بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

قرن من علوم التربية: بين أضواء التنظير وظلال الفعل المخفي - رحلة نقدية عبر مئة عام من الخطاب التربوي: هل صاغت النظرية الواقع أم أخفت الفعل الحقيقي؟

2026-03-20 31 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
قبل أن تتحول علوم التربية إلى مجال أكاديمي رسمي، كانت التربية جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، تُمارَس داخل الأسرة، وتُبنى في الفضاءات التقليدية، وتتشكل عبر التفاعل المباشر بين الأفراد. لم تكن التربية مجرد نقل للمعرفة، بل كانت خبرة اجتماعية مركبة، تتداخل فيها القيم بالمهارات، والتجربة بالفعل، والمعنى بالسياق.
في هذا المستوى، لم يكن هناك فصل بين المعرفة والفعل، لأن الفعل ذاته كان حاملًا لمعناه. لم يكن التعلم موضوعًا للتفسير، بل تجربة تُعاش داخل شبكة من العلاقات الاجتماعية والثقافية.
ومن هنا ينبثق السؤال المركزي:
إلى أي حد نجحت النظريات التربوية في تمثيل هذا الواقع، وإلى أي حد أعادت بناءه داخل خطاب أكاديمي قد يُخفي أكثر مما يُظهر؟


قرن من علوم التربية: بين أضواء التنظير وظلال الفعل المخفي - رحلة نقدية عبر مئة عام من الخطاب التربوي: هل صاغت النظرية الواقع أم أخفت الفعل الحقيقي؟
هو

1. أضواء التنظير: من الفعل إلى النموذج

مع بداية القرن العشرين، بدأت علوم التربية تتشكل كحقل معرفي مستقل، مستندة إلى الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع (Dewey, 1916). في هذا السياق، قدّم ديوي تصورًا للتعلم قائمًا على التجربة وربط المدرسة بالمجتمع.
غير أن هذا التأسيس دشّن تحولًا عميقًا: نقل التربية من فضاء الممارسة المفتوحة إلى فضاء النمذجة. لم يعد السؤال: ماذا يحدث في القسم؟ بل: كيف يجب أن يحدث؟
مع المدرسة السلوكية (Watson, 1913)، تم اختزال التعلم في أنماط سلوكية قابلة للملاحظة والقياس، مما منح التربية طابعًا علميًا، لكنه في المقابل استبعد الأبعاد غير القابلة للقياس: المعنى، السياق، والتجربة الذاتية.
لاحقًا، مع بياجيه (Piaget, 1936) وفيغوتسكي (Vygotsky, 1978)، أُدخل البعد البنائي والتفاعلي، حيث أصبح التعلم عملية داخلية واجتماعية. غير أن هذا التطور ظل وفياً لمنطق النمذجة، حيث تم تنظيم التعلم داخل مراحل وأنماط عامة.
هكذا، بدأت أضواء التنظير في إنتاج نموذج مثالي للفعل التربوي: منظم، قابل للتفسير، لكنه منفصل تدريجيًا عن التعقيد الميداني (Bourdieu, 1977).

2. ظلال الفعل المخفي: الممارسة كمعرفة منتجة

بعيدًا عن النماذج الرسمية، يتكشف داخل الأقسام عالم آخر من التربية، عالم غير مكتوب، يتشكل عبر التفاعل اليومي. المعلم يواجه وضعيات غير متوقعة، يبتكر حلولًا فورية، ويعيد تشكيل الدرس وفق السياق، بينما يتعلم التلاميذ عبر التجربة والتفاعل (Ferguson, 1989).
في هذا المستوى، لا تكون الممارسة تطبيقًا، بل إنتاجًا مستمرًا للمعرفة.
ومن ثم، لا يعود المعلم مجرد منفذ، بل يتحول إلى فاعل إبستمولوجي، ينتج معرفة عملية ضمنية لا تُدوَّن، لكنها تُمارَس. هذه المعرفة تتشكل في قلب الفعل، وتنبع من الاحتكاك المباشر بالواقع.
هذا ما يجعل الفعل التربوي أقرب إلى نسق ثقافي حيّ (Levi-Strauss, 1962)، حيث تتداخل المعاني داخل شبكة من العلاقات، ويتحقق التعلم عبر التفاعل لا عبر الامتثال.
غير أن هذه المعرفة، رغم مركزيتها، تظل مهمشة داخل الحقل الأكاديمي.

3. من الإخفاء إلى إنتاج الوهم: أزمة النمذجة

عند تحليل الخطاب التربوي، يتضح أن النظريات لم تكتفِ بمحاولة تفسير الواقع، بل أعادت بناءه داخل نسقها الخاص (Foucault, 1985).
في هذا السياق، لا يتعلق الأمر فقط بإخفاء الفعل التربوي، بل بإنتاج ما يمكن تسميته بـ**"الوهم التربوي"**: حيث يُقدَّم التعليم كنسق عقلاني منظم، بينما هو في الواقع مجال للتوتر والتكيف المستمر.
في هذا الوهم، يصبح النموذج معيارًا، وتتحول الممارسة إلى انحراف. وهنا لا يكمن الخلل في التطبيق، بل في طبيعة النموذج ذاته.
هذا الاختزال يتعارض مع ما يطرحه إدغار موران في إطار الفكر المركب (Morin, 1990)، حيث يؤكد أن الظواهر الإنسانية لا يمكن فهمها إلا من خلال ترابطها وتعقيدها. فالتربية ليست نظامًا خطيًا، بل شبكة من التفاعلات المتداخلة، حيث يتقاطع النفسي بالاجتماعي، والمعرفي بالثقافي، والرسمي بالضمني.
ومن ثم، فإن كل محاولة لنمذجة الفعل التربوي خارج هذا التعقيد، لا تؤدي فقط إلى تبسيطه، بل إلى إنتاج صورة وهمية عنه.
في المقابل، يؤكد باولو فريري (Freire, 1970) أن التعلم لا يتحقق عبر نقل المعرفة، بل عبر التفاعل النقدي مع الواقع، مما يعيد الاعتبار للممارسة اليومية كفضاء لإنتاج المعرفة.

4. قرن من التراكم: معرفة تتقدم… وواقع يتفلت

على مدار القرن الماضي، راكمت علوم التربية خبرات معرفية ونظرية هائلة، مع كل محاولة لتفسير التعلم وإنتاج نماذج منه. لكن هذا التراكم لم يكن خطيًا، ولم يقارب الواقع بالبساطة التي تصورها النموذج الأكاديمي.

*الفترة 1900–1930: شهدت هذه المرحلة ولادة المدرسة السلوكية، حيث تم ضبط التعلم ضمن سلوكيات قابلة للملاحظة والقياس (Watson, 1913). في هذا الإطار، بدا التعلم قابلاً للرقابة والتنظيم، لكن الفعل اليومي داخل الأقسام ظل أكثر غنى وتعقيدًا، إذ كان المعلم يبتكر حلولًا لحالات لم يتصورها أي نموذج، والتلميذ يتعلم بطريقة تفاعلية لا يمكن اختزالها في مجرد استجابة للمثيرات.

*الفترة 1930–1960: برزت المقاربات البنائية والتفاعلية، مع بياجيه (Piaget, 1936) وفيغوتسكي (Vygotsky, 1978)، التي حاولت وصف مراحل النمو العقلي وربط التعلم بالسياق الاجتماعي. رغم هذه الإضافة، ظل الواقع المدرسي يتفلت من أي حصر، فكل صف درس كان يحمل خصوصياته، وتجارب التلاميذ تختلف باختلاف البيئة، الثقافة، وطبيعة المعلم نفسه.

*الفترة 1960–1980: ظهر النقد الاجتماعي والتربوي، مع بورديو (Bourdieu, 1977) وفريري (Freire, 1970)، ليكشفا عن أبعاد القوة والهيمنة داخل المدرسة، وعن دور الممارسة اليومية في إنتاج معرفة ضمنية. هذه النظريات أضافت عمقًا، لكنها لم تُغلق الفجوة: فالواقع يبقى أكثر تعقيدًا من أي تحليل مجرد.

*الفترة 1980–2000: توسعت الدراسات في مجالات الفروق الفردية وقدرات التعلم المختلفة (Gardner, 1983; Bandura, 1977). أظهرت هذه المرحلة أن التعلّم ليس واحدًا، وأن السياق يلعب دورًا أساسيًا، لكن التطبيقات العملية غالبًا ما كانت تفلت من أطر هذه النماذج، إذ أن كل تلميذ وكل صف له نسقه الخاص.

*الفترة 2000–2025: شهدت محاولات ربط النظرية بالميدان عبر البحوث التربوية التجريبية، وظهور اهتمام بالمعرفة العملية للمعلم. مع ذلك، يظل الواقع التربوي أكثر مرونة وتعقيدًا من أي نموذج: التعلم يحدث في تفاعل مستمر، تتقاطع فيه الأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية، وتتداخل المعرفة الرسمية بالمعرفة الضمنية، كما يشير إدغار موران (Morin, 1990) إلى ضرورة فهم التربية من منظور التعقيد والترابط، لا من منظور الخطية والنمذجة فقط.
في هذا السياق، يظهر بوضوح أن الفجوة بين التراكم النظري والواقع الميداني ليست نتيجة قصور في البحث وحده، بل طبيعة الواقع ذاته الذي يرفض الاختزال. كل تقدم معرفي يضيف أدوات للتفسير، لكنه لا يحل محل الخبرة اليومية، ولا يعكس تمامًا ديناميكية الفعل التربوي. بالتالي، ما زال القرن الأخير درسًا في أن المعرفة تتقدم، بينما الواقع يظل يتحرك بحرية، منتجًا أشكالًا جديدة من التعلم والتفاعل، التي تحتاج دائمًا إلى الاعتراف بها ضمن أي خطاب تربوي.

خاتمة: أزمة تطبيق أم أزمة اعتراف؟

بعد قرن من التنظير، لا يبدو أن الإشكال يكمن فقط في ضعف التطبيق، بل في طبيعة العلاقة بين النظرية والممارسة.
فبينما تسعى النظريات إلى تفسير الفعل التربوي، يواصل الواقع إنتاج أشكال جديدة من المعرفة لا تجد طريقها إلى الاعتراف الأكاديمي.
ربما لا يكون السؤال الحقيقي: كيف نُقرب النظرية من الواقع؟
بل:
هل نحن مستعدون للاعتراف بأن الواقع ذاته ينتج نظرياته الخاصة؟
بهذا المعنى، لا تعيش علوم التربية أزمة تطبيق، بل أزمة اعتراف:
اعتراف بالمعلم كفاعل إبستمولوجي،
وبالممارسة كفضاء لإنتاج المعرفة،
وبالتعقيد كشرط أساسي لفهم التربية.

المراجع:

1. Dewey, J. (1916). Democracy and Education.

2. Piaget, J. (1936). La naissance de l'intelligence chez l'enfant.

3. Bourdieu, P. (1977). La reproduction.

4. Vygotsky, L. (1978). Mind in Society.

5. Levi-Strauss, C. (1962). La pensée sauvage.

6. Ferguson, R. (1989). The Hidden Curriculum in Schools.

7. Foucault, M. (1985). Les mots et les choses.

8. Cohen, L. (1991). Research Methods in Education.

9. Freire, P. (1970). Pedagogy of the Oppressed.

10. Gardner, H. (1983). Frames of Mind.

11. Bandura, A. (1977). Social Learning Theory.

12. Morin, E. (1990). Introduction à la pensée complexe. Paris: Seuil

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال