قبل أن تتحول التربية إلى موضوع للبحث الأكاديمي المنظم، كانت ممارسة اجتماعية وثقافية متجذرة في الحياة اليومية، تتولاها الأسرة، والمؤسسات الدينية، والفضاءات الثقافية المختلفة، بوصفها آلية طبيعية لنقل القيم والمعارف والمهارات من جيل إلى آخر. لم تكن التربية آنذاك موضوعًا مستقلًا، بل كانت جزءًا من النسيج الاجتماعي ذاته، تُمارَس ضمنه وتُفهم من داخله، دون حاجة إلى تأطير علمي منفصل.
غير أن التحولات الفكرية والعلمية التي شهدها العالم منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أعادت صياغة هذا المعطى، حيث برزت التربية بوصفها ظاهرة معقدة تستدعي الفهم والتحليل بأدوات منهجية دقيقة. ومن هنا بدأ تشكل علوم التربية كحقل معرفي يسعى إلى دراسة العملية التربوية، وضبط مفاهيمها، وتفسير آليات اشتغالها. غير أن هذا التأسيس، رغم أهميته، لم يكن خاليًا من التوترات، إذ سرعان ما ظهرت إشكاليات عميقة تتعلق بهوية هذا الحقل، وانتمائه المعرفي، وعلاقته بالسلطة التي تنتج الخطاب التربوي وتوجه السياسات التعليمية.
في هذا الإطار، تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك مسار علوم التربية من خلال ثلاث إشكاليات مركزية: إشكالية الهوية، وإشكالية الانتماء المعرفي، وإشكالية العلاقة بين المعرفة والسلطة، وذلك بهدف فهم موقع هذا الحقل ضمن خريطة العلوم الإنسانية والاجتماعية، واستجلاء حدوده وإمكاناته.
ومن هنا، يتضح أن مسار تشكّل علوم التربية لم يكن خطًا مستقيمًا، بل كان مسارًا متوترًا تحكمه أسئلة الهوية والانتماء وعلاقات القوة، وهو ما يدعونا إلى إعادة قراءته في ضوء هذه الإشكاليات:
علوم التربية بين الهوية والانتماء والسلطة: مسيرة قرن من البحث عن الشرعية
1. إشكالية الهوية: علم ناشئ يبحث عن ذاته
منذ نشأتها، واجهت علوم التربية صعوبة في تحديد هويتها العلمية. فهي لا تستند إلى موضوع ثابت ومحدد كما هو الحال في العلوم الطبيعية، ولا تنتمي بشكل كامل إلى أحد فروع العلوم الإنسانية التقليدية. ويعود ذلك إلى طبيعة موضوعها ذاته، أي الظاهرة التربوية، التي تتسم بالتعقيد والتداخل بين الأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية.
في هذا السياق، يؤكد إميل دوركايم أن التربية ظاهرة اجتماعية تُفهم ضمن سياقها المجتمعي، حيث تضطلع المدرسة بدور أساسي في تشكيل الأفراد وفق القيم السائدة (Durkheim, 1922). في المقابل، يرى جون ديوي أن التعليم لا يختزل في نقل المعارف، بل يمثل تجربة حية تقوم على التفاعل والخبرة (Dewey, 1938). ويكشف هذا التباين في التصورات عن تعددية في زوايا النظر، تجعل من الصعب اختزال التربية في تعريف واحد أو إطار نظري مغلق.
ورغم ما عرفه هذا الحقل من تطور مؤسساتي وأكاديمي، فإن سؤال الهوية لم يُحسم، بل ازداد تعقيدًا مع توسع مجالات البحث وتداخل المقاربات، الأمر الذي يجعل علوم التربية في حالة تشكل دائم، تبحث باستمرار عن توازن بين التحديد والانفتاح.
2. الانتماء المعرفي: حقل عند تقاطع التخصصات
يرتبط سؤال الهوية ارتباطًا وثيقًا بإشكالية الانتماء المعرفي. فعلوم التربية تتقاطع مع عدة تخصصات، من بينها علم الاجتماع، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا، والفلسفة، مما يجعل تصنيفها داخل حقل معرفي واحد أمرًا إشكاليًا.
فمن جهة، تُدرج ضمن العلوم الاجتماعية بالنظر إلى اهتمامها بالمؤسسات التعليمية وعلاقتها بالبنية الاجتماعية، ومن جهة أخرى، تُربط بعلم النفس لكون التعلم يمثل جوهر العملية التربوية. وفي هذا السياق، يبرز إسهام جان بياجيه الذي ربط التعلم بمراحل النمو المعرفي لدى الطفل (Piaget, 1970)، في حين شدد ليف فيغوتسكي على البعد الاجتماعي والثقافي لبناء المعرفة (Vygotsky, 1978).
غير أن هذا التعدد، رغم ما يوفره من غنى تفسيري، يطرح سؤالًا نقديًا لا يمكن تجاوزه: هل يعكس هذا التداخل قوة الحقل وقدرته على استيعاب التعقيد، أم يكشف عن عجزه عن بناء إطار نظري مستقل؟ بعبارة أخرى، هل نحن أمام علم متعدد الأبعاد، أم أمام حقل لم يستكمل بعد شروط استقلاله المعرفي؟
3. المعرفة والسلطة: إنتاج الخطاب التربوي
لا يمكن فهم تطور علوم التربية بمعزل عن علاقتها بالسلطة. فكما يبين ميشيل فوكو، لا تُنتج المعرفة في فراغ، بل تتشكل داخل أنظمة خطابية تحدد ما يمكن التفكير فيه وما ينبغي استبعاده (Foucault, 1975). ومن هذا المنظور، لا يكون الخطاب التربوي مجرد انعكاس محايد للواقع، بل يصبح جزءًا من آليات تنظيمه وضبطه.
ويظهر ذلك بوضوح في المجال التربوي، حيث تتأثر المناهج والبرامج والتوجهات البيداغوجية بالتصورات الرسمية لدور المدرسة ووظائفها. كما يوضح بازل برنشتاين أن أنماط الخطاب داخل المدرسة ترتبط بالبنية الاجتماعية، وأن بعض أشكال اللغة والمعرفة تمنح امتيازًا ضمنيًا لفئات دون أخرى (Bernstein, 1975).
وفي الواقع المدرسي التونسي، يتجلى هذا التداخل بشكل ملموس، حيث يجد المعلم نفسه، في كثير من الأحيان، أمام مفارقة دقيقة: فهو مطالب من جهة بتفعيل مقاربات بيداغوجية حديثة، ومن جهة أخرى بالامتثال لتوجيهات وبرامج محددة سلفًا، قد لا تنسجم دائمًا مع خصوصيات القسم وسياق التعلم. وفي ممارسات التقييم، تُعطى الأولوية لما هو قابل للقياس، بينما تُهمَّش الأبعاد النقدية والإبداعية، مما يحول الفعل التربوي تدريجيًا إلى تنفيذ تقني أكثر منه ممارسة تأويلية واعية.
في هذا المستوى، لا يعود الخطاب التربوي مجرد أداة للفهم، بل يتحول إلى آلية للضبط والتنظيم، تعكس توازنات تتجاوز الفضاء المدرسي لتلامس منطق السياسات التعليمية واختياراتها العميقة.
4. المدرسة وإعادة إنتاج اللامساواة: حين تتحول المعرفة إلى امتياز
في امتداد لهذا التحليل، يبرز إسهام بيير بورديو وجان-كلود باسورون، اللذين بيّنا أن المدرسة لا تقتصر على نقل المعرفة، بل تسهم في إعادة إنتاج البنية الاجتماعية (Bourdieu & Passeron, 1970). فالمضامين التعليمية وأنماط التقييم لا تُبنى في فراغ، بل تعكس ثقافة مهيمنة، تمنح أفضلية ضمنية للمتعلمين الذين يمتلكون نفس الرصيد الثقافي.
وفي السياق ذاته، ينتقد باولو فريري ما يسميه "التعليم البنكي"، حيث يُختزل المتعلم إلى متلقٍ سلبي، تُودَع فيه المعارف دون أن يُمنح فرصة مساءلتها أو إعادة بنائها (Freire, 1970). كما يدعو إيفان إيليتش إلى إعادة التفكير في المدرسة بوصفها مؤسسة قد تعيد إنتاج الهيمنة بدل أن تكون أداة للتحرر (Illich, 1971).
وعليه، لا تبدو المدرسة فضاءً محايدًا كما يُفترض، بل مجالًا تتقاطع فيه المعرفة مع علاقات القوة، حيث يمكن للتعلم أن يتحول، في غياب الوعي النقدي، من أداة للتحرر إلى آلية لإعادة إنتاج اللامساواة.
5. التحولات المعاصرة: بين بناء المعنى ومنطق السوق
مع التحولات التي عرفها العالم في أواخر القرن العشرين، خاصة في ظل العولمة وصعود اقتصاد المعرفة، برزت رهانات جديدة أمام المدرسة. ففي هذا السياق، يؤكد فيليب ميريو أن التحدي لم يعد يقتصر على نقل المعارف، بل يتمثل في تمكين المتعلم من بناء فهمه الخاص (Meirieu, 1998).
غير أن هذه التحولات رافقها توجه متزايد نحو ربط التعليم بمتطلبات سوق العمل، وهو ما أدى إلى إعادة تعريف وظيفة المدرسة تدريجيًا، من فضاء لبناء الإنسان والمعنى، إلى فضاء لإنتاج الكفاءات القابلة للتوظيف. ويطرح هذا التحول إشكالًا عميقًا: إلى أي حد يمكن للتربية أن تحافظ على بعدها الإنساني والثقافي، في ظل تصاعد منطق النجاعة والجدوى الاقتصادية؟
خاتمة:
بعد أكثر من قرن على تشكلها، ما تزال علوم التربية تعيش توترًا بنيويًا خلاقًا بين البحث عن هوية مستقلة، والانفتاح على تعددية الانتماءات المعرفية، والتأثر المستمر بأنظمة السلطة التي توجه الخطاب التربوي. وهذا الوضع لا ينبغي النظر إليه بوصفه علامة ضعف، بل باعتباره أحد شروط حيوية هذا الحقل، الذي يشتغل على ظاهرة اجتماعية متحركة تتغير بتغير المجتمعات والثقافات، بما يجعل العلوم التي تدرسها بدورها غير قابلة للانغلاق أو الاكتمال النهائي.
غير أن ما يفرض نفسه اليوم لم يعد يقتصر على فهم هذا التوتر، بل يتجاوز ذلك إلى ضرورة اتخاذ موقف منه. فإما أن تظل علوم التربية حقلًا نقديًا قادرًا على مساءلة السياسات والخطابات، وكشف ما يتخفى خلفها من اختيارات معرفية واجتماعية، وإما أن تنزلق تدريجيًا نحو وظيفة تقنية تختزل التربية في تحسين الأداء ورفع المردودية، دون مساءلة المعنى أو مساءلة الغايات.
وفي هذا الأفق، تظل الأسئلة الكبرى مفتوحة بإلحاح: هل ستنجح علوم التربية في ترسيخ شرعيتها بوصفها علمًا مستقلًا قائم الذات؟ أم ستظل حقلًا يتشكل عند تقاطع العلوم الأخرى دون أن يمتلك حدوده الخاصة؟ وهل تستطيع الحفاظ على بعدها النقدي في مواجهة السلطة التي توجه السياسات التعليمية؟ أم أنها ستتحول إلى خطاب إجرائي يواكب الإصلاحات دون أن يفكر فيها؟
ربما لا يكمن مستقبل علوم التربية في حسم هذه الأسئلة بقدر ما يكمن في قدرتها على إبقائها مفتوحة، وعلى تحويل هذا الانفتاح إلى أداة للفهم والنقد معًا. فبقدر ما تنجح في قراءة المدرسة بوصفها مؤسسة اجتماعية وثقافية معقدة، بقدر ما تستطيع أن تسهم، لا فقط في تطوير الممارسات التربوية، بل في إعادة التفكير في معنى التربية نفسها داخل المجتمعات المعاصرة.
المراجع:
1. Bernstein, B. (1975). Class, Codes and Control. London: Routledge & Kegan Paul.
2. Bourdieu, P., & Passeron, J. C. (1970). La reproduction: léments pour une théorie du système d'enseignement. Paris: ditions de Minuit.
3. Dewey, J. (1938). Experience and Education. New York: Macmillan.
4. Durkheim, E. (1922). Education et Sociologie. Paris: Alcan.
5. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir: Naissance de la prison. Paris: Gallimard.
6. Freire, P. (1970). Pedagogy of the Oppressed. New York: Continuum.
7. Illich, I. (1971). Deschooling Society. New York: Harper & Row.
8. Mirieu, P. (1998). Apprendre… oui, mais comment?. Paris: ESF.
9. Piaget, J. (1970). Psychologie et pédagogie. Paris: Denoël.
10. Vygotsky, L. S. (1978). Mind in Society: The Development of Higher Psychological Processes. Cambridge, MA: Harvard University Press.
علوم التربية بين الهوية والانتماء والسلطة: مسيرة قرن من البحث عن الشرعية
2026-03-23
74 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال