أطرها التقليدية مما جعل وازعها الديني عصياً على التفكك لأنه مرتبط ببنية الإنتاج لا بالعاطفة العابرة.

نأتي هنا إلى النقطة الأكثر إيلاماً في التاريخ التونسي الحديث وهي عملية القطيعة التاريخية التي مارستها الدولة الوطنية.
اشتغل العقل البورقيبي بمنطق الجراح الذي يريد استئصال الخرافة لكنه في الواقع قام بتفكيك البنى التحتية الروحية للأطراف دون توفير بديل معرفي.
في مناطق الهوامش والمناجم والمدن الصناعية الناشئة حدث ما يمكن تسميته الخلع السوسيولوجي.
النازح من الريف إلى ضواحي المدن الكبرى فقد إسلام الزاوية الذي كان يوفر له توازناً نفسياً واجتماعياً ولم يستطع دخول إسلام الزيتونة لأنه إسلام نخبوي يتطلب أدوات معرفية لم تكن متاحة له.
الدولة الوطنية عبر تجفيف منابع الأوقاف وتدجين الزيتونة وتفكيك الطرق الصوفية خلقت فراغاً قدسياً.
هذا الفراغ لم تملأه الحداثة لأنها وصلت إلى هذه الفئات كقشرة مادية أو كسلطة قمعية ولم تملأه المؤسسة الدينية لأنها كانت تعيش أزمة وجودية والنتيجة هي الإنسان المقطوع الجذور.
هذا الإنسان يعيش في فضاء مادي صرف حيث تآكلت الروابط الجماعية وحلت محلها نفعية فردية شرسة.
غياب الوازع الديني في هذه المناطق ليس خياراً فكرياً نحو العلمانية بل هو تصحر قيمي ناتج عن فشل مشروع الأنسنة والاندماج الاجتماعي.
إن التفاوت في الوازع الديني الذي نلحظه اليوم في تونس هو الشهادة الحية على أن الزيتونة رغم إشعاعها ظلت منارة مركزية تفشل أشعتها في اختراق الضباب الكثيف للأطراف. لقد كان هناك جدار طبقي يمنع تحويل الدين من امتياز للحواضر إلى ثقافة وطنية شاملة.
هذا التفاوت يطرح تساؤلاً جوهرياً حول عدالة توزيع الرأسمال الرمزي. لماذا يظل الدين في المركز عامل استقرار وبناء بينما يتحول في الهوامش إلى عامل احتجاج عنيف أو ينزوي تماماً ليترك مكانه للعدمية؟
الأزمة ليست في جوهر الدين بل في تاريخية المؤسسة الدينية وفشلها في تجاوز النخبوية المدينية.
تُركت الأرياف والبوادي للعفوية الصوفية قروناً ثم جاءت الدولة الحديثة لتضرب تلك العفوية فبقي الإنسان في تلك الربوع بلا متن وبلا هامش يواجه رياح العولمة بصدر عارٍ من أي درع قيمي متماسك.
إن قراءة الواقع التونسي بهذا المنظور تحتم القول إن استعادة الوازع الأخلاقي لا تمر عبر الترميم السطحي للمؤسسات بل عبر نقد العقل السوسيولوجي الذي أنتج هذا التفاوت.
التصحر القيمي في مدن القطيعة التاريخية هو صرخة احتجاج صامتة ضد هندسة اجتماعية لم تحترم الزمن الطويل للتحولات الثقافية.
تونس اليوم تعيش تبعات توزيع غير عادل للمقدس حيث صار الدين في جهات رأس مال وفي جهات أخرى اغتراباً.

إن استنطاق التاريخ بعيداً عن العاطفة يؤكد لنا أن الإيمان وحده لا يبني المجتمعات بل هندسة الإيمان داخل البنى الاجتماعية هي التي تحدد مصائر الأمم.
فهل نملك الشجاعة لفتح ملف اللامفكر فيه في خارطتنا الروحية؟
صمود الوازع الديني في الشرق وانهياره في الهوامش ليس قدراً إلهياً بل هو صناعة بشرية بامتياز نحتتها يد التاريخ والجغرافيا وأهملتها يد العدالة الاجتماعية.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال