داخل القسم، لا تبدأ الأزمة من الدرس، ولا من الأخطاء المنهجية، ولا من قصور البرامج. الأزمة تبدأ من المسافة غير المرئية التي تفصل بين المعلّم والتلاميذ، من الفراغ الرمزي الذي أصبح جزءًا من كل تفاعل يومي. المعلّم يدخل الصف وهو يدرك، بشكل شبه غريزي، أنه عليه أولًا أن يثبت شرعيته، قبل أن يقدّم أي معرفة. التلاميذ يجلسون بأجساد حاضرة، لكن وعيهم موزّع بين عوالم أكثر جذبًا، أكثر حيوية، وأقل التزامًا. الكلمات تُقال، لكنها تصل إلى مسامع مشوشة. الأوامر تُكرّر، لكنها تبقى مؤقتة بلا أثر. والتفاعل، رغم ما يبدو عليه من انتظام شكلي، هشّ ومجزأ، أقرب إلى مجاملات يومية رتيبة منه إلى علاقة تربوية حقيقية.
هنا، وفي هذه المسافة، تتجلى الأزمة الحقيقية: ليست في المناهج ولا في البرامج، بل في العلاقة نفسها. العلاقة التي يفترض أن تكون حاضنة للتعلّم، تحوّلت إلى فضاء تفاوض مستمر، وصراع صامت حول من يملك الحق في صياغة المعنى. المدرسة لم تعد مكانًا محايدًا لنقل المعرفة، بل أصبحت حقل صراع رمزي، يتقاطع فيه المجتمع بكل تناقضاته وهشاشاته. لم يعد السؤال التربوي تقنيًا، بل أصبح سؤالًا وجوديًا: هل ما يزال بالإمكان أن توجد علاقة تربوية بالمعنى الذي نعرفه؟
ولتفهم عمق ما تبقّى من هذه العلاقة، سنقوم هنا بحفر أركيولوجي لمساراتها المهدورة، محاولين الكشف عن بقايا المعنى ضمن انهيار البنية التربوية.
#ما_تبقّى_من_العلاقة_التربوية_في_زمن_ما_بعد_الحداثة
#مقاربة_في_الحفر_الأركيولوجي
1. من المربّي إلى المروّض: حين تفقد الوظيفة معناها
الواقع الميداني يكشف عن تحوّل جوهري في طبيعة الدور التربوي. لم يعد المعلّم مربّيًا يصوغ القيم، ولا حتى مدرّسًا ينقل المعارف ضمن نسق واضح. بل صار—بتأثير ضغط الواقع الاجتماعي والسياسي—أقرب إلى مروّض: يدير سلوكًا أكثر مما يبني معنى، يراقب أجسادًا أكثر مما يفتح العقول. هذا التحوّل ليس فشلًا فرديًا، بل أثر لانهيار أوسع: حين تفقد المعرفة قيمتها كأفق مشترك، وحين تصبح السلطة مشروعية بلا أساس، يتحوّل الفعل التربوي إلى مجرد ضبط إجرائي للسلوك. لم يعد المعلّم حاملًا لرأسمال رمزي معترف به (Bourdieu, 1970)، بل أصبح فاعلًا هشًّا، يحاول فرض الحد الأدنى من النظام داخل فضاء لم يعد يعترف بقواعده.
2. علاقة منكشفة: من سلطة صامتة إلى رفض معلن
كانت العلاقة التربوية تعتمد على توازن ضمني: سلطة تُمارس دون مساءلة، وقبول لا يحتاج إلى تفسير دائم. لكن هذا التوازن انهار. اليوم، لا يرفض التلميذ المعرفة في ذاتها، بل يرفض الطريقة التي تُفرض بها والسلطة التي تُغلفها. لقد انكشف ما كان مخفيًا: كل علاقة معرفة تحمل في داخلها علاقة قوة (Foucault, 1969). ولم تعد العلاقة شفافة، بل أصبحت مشحونة بالشك بدل الثقة، والمقاومة بدل الامتثال، والتفاوض المستمر حول من يملك الحق في تعريف ما هو "صحيح" أو "مفيد". الصراع الرمزي صار هو الجوهر، والمعرفة مجرد ساحة تصادم.
3. التلميذ كمرآة لانفجار المجتمع:
ما يُسمّى اليوم فوضى، عنفًا أو لاانضباط، ليس طارئًا أو انعكاسًا لشخصية ضعيفة، بل هو تجسيد لتحوّل أعمق في المجتمع. التلميذ اليوم ليس “همجيًا” أخلاقيًا، بل هو نتاج سياق اجتماعي تفككت فيه آليات الضبط وتراجعت فيه المرجعيات الثابتة. يحمل معه: عنف الشارع، هشاشة الأسرة، تشظّي المعنى في الإعلام والفضاء الرقمي. فقدت المدرسة احتكارها للتنشئة، وأصبحت مجرد فاعل ضمن شبكة معقدة من التأثيرات المتضاربة، حيث لم تعد أي سلطة قادرة على فرض نفسها كمرجعية نهائية (Lyotard, 1979). التلميذ صار مرآة المجتمع، وبصورة ما، مؤشّر على انهيار المشروع التربوي نفسه.
4. الدولة والإعلام: تقويض بارد للسلطة التربوية
هذا التفكك لا يحدث في فراغ. الدولة، بإصلاحاتها المتقطعة وخطاباتها المتكررة دون أثر حقيقي، ساهمت في إفراغ المدرسة من مشروعها المركزي. المعلّم أصبح معلّقًا بين تعليمات متناقضة، وانتظارات لم تُلبَّ. أما الإعلام، فقد أعاد تشكيل صورة المعلّم، ليس كفاعل رمزي يحظى بالاحترام، بل كموضوع للسخرية، أو التعاطف السلبي. وهكذا، لم تُقوَّض سلطة المعلّم داخل القسم فحسب، بل خارج القسم أيضًا، ليجد نفسه مواجهة تمثلات اجتماعية كاملة، سابقة على الدخول إلى الفصل.
5. المدرسة كفضاء للمحاكاة: حين يستمر الشكل ويموت المعنى
رغم كل هذا، تستمر المدرسة في تقديم الدروس، إجراء الاختبارات، وتسجيل الأعداد. لكنها تستمر شكليًا فقط، بينما يتحلل العمق التربوي. العملية التعليمية صارت أقرب إلى محاكاة طقوس التعليم، دون أن تُنتج أثرها الحقيقي (Baudrillard, 1981). القسم لم يعد مكانًا للتعلم بقدر ما أصبح مسرحًا لتمثيل فعل التعليم. والمعلّم لم يعد يمارس سلطة حقيقية، بل يعيد تمثيلها كقناع اجتماعي، يعيد إنتاج الشكل دون المعنى.
6. ما تبقّى: الأثر، لا البنية
ورغم هذا التفكك الهيكلي، لا تختفي العلاقة التربوية تمامًا. بل تبقى كأثر هزيل، يظهر في لحظات نادرة: لحظة فهم حقيقي، تفاعل صادق، اعتراف متبادل. لكنها لحظات غير مضمونة وغير قابلة للتكرار. العلاقة لم تعد بنية مستقرة، بل احتمال هشّ، كوميض خاطف في ظلمة مدرسة بلا أفق واضح.
خاتمة: هل انتهت العلاقة التربوية كما عرفناها؟
الحفر العميق يكشف عن تحوّل جذري، لا أزمة ظرفية. المعلّم تحوّل من مربٍّ إلى مدرّس إلى مروّض. المدرسة تحوّلت من فضاء للمعنى إلى فضاء لإدارة التوتر. المسؤولية توزعت بين مجتمع متفكك، دولة مرتبكة، وإعلام يعيد تشكيل الرموز بطريقة تقوّضها. السؤال لم يعد: كيف نُصلح العلاقة التربوية؟ بل أصبح أكثر عمقًا:
هل ما نعيشه اليوم أزمة ضمن النموذج نفسه، أم أننا خرجنا بالفعل من النموذج التربوي الذي نعتقد أننا ما زلنا نعمل داخله؟
المراجع:
1. Bourdieu, P. (1970). La reproduction. Paris: Minuit.
2. Foucault, M. (1969). L’archéologie du savoir. Paris: Gallimard.
3. Lyotard, J.-F. (1979). La condition postmoderne. Paris: Minuit.
4. Morin, E. (1999). La tête bien faite. Paris: Seuil.
5. Meirieu, P. (2001). L’école, mode d’emploi. Paris: ESF.
6. Baudrillard, J. (1981). Simulacres et simulation. Paris: Galilée.
ما تبقّى من العلاقة التربوية في زمن ما بعد الحداثة: مقاربة في الحفر الأركيولوجي
2026-04-01
17 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال