بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

صراع الإنسان مع أصنامه

2026-04-03 19 قراءة مقالات فكر حسام سعايدية
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
ليست مشكلتنا أن الحاكم أخطأ… بل أن الوعي اختار أن لا يرى، وأن لا يسأل، وأن لا يفهم. نحن لا نعيش أزمة حكم فقط، بل أزمة إدراك للحكم؛ نختزل التاريخ في رجل، ثم نختزل الرجل في أسطورة، ثم نعيش داخل الأسطورة ونصدّقها.
لقد تعوّدنا أن نحكي التاريخ كأنه سيرة فرد واحد: الحبيب بورقيبة، جمال عبد الناصر، هواري بومدين، مصطفى كمال أتاتورك، معمر القذافي، صدام حسين… وكأن التعليم بُني بقرار لحظة واحدة، وكأن السيادة انتُزعت بقرار منفرد، وكأن الدولة وُلدت مكتملة.
لكن الحقيقة أعمق من هذا التبسيط:
التاريخ ليس قفزة… بل تراكم.
وليس معجزة… بل صيرورة.
حين نُسند كل شيء إلى الحاكم، فإننا في الواقع نُقصي المجتمع من المشهد. نُقصي آلاف الأيدي التي بنت، وآلاف العقول التي فكّرت، وآلاف النفوس التي صبرت. فتعليم تونس لم يكن “هدية” من بورقيبة، بل نتيجة مسار طويل شارك فيه مربّون ونخب وإصلاحات سابقة. وتأميم قناة السويس لم يكن لحظة خارقة فقط، بل خيارًا سياسيًا داخل سياق دولي متغير، حمل مكاسب، لكنه حمل أيضًا كلفة ثقيلة على مصر، دبلوماسيًا واقتصاديًا.
إن الإنصاف هنا لا يعني نزع الفضل، بل وضعه في حجمه الحقيقي:
نُقرّ بالدور، دون أن نؤلّهه،
ونُقرّ بالإنجاز، دون أن نُسقط السياق.
لكننا لا نقف عند هذا الحد. لأن العقل الذي يصنع الحاكم الأسطورة، يصنع أيضًا المعارضة الأسطورة. فإذا اختلفنا مع النظام، بدأنا في تمجيد الغائب، في تحويله إلى “فرصة ضائعة” نقية من كل خطأ. فـ صالح بن يوسف يصبح، في المخيال، الرجل الذي لو انتصر لكانت تونس في مسار آخر مثالي. وأحمد بن بلة، وأمين زروال يتحولان إلى احتمالات مهدورة لخلاص لم يتحقق.
لكن من قال إن من لم يُمتحن كان سيصمد؟
ومن قال إن النوايا تصنع الدول؟
إن تحويل المعارضة إلى مثال مطلق هو الوجه الآخر لنفس المرض:
نفس الميل إلى التبسيط،
نفس الهروب من تعقيد الواقع،
ونفس الحاجة إلى بطل… حتى لو كان في الغياب.
ثم نصل إلى نقطة أكثر خطورة: تجريم النقد نفسه. لقد صارت المساءلة في ثقافتنا تهمة، وكأن السؤال خيانة، وكأن تحليل الفعل السياسي تهديد للاستقرار. وهكذا تُبنى ثقافة الطاعة، لا ثقافة الفهم. ويُربّى الفرد على التصفيق، لا على التفكير.
لكن هناك مجتمعات أخرى أدركت أن بقاءها مرهون بقدرتها على النقد. في ماليزيا، يُذكر مهاتير محمد بإنجازاته، لكن ذلك لم يمنع من مساءلته حول خياراته الاقتصادية والحريات. وفي تركيا، رغم الشعبية التي حظي بها رجب طيب أردوغان، ما زال تحت ضغط نقد مستمر، من الاقتصاد والتضخم، إلى ملف اللاجئين، إلى توازن السلطة مع المؤسسات.
هناك، لم يتحول الحاكم إلى معصوم،
ولم تتحول المعارضة إلى مقدّس،
بل بقي الجميع داخل دائرة المساءلة.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين وعيين:
وعي يرى الحاكم “مطلقًا”،
ووعي يرى الحاكم “وظيفة”.
وعي يرى المعارضة “خلاصًا”،
ووعي يرى المعارضة “خيارًا سياسيًا له حدود”.
إن الحكام، مهما بلغت أخطاؤهم، لا يمكن إنكار حسناتهم. لكن هذه الحسنات ليست ملكًا لهم وحدهم، بل هي نتاج منظومة كاملة: مجتمع، مؤسسات، ظروف، وتراكمات. والإنصاف يقتضي أن نُعيد الفضل إلى أصحابه، دون أن نُبخس الحاكم دوره.
وكذلك لا يجوز أن نختزل الفشل في شخص الحاكم فقط، ولا أن نُحمّل المعارضة كل طاقة الضياع. فكل طرف يشارك، بدرجات مختلفة، في صناعة اللحظة التاريخية. والتاريخ ليس مسرحًا لأبطال منفردين، بل شبكة من التفاعلات، فيها النجاح كما فيها الخطأ.
إن الخطر الحقيقي ليس في الحاكم، بل في الإنسان الذي فقد قدرته على رؤية الحاكم كما هو.
لا كما يحب…
ولا كما يكره…
بل كما هو: كائن بشري، داخل سياق، له حدود، وله دور.
حين نصل إلى هذا الوعي، نسقط صنمين معًا:
صنم الحاكم…
وصنم المعارضة.
ونتحرر من فكرة أن الخلاص يأتي من الخارج،
لنكتشف أنه يبدأ من الداخل:
من عقلٍ يرفض التقديس،
وقلبٍ يرفض التبعية،
ووعيٍ يصرّ على السؤال.
فليست المشكلة في من يحكم… بل في كيف نفهم من يحكم.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال