ليس أعقد في سؤال إيران من تعدد طبقاته، ولا أخطر من اختزاله في طبقة واحدة. فحين نواجه ولاية الفقيه بوصفها “رأيًا فقهيًا”، نكون قد خفّفنا وزنها حتى فقدت معناها؛ وحين نواجهها بوصفها “مؤامرة سياسية” فقط، نكون قد غلّظنا صورتها حتى عجزنا عن فهمها. إنها، في حقيقتها، تركيب يتغذّى من أربعة منابع متداخلة: عقيدة الإمامة بما تحمله من مركزية للمرجعية، فقه النيابة بما يتيحه من نقلٍ للوظيفة من الغائب إلى الحاضر، ذاكرة تاريخية مثقلة بالهامشية والانتظار، ولحظة ثورية قررت أن تختصر الزمن وتحوّل المؤجّل إلى دولة. ومن هذا التركيب تولد شرعية لا تُستخرج من نص منفرد، بل تُبنى كنسق؛ نسق يدمج الدين بالدولة، ويعيد تعريف كليهما في ضوء الآخر.
في هذا النسق، لا يكون الفقيه مجرد مُفتٍ، بل حاملًا لوظيفة تتجاوز الإفتاء إلى التوجيه، ومن التوجيه إلى الحكم، ومن الحكم إلى إدارة مجال نفوذ يتجاوز الحدود. وهنا يتبدّل ميزان العلاقة بين الفقه والسياسة: لم يعد الفقه يقوّم السلطة فحسب، بل بات جزءًا من هندستها؛ ولم تعد السياسة تُدار كفن الممكن فقط، بل كامتدادٍ لرؤية كونية تُعطي للسلطة معنى رساليًا. لذلك، فإن البحث عن “دليل فقهي” يشرعن هذا البناء هو قراءة مجتزأة؛ لأن الدليل، إن وُجد، يعمل داخل منظومة تُعيد تعريفه وتُعيد ترتيب أولوياته. الشرعية هنا شبكة، لا نص؛ وبنية، لا فتوى.
غير أن هذا البناء لم ينغلق على ذاته. لقد تعلّم من تجارب أخرى في الفقه والسياسة والتنظيم. في مرونته تجاه توسيع صلاحيات الدولة، وفي قابليته لتغليب المصلحة والنظام العام، يقترب من روحٍ عرفتها مدارس واقعية في الفقه السياسي الإسلامي، حيث يُعاد تأويل النص لضبط الفوضى وتثبيت السلطة. وفي هندسته التنظيمية، في مركزيته وانضباطه، وفي قدرته على تحويل الفكرة إلى شبكة مؤسساتية عابرة للحدود، يتقاطع مع خبرات الحركات الإسلامية الحديثة التي صاغت خطابًا تعبويًا وبنت أذرعًا اجتماعية وسياسية. ثم يكتمل هذا كله بعقل استراتيجي يرى في الجغرافيا مجالًا مفتوحًا، وفي الشروخ الداخلية ممرات، وفي الشعارات الكبرى—نصرة المستضعفين، مقاومة الهيمنة—لغةً قابلة للترجمة إلى نفوذ ملموس.
من هنا، لا يمكن قراءة سلوك إيران الإقليمي بعيون واحدة. في بعض الملفات تبدو قوة ممانِعة تُقلق ترتيبات الهيمنة وتفتح هوامش لفاعلين محليين؛ وفي ملفات أخرى تبدو فاعلًا يُعيد تشكيل التوازنات الداخلية عبر دعم قوى بعينها، بما يترك أثرًا قاسيًا في ذاكرة جماعات أخرى. هذه الازدواجية ليست تناقضًا عرضيًا، بل نتيجة طبيعية لبنية تجمع بين الرسالي والبراغماتي، بين الهوية والمصلحة، بين المركز العقدي وحسابات الدولة.
ولذلك، فإن التجربة الميدانية تنطق بصوتين متقابلين. لدى قطاعات واسعة من السنّة في بؤر الصراع، يُقرأ الحضور الإيراني كقوة تُثقل الكفة ضدهم، وتُعمّق انكسارهم، وتُعيد تعريف الدولة لصالح شبكات موالية. وفي المقابل، لدى قطاعات من الشيعة، يُرى هذا الحضور كدرعٍ في بيئات مهشّمة، وكرافعةٍ تعيد التوازن حيث غاب. الحقيقة لا تستقر في أحد الصوتين، بل في التوتر بينهما؛ في تلك المسافة التي تكشف أن كل رواية تحمل نصف الصورة، وأن فهم النصفين شرطٌ لأي حكمٍ عاقل.
أما خارج بؤر الاشتعال، فإن السؤال يتخذ صيغة أكثر برودة وأشد خطورة: هل نحن أمام دولة تبحث عن أمنها في بيئة مضطربة، أم أمام مشروع يسعى إلى بناء مجال نفوذ ممتد عبر وصلات أيديولوجية-تنظيمية؟ الأقرب أننا أمام مزيجٍ مُحكَم: أمن قومي يُدار بأدوات غير تقليدية، ورؤية توسعية تُستثمر فيها الهويات والشبكات، وقدرة على التكيّف تجعل من كل ساحة حالة خاصة، ومن كل علاقة ميزانًا مستقلًا.
هنا ينهار السؤال الساذج: هل ننصر أم نرفض؟ فالنصرة المطلقة تُعمي، والرفض المطلق يُقصي الفهم. حتى المقولة المتداولة—أن نؤيد حيث يكون الحق ونعارض حيث يكون الظلم—تظل قاصرة إن بقيت معيارًا أخلاقيًا عامًا لا يُسند بمعرفة بنيوية. المطلوب ليس فقط أن نُحاكم الأفعال، بل أن نفهم الآلة التي تُنتجها، وأن نقرأ نواياها من خلال أنماط سلوكها، لا من خلال شعاراتها.
من هنا تبدأ الحاجة إلى تصورٍ استراتيجي لإدارة العلاقة، لا يقوم على ردود الفعل بل على بناء موقفٍ مركّب. هذا التصور ينطلق أولًا من تحرير الوعي: إدراك أن ولاية الفقيه منظومة كاملة، وأن التعامل معها يتطلب لغة مزدوجة—لغة قيم تحمي المجتمع من التوظيف، ولغة مصالح تحمي الدولة من الانكشاف. فلا يجوز أن نُسلّم بمرجعيتها العقدية خارج بيئتها، كما لا يجوز أن ننكر قدرتها على الفعل والتأثير.
ثم ينتقل إلى بناء استقلال القرار: علاقة لا تُدار بالارتهان لمحاور متقابلة، بل بميزان وطني يحدد أين يكون التقاطع ممكنًا وأين يصبح الافتراق ضرورة. في هذا الميزان، تُفتح قنوات التعاون حيث تتقاطع المصالح—في الاقتصاد، في الأمن، في كسر احتكارات الهيمنة—لكن تُحاط هذه القنوات بسقوف واضحة تمنع تحوّلها إلى نفوذ مهيمن أو تغوّل داخل النسيج المحلي.
ويقتضي هذا التصور كذلك تحصين الداخل قبل أي اصطفاف خارجي. فالهشاشة هي الباب الذي تدخل منه كل المشاريع، أياً كان مصدرها. حين تُبنى دولة عادلة، وتُدار التعددية بإنصاف، ويُعاد الاعتبار للمواطنة، تتراجع قابلية المجتمعات لأن تكون ساحةً لوكلاء الخارج. أما حين يغيب العدل، فإن كل خطاب حماية يجد آذانًا صاغية، وكل شبكة نفوذ تجد أرضًا رخوة.
كما يتطلب الأمر إدارة ذكية للحدود الرمزية: التمييز بين الديني والسياسي، بين الانتماء المذهبي والولاء الوطني. ليس المطلوب نفي الهويات، بل منع تحويلها إلى أدوات تعبئة عابرة للسيادة. وهذا يمر عبر خطاب عام يعترف بالتنوع دون أن يسمح له بأن يصبح قناة نفوذ خارجي، وعبر مؤسسات قوية تجعل من القانون المرجع الأعلى، لا من الروابط ما دون الدولة.
وفي الأفق الأوسع، يحتاج المشرق والمغرب معًا إلى رؤية تتجاوز الاستجابات المتفرقة. فالتعامل مع طموحٍ إقليمي لا يكون بجهود متناثرة، بل بتنسيقٍ يرفع كلفة الاختراق ويخفض إغراءاته. ليس المقصود اصطفافًا أعمى، بل حدًا أدنى من التفاهم على خطوط حمراء مشتركة: حماية السيادة، رفض عسكرة الهويات، ومنع بناء كيانات موازية داخل الدولة.
إن إدارة العلاقة مع إيران، ضمن هذا الفهم، ليست خيارًا بين ولاء وقطيعة، بل فنُّ الموازنة بين تقاطعات لا بد منها وتعارضات لا يمكن إنكارها. هي قدرة على أن نقول “نعم” حيث يخدم ذلك مجتمعاتنا، و“لا” حيث يهددها، دون أن نُخدع بالشعارات أو نُستدرج إلى معارك لا نملك شروطها. هي، في النهاية، انتقال من سؤال “مع من نقف؟” إلى سؤال أدق: “كيف نقف، وعلى أي أرض، وبأي كلفة، ولأي غاية؟”
هناك فقط، حين يتقدم الفهم على الانفعال، وتُبنى الاستراتيجية على معرفة لا على رغبة، يمكن أن تتحول العلاقة من عبءٍ يُفرض علينا إلى ملفٍ نُديره نحن، بوعيٍ يحمي مصالحنا ويصون كرامة مجتمعاتنا.
إيران في ميزان الحقيقة: مقاومة أم نفوذ مقنّع؟
2026-03-20
8 قراءة
مقالات رأي
حسام سعايدية
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال