بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

علوم التربية بين الهوية والانتماء والسلطة: مسيرة قرن من البحث عن الشرعية

2026-03-23 38 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
قبل أن تتحول التربية إلى موضوع للبحث الأكاديمي المنظم، كانت ممارسة اجتماعية وثقافية متجذرة في الحياة اليومية. فقد اضطلعت الأسرة، والمؤسسات الدينية، والفضاءات الثقافية بدور محوري في نقل القيم والمعارف والمهارات من جيل إلى آخر، دون الحاجة إلى إطار علمي مستقل يؤطر هذه العملية. كانت التربية آنذاك جزءًا من النسيج الاجتماعي، لا موضوعًا منفصلًا عنه.
غير أن التحولات الفكرية والعلمية التي عرفها العالم منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أعادت طرح التربية بوصفها ظاهرة معقدة تستدعي الدراسة العلمية. ومن هنا بدأ تشكل علوم التربية كحقل معرفي يسعى إلى فهم العملية التربوية وتحليلها بأدوات منهجية. غير أن هذا التأسيس لم يكن خاليًا من الإشكالات، إذ سرعان ما برزت أسئلة تتعلق بهوية هذا الحقل، وانتمائه المعرفي، وعلاقته بالسلطة التي تنتج الخطاب التربوي وتوجه السياسات التعليمية.
في هذا السياق، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل مسار علوم التربية من خلال ثلاث إشكاليات مركزية: الهوية، والانتماء المعرفي، وعلاقة المعرفة بالسلطة، وذلك بهدف فهم موقع هذا الحقل ضمن خريطة العلوم الإنسانية والاجتماعية.




علوم التربية بين الهوية والانتماء والسلطة: مسيرة قرن من البحث عن الشرعية




1. إشكالية الهوية: علم ناشئ يبحث عن ذاته

منذ نشأتها، واجهت علوم التربية صعوبة في تحديد هويتها العلمية. فهي لا تستند إلى موضوع محدد وثابت كما هو الحال في العلوم الطبيعية، ولا تنتمي بشكل كامل إلى أحد فروع العلوم الإنسانية التقليدية. ويرجع ذلك إلى طبيعة موضوعها، أي الظاهرة التربوية، التي تتسم بالتعقيد وتداخل الأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية.
في هذا الإطار، يؤكد إميل دوركايم أن التربية ظاهرة اجتماعية تُفهم ضمن سياقها المجتمعي، حيث تمارس المدرسة دورًا أساسيًا في تشكيل الأفراد وفق قيم المجتمع (Durkheim, 1922). في المقابل، يرى جون ديوي أن التعليم لا يختزل في نقل المعرفة، بل يمثل تجربة حية تقوم على التفاعل والخبرة (Dewey, 1938). ويعكس هذا التعدد في المقاربات صعوبة اختزال التربية في تعريف واحد أو إطار نظري موحد.
ورغم تطور الحقل وظهور مؤسساته الأكاديمية، ظل سؤال الهوية مفتوحًا، بل ازداد تعقيدًا مع توسع مجالات البحث وتعدد المقاربات.

2. الانتماء المعرفي: حقل عند تقاطع التخصصات

يرتبط سؤال الهوية ارتباطًا وثيقًا بإشكالية الانتماء المعرفي. ففي بعض التقاليد، تُصنّف علوم التربية ضمن العلوم الاجتماعية، بالنظر إلى اهتمامها بالمؤسسات التعليمية وعلاقتها بالبنية الاجتماعية، بينما تُدرج في تقاليد أخرى ضمن علم النفس، باعتبار أن التعلم يمثل جوهر العملية التربوية.
في هذا السياق، يبرز إسهام جان بياجيه الذي ربط التعلم بمراحل النمو المعرفي لدى الطفل (Piaget, 1970)، في حين شدد ليف فيغوتسكي على البعد الاجتماعي للتعلم، معتبرًا أن المعرفة تُبنى من خلال التفاعل داخل سياقات ثقافية (Vygotsky, 1978).
إن هذا التعدد لا يعكس فقط تنوعًا في المقاربات، بل يكشف عن طبيعة علوم التربية كحقل متعدد التخصصات. غير أن هذا التعدد يطرح في الآن ذاته سؤالًا نقديًا: هل يمثل هذا التداخل مصدر غنى، أم مؤشرًا على غياب إطار نظري مستقل؟

3. المعرفة والسلطة: إنتاج الخطاب التربوي

لا يمكن فهم تطور علوم التربية بمعزل عن علاقتها بالسلطة. فكما يبين ميشيل فوكو، لا تُنتج المعرفة في فراغ، بل تتشكل داخل أنظمة خطابية تحدد ما يمكن قوله وما يجب استبعاده (Foucault, 1975).
وينعكس ذلك بوضوح في المجال التربوي، حيث تتأثر المناهج والبرامج التعليمية بالتصورات الرسمية لدور المدرسة. كما يوضح بازل برنشتاين أن أنماط الخطاب داخل المدرسة ترتبط بالبنية الاجتماعية، وأن بعض أشكال اللغة تمنح امتيازًا ضمنيًا لفئات معينة (Bernstein, 1975).
وبذلك، تصبح المدرسة فضاءً تتقاطع فيه المعرفة مع السلطة، ويتحول الخطاب التربوي إلى أداة لإعادة إنتاج اختيارات اجتماعية وسياسية محددة.
ويتجلى هذا التداخل بين المعرفة والسلطة بشكل ملموس في الواقع المدرسي التونسي، حيث لا يقتصر دور المعلم على نقل المعرفة، بل يجد نفسه في كثير من الأحيان مطالبًا بالامتثال لتوجيهات بيداغوجية ومقاربات رسمية محددة سلفًا، حتى وإن لم تنسجم دائمًا مع واقع القسم أو مستوى التلاميذ. ففي ممارسات التقييم مثلًا، تُفرض أنماط موحدة تقيس ما هو قابل للقياس فقط، بينما تُهمَّش الأبعاد النقدية والإبداعية للتعلم. كما أن الالتزام الحرفي بالبرامج الرسمية قد يحول الفعل التربوي إلى تنفيذ تقني، بدل أن يكون فعلًا تأويليًا يتفاعل مع خصوصية السياق. في هذا المستوى، لا يعود الخطاب التربوي مجرد معرفة محايدة، بل يتحول إلى آلية تنظيم وضبط، تعكس توازنات تتجاوز القسم لتلامس منطق السياسات التعليمية ذاتها.

4. المدرسة كآلية لإعادة إنتاج البنية الاجتماعية:

في امتداد لهذا التحليل، يبرز إسهام بيير بورديو وجان-كلود باسورون، اللذين بيّنا أن المدرسة لا تقتصر على نقل المعرفة، بل تسهم في إعادة إنتاج البنية الاجتماعية (Bourdieu & Passeron, 1970). فالمحتوى التعليمي وأنماط التقييم غالبًا ما تعكس الثقافة السائدة، مما يمنح أفضلية للمتعلمين المنتمين إلى نفس الخلفية الثقافية.
وفي السياق ذاته، ينتقد باولو فريري ما يسميه "التعليم البنكي"، حيث يُختزل المتعلم إلى متلقٍ سلبي (Freire, 1970)، بينما يدعو إيفان إيليتش إلى إعادة التفكير في المدرسة بوصفها مؤسسة قد تعيد إنتاج الهيمنة بدل تحرير الأفراد (Illich, 1971).

5. التحولات المعاصرة: بين المعرفة وسوق العمل

مع التحولات التي عرفها العالم في نهاية القرن العشرين، خاصة في ظل العولمة واقتصاد المعرفة، برزت رهانات جديدة أمام المدرسة. ففي هذا السياق، يؤكد فيليب ميريو أن التحدي لم يعد يقتصر على نقل المعارف، بل يتمثل في تمكين المتعلم من بناء فهمه الخاص (Meirieu, 1998).
غير أن هذه التحولات رافقها توجه متزايد نحو ربط التعليم بمتطلبات سوق العمل، وهو ما أثار نقاشًا نقديًا حول خطر اختزال التربية في بعدها الوظيفي، على حساب بعدها الإنساني والثقافي، وتحويل المدرسة تدريجيًا إلى فضاء لإنتاج الكفاءات بدل بناء المعنى.

خاتمة:

بعد أكثر من قرن على ظهورها، ما تزال علوم التربية تعيش حالة من التوتر الخلاق بين البحث عن الهوية، وتعدد الانتماءات المعرفية، وتأثير السلطة في إنتاج الخطاب التربوي. وهذا الوضع يجعلها حقلًا معرفيًا مفتوحًا على المراجعة والنقد المستمر.
غير أن هذا التوتر لا ينبغي اعتباره علامة ضعف، بل يمكن النظر إليه بوصفه أحد مصادر حيوية هذا الحقل العلمي. فالتربية نفسها ظاهرة اجتماعية متحركة تتغير بتغير المجتمعات والثقافات، ولذلك فإن العلوم التي تدرسها لا يمكن أن تكون جامدة أو مغلقة.
ولكن الأسئلة الكبرى تظل مفتوحة أمام هذا الحقل المعرفي:
هل ستنجح علوم التربية في ترسيخ شرعيتها العلمية بوصفها علمًا مستقلًا؟
أم ستظل دائمًا حقلًا يتشكل عند تقاطع العلوم الأخرى؟
وهل يمكن لعلوم التربية أن تحافظ على بعدها النقدي في مواجهة السلطة التي توجه السياسات التعليمية؟
أم أنها ستتحول تدريجيًا إلى خطاب تقني يركز على تحسين الأداء التعليمي دون مساءلة المعاني العميقة للتعليم؟
ربما يكمن مستقبل هذا الحقل العلمي في قدرته على الحفاظ على هذا التوتر الخلاق بين المعرفة والنقد، وبين التحليل العلمي والوعي الاجتماعي، فبقدر ما تنجح علوم التربية في فهم المدرسة بوصفها مؤسسة اجتماعية وثقافية معقدة، بقدر ما تستطيع أن تسهم في إعادة التفكير في معنى التربية نفسها داخل المجتمعات المعاصرة.

المراجع:

1. Bernstein, B. (1975). Class, Codes and Control. London: Routledge & Kegan Paul.

2. Bourdieu, P., & Passeron, J. C. (1970). La reproduction: léments pour une théorie du système d'enseignement. Paris: ditions de Minuit.

3. Dewey, J. (1938). Experience and Education. New York: Macmillan.

4. Durkheim, E. (1922). Education et Sociologie. Paris: Alcan.

5. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir: Naissance de la prison. Paris: Gallimard.

6. Freire, P. (1970). Pedagogy of the Oppressed. New York: Continuum.

7. Illich, I. (1971). Deschooling Society. New York: Harper & Row.

8. Meirieu, P. (1998). Apprendre… oui, mais comment?. Paris: ESF.

9. Piaget, J. (1970). Psychologie et pédagogie. Paris: Denoël.

10. Vygotsky, L. S. (1978). Mind in Society: The Development of Higher Psychological Processes. Cambridge, MA: Harvard University Press.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال