قبل أن تتحول علوم التربية إلى مجال أكاديمي رسمي، لم تكن التربية موضوعًا للتنظير بقدر ما كانت ممارسة اجتماعية وثقافية متجذرة في الحياة اليومية. داخل الأسرة، وفي الكتاتيب، وفي الفضاءات الدينية، كانت التربية تُمارس بوصفها نقلًا حيًّا للمعرفة والقيم والمهارات عبر الأجيال. لم تكن مجرد فعل تعليمي تقني، بل تجربة مركبة تجمع بين التنشئة الاجتماعية، والتوجيه الأخلاقي، وبناء المعنى المشترك. في هذا السياق، لم تكن هناك حاجة لإعلان استقلال التربية كعلم، لأنها كانت جزءًا من نسيج الحياة نفسه. غير أن التحول إلى حقل أكاديمي أفرز مفارقة جوهرية: فبينما بدأت علوم التربية تعلن استقلالها المعرفي، كانت في الآن ذاته تتشكل عبر استعارة أدواتها ومفاهيمها من حقول أخرى. لكن بدل طرح هذا السؤال بشكل مباشر، يكشف الواقع التعليمي نفسه عن التوتر: مناهج موحدة تُفرض على سياقات غير متجانسة، تقييمات معيارية تدّعي القياس الدقيق بينما تعجز عن استيعاب الفروق الفعلية، وخطاب نظري يعد بالتحكم في التعلم بينما يبتكر المعلم يوميًا حلولًا خارج هذا الخطاب. من هنا لا يعود سؤال الاستقلال مطروحًا نظريًا، بل يُنتَج من داخل التناقضات الميدانية نفسها، وهو ما يدفع إلى إعادة فحص أسس هذا الحقل وحدود استقلاله المعرفي.
علوم التربية: بين الاستقلال المزعوم والتبعية الإبستمولوجية
من استعارة الأدوات إلى استعارة شروط إنتاج المعرفة – قراءة في الأركيولوجيا التربوية ومساراتها المتقاطعة
1. الأركيولوجيا التربوية: من تسمية المسكوت عنه إلى كشفه
حين نستحضر مفهوم الأركيولوجيا كما صاغه ميشيل فوكو (Foucault, 1969)، فنحن لا نبحث فقط عما يُقال، بل عمّا لا يُقال، عمّا يتم إقصاؤه من الخطاب وهو مع ذلك فاعل في الواقع. داخل المدرسة، لا يظهر هذا المسكوت عنه في النصوص الرسمية، بل في الممارسة اليومية: في التعديلات الصامتة التي يجريها المعلم، في التفاوض الضمني مع التلاميذ، في إعادة ترتيب الزمن البيداغوجي وفق إكراهات غير معلنة. فالمناهج تُقدَّم بوصفها صيغًا مكتملة، لكن تطبيقها يكشف عن اقتصاد خفي للممارسة؛ إذ يختزل المعلم أحيانًا درسًا لعدم ملاءمته، ويعيد صياغة المحتوى بلغة محلية، أو يبتكر تمارين خارج الكتاب المدرسي لتعويض نقص الفهم. هذه الممارسات لا تُوثَّق، لكنها هي التي تجعل التعلم ممكنًا، وهو ما يجعل الأركيولوجيا التربوية أداة لكشف طبقة خفية من الفعل التربوي، غير معترف بها نظريًا، لكنها مركزية عمليًا.
2. الاستقلال المزعوم: من خطاب الاستقلال إلى تبعية خفية
تعلن علوم التربية امتلاكها لأدواتها ومفاهيمها الخاصة، كما يظهر في الأدبيات الحديثة لدى جيروم برونر (Bruner, 1996)، غير أن تحليل الممارسة البحثية والتدريسية يكشف أن هذا الاستقلال أقرب إلى بناء خطابي منه إلى واقع إبستمولوجي. فما يُقدَّم كأدوات "تربوية" يتضح أنه إعادة توظيف لنماذج من علم النفس، ونقل لمفاهيم من علم الاجتماع، واستعارة لإشكالات فلسفية. غير أن الإشكال الأعمق هو أن علوم التربية لا تستعير الأدوات فقط، بل تستعير شروط إنتاج المعرفة نفسها، إذ تعتمد مناهج القياس النفسي، وأدوات التحليل السوسيولوجي، والأطر المعيارية الفلسفية كما هي. بذلك تصبح في وضع تبعية إبستمولوجية مزدوجة، تستعير المفاهيم ومنطق اشتغالها معًا. في الواقع المدرسي، يظهر هذا التوتر حين يُقدَّم التقييم الكمي كأداة علمية دقيقة، بينما يعجز عن تمثيل التعلم الفعلي، مما يكشف أن الاستقلال المعلن يخفي اعتمادًا بنيويًا على نماذج خارجية (Biesta, 2010).
3. الاستعارات المتوارثة: من التوظيف إلى الإزاحة
تعتمد علوم التربية الحديثة على استعارات معرفية كبرى مستمدة من علم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة؛ حيث يتم فهم التعلم بوصفه عملية ذهنية كما عند جان بياجيه (Piaget, 1972) وليف فيغوتسكي (Vygotsky, 1978)، وتحليل المدرسة كمؤسسة لإعادة الإنتاج الاجتماعي كما عند بيير بورديو (Bourdieu & Passeron, 1970)، وتحديد غايات التعليم ضمن أفق قيمي كما عند جون ديوي (Dewey, 1916). غير أن المشكلة لا تكمن في هذا التداخل، بل في تحوّل هذه الاستعارات إلى قوالب جاهزة تُسقط على الواقع؛ فبدل أن تفسر الممارسة، تعيد تشكيلها وفق منطقها. في الفصول الدراسية، يظهر ذلك حين تُفرض استراتيجيات مثل التعلم التعاوني في سياقات مكتظة ومحدودة الموارد، فتفشل لا لضعفها، بل لأن الإطار النظري المُستعار يزيح الواقع بدل أن يفسره، وهو ما حذّر منه باولو فريري (Freire, 1970).
4. مسارات المعرفة المتقاطعة: الممارسة كمصدر أول للمعنى
التربية ليست تطبيقًا للنظرية، بل فضاء تتقاطع فيه المعرفة مع التجربة، حيث يتشكل التعلم عبر تفاعل فوري وتأويلات متعددة وتفاوض مستمر حول المعنى. داخل هذا الفضاء، لا يطبق المعلم النظرية، بل يعيد إنتاجها ضمنيًا من خلال تبسيط المفاهيم، وابتكار أدوات بديلة، وإعادة تنظيم الزمن التعليمي وفق إيقاع التعلم الفعلي. هذه الممارسات تجعل من القسم فضاءً لإنتاج معرفة تربوية صامتة لكنها فعالة، وهو ما ينسجم مع تصور جون ديوي للتجربة بوصفها أساس التعلم (Dewey, 1938)، ومع نقد إيفان إيليتش للمؤسسة المدرسية حين تفقد اتصالها بالحياة (Illich, 1971). من هذا المنظور، تصبح الممارسة مصدرًا أوليًا للمعرفة، وتتحول النظرية إلى أداة تفسير لاحقة، لا إطارًا سابقًا.
خاتمة: علوم التربية كحقل في طور التشكل
تكشف القراءة الأركيولوجية لعلوم التربية عن وضع مزدوج يصعب تجاوزه بسهولة: خطاب يعلن الاستقلال، وممارسة تكشف التبعية؛ نظريات تسعى إلى الضبط، وواقع يقاوم كل أشكال الاختزال. بناءً على ذلك، لا يمكن التعامل مع علوم التربية بوصفها علمًا مستقلاً بالمعنى الصارم، بل باعتبارها حقلًا في طور التشكل، يعيش على توتر دائم بين استعارة المفاهيم وإنتاج المعنى من داخل الممارسة. إن هذا التوتر ليس علامة ضعف بقدر ما هو مؤشر على مرحلة انتقالية لم تُحسم فيها بعد شروط إنتاج المعرفة التربوية. ومن ثمّ، فإن مستقبل هذا الحقل لا يكمن في إنكار الاستعارة أو القطيعة مع العلوم المجاورة، بل في إعادة ترتيب العلاقة معها انطلاقًا من الواقع الميداني، حيث تصبح التجربة اليومية داخل القسم مصدرًا أوليًا للمعرفة، وتتحول النظرية إلى أداة تفسير لاحقة لا سلطة سابقة (Biesta, 2010; Freire, 1970). وفي هذا الأفق، تظل أسئلة جوهرية مفتوحة داخل صلب هذا المسار نفسه: كيف يمكن تحويل الممارسة التربوية اليومية إلى معرفة قابلة للتنظير دون فقدان خصوصيتها؟ وكيف يمكن لعلوم التربية أن تتحرر من تبعيتها الإبستمولوجية دون أن تنفصل عن العلوم المجاورة؟ وإلى أي حد تمثل الاستعارات المتوارثة عائقًا أمام فهم الواقع التعليمي المحلي؟ إن هذه الأسئلة لا تُطرح في نهاية التحليل بقدر ما تشكّل امتداده الطبيعي، وتحدد في الآن ذاته أفق إمكان تحوّل علوم التربية إلى حقل قادر على إنتاج معرفة أصيلة تنبع من خصوصية الفعل التربوي ذاته، لا من إسقاطات جاهزة عليه.
المراجع:
1. Biesta, G. (2010). Good Education in an Age of Measurement. Boulder: Paradigm Publishers.
2. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La Reproduction. Paris: ditions de Minuit.
3. Dewey, J. (1916). Democracy and Education. New York: Macmillan.
4. Dewey, J. (1938). Experience and Education. New York: Macmillan.
5. Foucault, M. (1969). L’archéologie du savoir. Paris: Gallimard.
6. Freire, P. (1970). Pedagogy of the Oppressed. New York: Continuum.
7. Illich, I. (1971). Deschooling Society. New York: Harper & Row.
8. Piaget, J. (1972). The Psychology of the Child. New York: Basic Books.
9. Vygotsky, L. (1978). Mind in Society. Cambridge, MA: Harvard University Press.
10. Bruner, J. (1996). The Culture of Education. Cambridge, MA: Harvard University Press.
علوم التربية: بين الاستقلال المزعوم والتبعية الإبستمولوجية- من استعارة الأدوات إلى استعارة شروط إنتاج المعرفة – قراءة في الأركيولوجيا التربوية ومساراتها المتقاطعة
2026-03-18
84 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال