بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

لولا تونس لظلوا لاجئين: الحقيقة المسكوت عنها في ملحمة بومدين وغار الدماء

2026-04-04 73 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
لولا تونس لظلوا لاجئين: الحقيقة المسكوت عنها في ملحمة بومدين وغار الدماء
في تلك الجغرافيا التي لا تعترف بالخرائط الورقية
حيث يمتزج غبار الأطلس بملوحة المتوسط
كانت تونس والجزائر في خمسينيات القرن الماضي تمثلان صفيحة تكتونية واحدة تتحرك تحت أقدام الاستعمار الفرنسي في مشهد لا يمكن قراءته إلا بعيون الجيوبولتيك العميقة التي تتجاوز حدود الدول لتلامس حدود المصير.
هنا، في المغرب الكبير الذي كان يحلم به الكبار قبل أن يجهضه الصغار نجد أنفسنا أمام ملحمة محمد بوخروبة، ذلك الشاب النحيل الصامت كتمثال من الغرانيت الذي جاء من عمق الأرياف الجزائرية ليعيد صياغة القدر من فوق الهضاب التونسية.
لم يكن بوخروبة مجرد لاجئ أو مقاتل عابر بل كان
المهندس الصامت الذي قرر أن الثورة الجزائرية لا يمكن أن تنتصر إلا إذا امتلكت دولة في الظل وكانت تونس هي المختبر والمأوى والمقصلة التي شحذت عليها أنياب الاستقلال.
تبدأ الحكاية عندما تحولت تونس بقرار من الحبيب بورقيبة إلى قاعدة خلفية لجيش التحرير الوطني الجزائري.
كانت تونس حينها في أواخر الخمسينيات تعيش مخاض بناء الدولة الوليدة لكنها فتحت ذراعيها لبركان يغلي على حدودها الغربية.
في تلك الفترة وتحديداً بعد عام 1957 بدأت تتبلور ملامح جيش الحدود وظهر اسم محمد بوخروبة الذي سيعرفه التاريخ لاحقاً باسمه الحركي هواري بومدين.
لم يأتِ بومدين إلى تونس ليمارس السياسة في صالونات العاصمة أو ليتسكع في شارع جول فيري بل اتجه فوراً نحو غار الدماء و الكاف و عين دراهم حيث الغابات الكثيفة والجبال التي توفر غطاءً مثالياً لجيش كان ينمو كالفطر تحت أنوف الطائرات الفرنسية.
في غار الدماء أقيم مقر قيادة الأركان العامة (EMG) وهناك وضع بومدين حجر الأساس لما سيصبح لاحقاً
عقيدة الجيش الجزائري.
كانت تلك المعسكرات التي ضمت آلاف المقاتلين تمثل تحدياً سياسياً وسيادياً هائلاً لبورقيبة الذي كان يخشى تغوّل الثورة الجزائرية على ترابه لكنه في الوقت ذاته كان يرى في نجاحها ضمانة لاستقلال تونس.
في عام 1958 وتحديداً في الثامن من فيفري كانت بلدة ساقية سيدي يوسف التونسية على موعد مع الجحيم.
قامت الطائرات الفرنسية بقصف البلدة رداً على تسلل المقاتلين الجزائريين من الأراضي التونسية.
كانت الحصيلة ثقيلة، عشرات القتلى من المدنيين التونسيين واللاجئين الجزائريين وامتزجت الدماء في مشهد جنائزي وحد المصيرين إلى الأبد.
هذا التاريخ لم يكن مجرد ذكرى بل كان البيان الأول
الذي أعلن للعالم أن تونس والجزائر طرف واحد في حرب عالمية مصغرة.
بومدين الذي كان يراقب المشهد من معسكره في غار الدماء أدرك أن اللحظة التاريخية تتطلب بناء مؤسسة عسكرية حديدية. في ذلك الوقت كانت تونس تأوي أكثر من 200 ألف لاجئ جزائري فروا من جحيم خط موريس وخط شال المكهربين اللذين أقامتهما فرنسا لعزل الثورة عن قواعدها التونسية والمغربية.
هؤلاء اللاجئون لم يكونوا مجرد أرقام في سجلات الصليب الأحمر أو الهلال الأحمر التونسي بل كانوا الخزان البشري الذي استمدت منه الثورة شرعيتها واستمراريتها.

في معسكرات غار الدماء وتاجروين والكاف كان بومدين يعمل بصمت مرعب.
كان محاطاً برجال الظل أمثال عبد الحفيظ بوصوف ممالي الاستخبارات الجزائرية الذي أقام شبكة اتصالات وتجسس من داخل الأراضي التونسية أذهلت الفرنسيين أنفسهم.
كانت تونس هي الرئة التي تتنفس منها الثورة والمستودع الذي تُخزن فيه الأسلحة الآتية من الكتلة الشرقية عبر ميناء بنزرت أو الحدود الليبية.
الأسماء تتشابك هنا، لخضر بن طوبال و كريم بلقاسم بوسوف وبومدين هؤلاء الأربعة الذين شكلوا لجنة التنسيق والتنفيذ ثم الحكومة المؤقتة كانوا يديرون شؤون الحرب والسلم من تونس العاصمة أو من القواعد الحدودية.
كانت العلاقة مع السلطات التونسية وعلى رأسها الباهي الأدغم والطيب المهيري علاقة معقدة يسودها التوجس أحياناً والتنسيق المطلق أحياناً أخرى.
بورقيبة بدهائه المعهود كان يعلم أن وجود جيش الحدود المسلح تسليحاً ثقيلاً يمثل تهديداً مبطناً لنظامه لكنه كان مقامراً تاريخياً بامتياز راهن على استقلال الجزائر ليحمي تونس من أطماع فرنسا الأفريقية.

بحلول عام 1960 كان بومدين قد أحكم قبضته على قيادة الأركان في غار الدماء. كان هذا المعسكر يمثل دولة صغيرة تمتلك إذاعتها الخاصة، مطابخها، مستشفياتها الميدانية وحتى سجونها.
الصور التي التقطت لبومدين في تلك الفترة تظهره كشخصية زاهدة يرتدي البرنوس التقليدي أحياناً والبذلة العسكرية أحياناً أخرى وعيناه تغوران في أسرار المستقبل.
لم تكن المعسكرات مجرد أماكن للتدريب بل كانت
مدرسة إيديولوجية حيث تشكلت ملامح الاشتراكية الجزائرية والنزعة القومية الصلبة.
اللاجئون الجزائريون في تونس الذين توزعوا بين مخيمات سيدي جابر و غار الدماء وصولاً إلى ضواحي العاصمة كانوا يعيشون حالة من الانتظار المقدس.
كانت تونس بالنسبة لهم هي الأندلس المفقودة التي سيعودون منها لفتح الجزائر.
في عام 1961 ومع اقتراب مفاوضات إيفيان زاد التوتر بين جيش الحدود القابع في تونس وبين قيادة الداخل في الجبال الجزائرية.
بومدين كان يرى أن النصر يجب أن يُنتزع بالحديد والنار وليس فقط عبر طاولة المفاوضات ومن هنا بدأت عاصفة الانقسامات التي ستؤدي لاحقاً إلى أزمة صيف 1962 الشهيرة.
تونس احتضنت أيضاً مقر الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (GPRA) في نهج الساحل بالعاصمة.
هناك كانت تُتخذ القرارات المصيرية وهناك زار تشي جيفارا وجمال عبد الناصر مبعوثي الثورة.
كانت تونس هي المنصة التي أعلن منها العالم اعترافه بالجزائر قبل أن تولد رسمياً.
لكن في المقابل كانت معاناة اللاجئين الجزائريين في الشمال الغربي التونسي وصمة عار في جبين الإنسانية الدولية حيث الفقر والبرد القارس في جبال خمير لولا التضامن الشعبي التونسي الذي كان يتقاسم رغيف الخبز مع الإخوة الأعداء كما كان يصفهم البعض أحياناً بسبب صرامة جنود بومدين في جويلية 1962عندما دقت ساعة الاستقلال لم يخرج بومدين وجيشه من تونس بالورود فقط بل خرجوا
كفاتحين متجهين نحو العاصمة الجزائرية لحسم الصراع على السلطة ضد الحكومة المؤقتة التي كانت هي الأخرى في تونس.
لقد كانت تونس هي الرحم الذي ولدت فيه الدولة الجزائرية الحديثة و بومدين كان هو القابلة العنيفة وبورقيبة كان الراعي الذي يراقب بوجل نمو هذا العملاق على حدوده.

لم تكن تلك المعسكرات مجرد خيام وجنود بل كانت
أدوات جراحية في عملية إعادة تشكيل خارطة القوى في المتوسط.
بومدين في تونس لم يكن يتعلم فنون الحرب فقط بل كان يتعلم كيف يحكم بالصمت والترهيب وكيف يبني جيشاً يكون هو الدولة والدولة هي هو.
واللاجئون الذين عادوا إلى ديارهم عام 1962، تركوا خلفهم آلاف الحكايات والزيجات المختلطة والمقابر التي لا تزال شاهدة على أن الحدود بين البلدين هي مجرد
خدعة استعمارية تحطمت فوق صخرة الجغرافيا والتاريخ المشترك.
بومدين الذي رحل عن تونس ليصبح سيد الجزائر المطلق ظل يحمل في ذاكرته تفاصيل غار الدماء وظل بورقيبة يتذكر دائماً أن الرجل الذي بنى جيشه تحت حمايته هو نفسه الذي سينافسه لاحقاً على زعامة المغرب العربي.
في تلك السنوات العجاف والخصبة في آن واحد،د
كانت تونس تتحول إلى هانوي العرب حيث تلتقي فيها وفود جبهة التحرير الوطني مع مبعوثي الصين والاتحاد السوفيتي. بومدين الذي كان يقطن في فيلا متواضعة بضواحي العاصمة أو يتنقل بسرية تامة نحو جبهات القتال كان يدرك أن
خط موريس ليس مجرد سياج مكهرب بل هو رمز للانقسام بين الثورة والجمهور.
استغل بومدين وجوده في تونس ليؤسس لمركزية عسكرية سحق بها لاحقاً كل مراكز القوى الأخرى.
الأسماء مثل قاصدي مرباح الذي سيكون رجل المخابرات القوي وأحمد بن بلة الذي كان ينسق من الخارج كلهم مروا عبر البوابة التونسية.
إنها الملحمة التي لا تنتهي حيث التاريخ يُكتب بالبارود في غار الدماء ويُوقع بالريشة في سيدي بوسعيد بينما الشعبان ينتظران فجراً جديداً خرج من رحم المعاناة واللجوء والمقاومة.
هذه هي الحكاية، تونس كانت المسرح وبومدين كان البطل التراجيدي والجزائر كانت الجائزة الكبرى في لعبة الأمم التي لا تنتهي.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال