بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

العلاقة التربوية في زمن المخاطر: قراءة أركيولوجية في ضوء أولريش بيك. (Ulrich Beck) _ بين فقدان المعنى وإعادة التوازن داخل الفصل المدرسي

2026-04-02 18 قراءة مختلفات سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
في زمنٍ لم تعد فيه المخاطر أحداثًا عارضة بل مكوّنًا بنيويًا من مكوّنات المجتمع، لم تعد المدرسة مجرد فضاء لنقل المعرفة، بل تحوّلت إلى مرآة دقيقة لأزماته العميقة. داخل الصف، لم تعد المخاطر خارجية فقط، بل جزء من بنية الفعل التربوي اليومي: ضغط البرامج، تناقض التوجيهات، تسارع الإيقاع الرقمي، وتحوّل التلميذ إلى فاعل متأثر بشبكات اجتماعية متغيرة. كل ذلك يعيد تشكيل موقع المعلّم، الذي لم يعد يدخل القسم حاملًا لشرعية بديهية، بل كمن يُطلب منه أولًا إثبات أحقيته قبل تقديم المعرفة.
ما كان يُنظر إليه سابقًا كعلاقة بديهية بين مرشد ومتلقٍ أصبح اليوم حقلًا لتوترات متشابكة، حيث يتحرك كل طرف داخل بيئة مشبعة بمخاطر تُنتجها الأنظمة الاجتماعية نفسها (Beck, 2007).
من هنا، يصبح تحليل العلاقة التربوية أشبه بـحفر أركيولوجي يكشف عن طبقات متراكمة من فقدان المعنى قبل أي حديث عن الإصلاح.



العلاقة التربوية في زمن المخاطر: قراءة أركيولوجية في ضوء أولريش بيك. (Ulrich Beck)
بين فقدان المعنى وإعادة التوازن داخل الفصل المدرسي



1. زمن المخاطر والواقع المدرسي: تحوّلات الشرعية داخل القسم

داخل الصف، لم تعد المخاطر خارجية فحسب، بل أصبحت جزءًا من البنية اليومية للفعل التربوي. ضغط البرامج، تناقض التوجيهات الإدارية، تسارع الإيقاع الرقمي، وتحوّل التلميذ إلى فاعل متأثر بشبكات اجتماعية متغيرة—كلها عوامل تعيد تشكيل موقع المعلّم. لم يعد يدخل القسم بصفته حاملًا لشرعية بديهية، بل كمن يُطلب منه أولًا أن يثبت أحقيته في الكلام قبل أن يقدّم المعرفة.
بعبارة أبسط، لم يعد القسم فضاءً مغلقًا كما كان في السابق.
في هذا السياق، لا تبدو المدرسة فقط متأثرة بالمخاطر، بل منتجة لها أيضًا، بما يجعلها تعيش توترًا داخليًا مستمرًا. وهو ما يلتقي مع تصور أولريش بيك لمجتمع المخاطر، حيث تنتج المؤسسات نفسها شروط الهشاشة التي تعيشها. فآليات الحماية، على أهميتها الحقوقية، قد تنقلب في الممارسة اليومية إلى أدوات ضغط حين تُفصل عن بعدها التربوي. وفي السياق التونسي، تمثل مجلة حماية الطفل مكسبًا قانونيًا مهمًا، غير أن تفعيلها داخل فضاء مدرسي يعاني أصلًا من هشاشة رمزية، أفرز مفارقة لافتة: إذ تحوّلت، في بعض الممارسات اليومية، من أداة حماية إلى عنصر إضافي في إنتاج الحذر والتردد لدى المربي، خاصة حين تُختزل في منطق الشك والمساءلة بدل أن تُفهم كإطار داعم للعلاقة التربوية. هكذا، يصبح كل فعل تربوي محاطًا بإمكانية التأويل والاعتراض، ويغدو الاشتغال داخل القسم نوعًا من إدارة المخاطر أكثر منه بناءً هادئًا للمعرفة.

2. الأركيولوجيا الرمزية للعلاقة التربوية: تفكّك المعنى وتعدّد الطبقات

إذا نظرنا إلى العلاقة التربوية كحفر أركيولوجي، فإن ما يظهر ليس سطحًا واحدًا، بل طبقات متراكمة من التحولات:
في الطبقة الأولى، يبدو الفعل التعليمي في صورته التقنية الصافية: معلّم ينفّذ برنامجًا، وتلميذ يتكيّف مع متطلباته. غير أن هذا “النقاء” الظاهري يخفي انزياحًا عميقًا، حيث تتحول المعرفة من تجربة معنى إلى مادة للإنجاز، ويتحوّل التعلم إلى مهارة في الامتثال أكثر منه فعلًا في الاكتشاف (Bourdieu & Passeron, 1970).
هنا يبدأ التحول الحقيقي.
في الطبقة الثانية، يطفو الفراغ الرمزي. لم تعد المدرسة تمنح المعرفة تلك القيمة التي تجعلها مرغوبة لذاتها، ولم يعد المعلّم يمتلك تلك السلطة الأخلاقية التي تمنحه أثرًا يتجاوز الحصة الدراسية. داخل هذا الفراغ، يتحول الدرس إلى اختبار دائم للحدود: حدود السلطة، وحدود الصبر، وحدود القبول. ويغدو التلميذ ممزقًا بين رغبة كامنة في الفهم وضغط اجتماعي يدفعه نحو اللامبالاة أو المقاومة.
أما في الطبقة الثالثة، فتتداخل التأثيرات الخارجية لتزيد المشهد تعقيدًا: الإعلام، الخطاب المجتمعي، القرارات الإدارية، والتحولات القيمية. كل ذلك لا يدخل القسم كعناصر منفصلة، بل كقوى تعيد تشكيل معنى العلاقة نفسها، بحيث يصبح كل تفاعل تربوي محمّلًا باحتمالات سوء الفهم، ويترسّخ شعور خفي بالاغتراب لدى الطرفين.
بعبارة أخرى، لم يعد ما يحدث داخل القسم يُفهم من داخله فقط.

3. من التربية إلى الترويض: ديناميكيات النجاة داخل القسم

كل فشل معلن داخل القسم لا يُختزل في ما يظهر على السطح، بل يحمل وراءه خوافي صامتة تتحكم في سير العلاقة التربوية من الداخل. وما يعانيه المعلمون يوميًا من تآكل الانضباط وتراجع الحدود يجعل الحديث عن علاقة تربوية مستقرة أشبه بنشاز داخل واقع مضطرب، حيث لا يظهر من الأزمة إلا سطحها، بينما تتكفل البنية الخفية بتوجيه مسارها الفعلي.
على ضفاف هذا الزمن المأزوم، لا يتحول المربي إلى “مروّض” بقرار واعٍ، بل عبر مسار تدريجي من التكيّف مع بيئة تتسم بالهشاشة وعدم اليقين. تحت ضغط المحاسبة المستمرة، والخوف من الخطأ القابل للتأويل، وتضخم الأدوار غير التعليمية، يعيد المعلّم ترتيب أولوياته: من بناء المعنى إلى ضمان الحد الأدنى من النظام، ومن الإلهام إلى تجنب الصدام.
هنا لا يتعلق الأمر باختيار بقدر ما هو استجابة لبيئة ضاغطة.
في هذا التحول، لا يختفي البعد التربوي كليًا، بل ينكمش ويتراجع أمام منطق النجاة المهنية. يصبح الانضباط هدفًا في حد ذاته، ويغدو “مرور الحصة بسلام” إنجازًا ضمنيًا. في المقابل، لا يقف التلميذ موقفًا سلبيًا، بل يطوّر بدوره استراتيجياته: يتعلّم متى ينصت، ومتى يقاوم، ومتى يناور داخل القواعد. هكذا، تتشكل علاقة جديدة، لا تقوم على التوجيه أو التلقي، بل على تفاوض صامت بين طرفين يحاول كل منهما تقليل ما يهدده داخل هذا الفضاء المتوتر.
هذه الديناميكية لا تعكس فشل أفراد بقدر ما تكشف عن منطق بنيوي يحوّل الفعل التربوي من مشروع بناء إلى ممارسة تكيّف. الفصل، في هذه الحالة، لا يعود فضاءً لإنتاج المعنى، بل ساحة لإدارة توازنات دقيقة بين السلطة والمقاومة، بين الرغبة في التعلم وإكراهات الواقع.
غير أن هذا التكيّف المستمر، رغم وظيفته الدفاعية، يخفي تحولًا أعمق يمس جوهر الفعل التربوي ذاته.
لكن السؤال الأعمق ليس فقط: كيف أصبح المربي مروّضًا؟
بل: ما الذي جعل التربية نفسها تفقد معناها؟
حين تتفكك المرجعيات الكبرى، وتفقد المعرفة قيمتها الرمزية، لا يعود المربي قادرًا على أداء وظيفته التربوية، بل يُختزل إلى ما هو أدنى: إدارة السلوك وفرض الانضباط بدل بناء المعنى.
ما نراه اليوم ليس مجرد تحول في الأدوار، بل اهتزاز في الأسس التي كانت تمنح التربية مشروعيتها.

4. قراءة نقدية في ضوء مجتمع المخاطر: أزمة المعنى وحدود الإصلاح

وفقًا لبيك، تكمن خطورة المجتمعات الحديثة في كونها تنتج مخاطرها بنفسها، وتفقد في الآن ذاته القدرة على التحكم فيها. في هذا الإطار، تبدو الحلول التقنية—كإصلاح المناهج أو تشديد العقوبات—قاصرة عن ملامسة جوهر الأزمة. فالمشكل لا يكمن في أدوات التدريس بقدر ما يكمن في انهيار البنية الرمزية التي كانت تمنح لهذه الأدوات معناها.
بعبارة أوضح، ليست الأزمة في الوسائل بل في المعنى الذي يحكمها.
المدرسة اليوم لا تعاني فقط من صعوبات بيداغوجية، بل تعيش ارتباكًا في تعريف دورها ذاته. هل هي فضاء للمعرفة؟ أم أداة للضبط الاجتماعي؟ أم مجرد مؤسسة لإدارة الناشئة في انتظار اندماجهم في واقع متقلب؟ هذا التردد في الوظيفة يعيد إنتاج التوتر داخل العلاقة التربوية، ويجعل المعلّم عالقًا بين أدوار متناقضة، ويحوّل التلميذ إلى فاعل يعيش التمزق ذاته.

خاتمة:

تكشف العلاقة التربوية في زمن المخاطر عن أكثر من أزمة داخل القسم؛ إنها تكشف عن اهتزاز عميق في معنى التربية نفسها. ما نعيشه ليس مجرد خلل في الممارسة، بل ارتباك في الأسس التي تقوم عليها المدرسة كفكرة ومؤسسة.
فهل ما نواجهه اليوم أزمة علاقة تربوية قابلة للإصلاح، أم علامة على نهاية نموذج مدرسي فقد مبرراته الرمزية؟
كيف يمكن بناء ثقة داخل فضاء تحكمه الشكوك وإمكانيات التأويل؟
هل يستطيع المعلّم استعادة دوره كمُنتج للمعنى، أم سيظل حبيس منطق إدارة المخاطر؟
وأي دور يمكن أن تلعبه الدولة والمجتمع في إعادة التوازن، لا عبر مزيد من القوانين، بل عبر إعادة الاعتبار للمعنى؟
لعل ما يتشكل في العمق ليس مجرد أزمة عابرة، بل مسار صامت نحو تفكك العلاقة التربوية نفسها. حين تتحول الحماية إلى شك، والحقوق إلى أداة مساءلة دائمة، تتآكل الشرعية الرمزية للفعل التربوي تدريجيًا، ويصبح القسم مجرد فضاء لتجاور أجساد بلا أفق جامع.
وربما يكون أخطر ما في هذا المسار أنه يحدث دون ضجيج.
وقد لا يكون هذا الاحتمال بعيدًا كما نتصور، بل ربما بدأ في التحقق فعلًا، في صورة تفكك صامت، وثقة تتآكل، وقدرة تتراجع على إنتاج إنسان متشبع بالمعنى، لا مجرد متعلم.

المراجع:

1. Beck, U. (1999). World Risk Society. Cambridge: Polity Press.

2. Beck, U. (2000). Risk Society Revisited. London: Open University Press.

3. Beck, U. (2007). Risikogesellschaft. Frankfurt: Suhrkamp.

4. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction. Paris: Minuit.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال