بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

عقيدة البقاء والسيادة: من محرقة التبعية الغازية إلى إمبراطورية الشمس والتحرر المالي

2026-02-26 95 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
عقيدة البقاء والسيادة: من محرقة التبعية الغازية إلى إمبراطورية الشمس والتحرر المالي
نحن اليوم لا نتحدث عن مجرد أزمة تقنية في الأسلاك والمحولات أو عجز عابر في ميزانية الدولة بل نتحدث عن انتحار استراتيجي معلن نمارسه بدم بارد منذ عقود تحت وطأة تبعية طاقية مخجلة تجعل مصيرنا الوطني وإضاءة بيوتنا ودوران مصانعنا رهينة أنابيب تعبر الحدود وغاز
مستورد يلتهم أكثر من 90% من حاجتنا لإنتاج الكهرباء وهو ما يضع السيادة التونسية في غرفة العناية المركزة بانتظار عملية جراحية كبرى لا تحتمل التأجيل ولا تقبل التخدير الموضعي لأن الاستقلال في عالم اليوم ليس مجرد نشيد وعلم بل هو القدرة على التحكم في مفاتيح الطاقة التي هي عصب الحياة والقرار في الجغرافيا السياسية المعاصرة.
هذه العملية الجراحية التي أسميها القطع التام لا تعني بأي حال من الأحوال الانعزال أو إعلان العداء مع الجوار بل هي إعادة صياغة لعقيدة البقاء التونسية حيث تمتلك هذه الأرض ما أسميه الذهب الأصفر فوق الأرض أي ذلك الإشعاع الشمسي الذي يتجاوز 3000 ساعة سنوياً وهو كنز مهمل ومحاصر بأسلاك البيروقراطية ولوبيات الاستيراد التي تفضل الارتهان للخارج على التحرر من سطوة الغاز .
ولذلك فإن الثورة الحقيقية تبدأ بتفكيك هذا المزيج الطاقي العقيم لرفع حصة الطاقات المتجددة من فتات الـ 3% الحالي إلى 80% على المدى الطويل وتحويل كل سطح منزل وكل هكتار في صحرائنا إلى مفاعل طاقة لا مركزى يكسر احتكار الدولة العاجزة ويمنح المواطن حق إنتاج مصيره الكهربائي بيده.
إننا نقف على أعتاب عصر الهيدروجين الأخضر الذي يمثل نفط المستقبل بامتياز وتونس اليوم مصنفة ضمن العشرة الكبار القادرين على إنتاجه بتكلفة تنافسية تجعل منها إمبراطورية طاقة صاعدة لو أحسنت استغلال هذا المورد لتعويض الغاز في الصناعات الثقيلة من فسفاط وإسمنت بل والتحول من مجرد ممر للغاز يعيش على الفتات إلى مصدر للسيادة النظيفة نحو القارة الأوروبية العجوز التي تبحث بجوع عن بدائل طاقية خضراء.
هذا المسار يتطلب بالضرورة ثقافة كفاءة الطاقة حيث أن أغلى طاقة في العالم هي تلك التي نهدرها في مبانٍ تفتقر للعزل الحراري وشبكات نقل متهالكة تسرب أحلامنا قبل وصولها للمستهلك مما يستوجب فرض العزل الإجباري وتحديث الشبكة بذكاء اصطناعي يقلل الفاقد التقني ويضبط بوصلة الاستهلاك.
علاوة على ذلك فإن فك الارتباط بالتبعية يمر حتماً عبر ثورة التنقل الكهربائي لإنهاء سطوة النفط السائل الذي يستنزف العملة الصعبة وتحويل أساطيلنا إلى محركات تعمل بفيض الشمس مدعومة بتكنولوجيا تخزين عملاقة ومحطات ضخ وتربين تكسر تذبذب الطاقات المتجددة وتجعل الليل كالنهار في تدفق التيار تماماً كما سيفعل مشروع ELMED للربط مع إيطاليا والذي لا يجب أن نراه كمجرد سلك نحاسي بل كجسر استراتيجي يضعنا في قلب السوق القارية كلاعب لا كمجرد زبون.
لكن دعنا نكون صرحاء بعيداً عن لغة الأرقام الجافة فإن هذا التحول يصطدم بجدار برلين تونسي يتكون من لوبيات استيراد المحروقات التي تجني أرباحها من بقاء الوضع على ما هو عليه ومن عقلية بيروقراطية صدئة تكبل المستثمرين بتشريعات بالية تحتاج إلى زلزال تشريعي يحرر الطاقات ومن نقص التمويل الذي يتطلب دبلوماسية طاقية ذكية تجذب المليارات الدولية لتمويل هذه الانتقالة المصيرية.
إن استقلالنا عن الغاز الجزائري ليس طلاقاً عاطفياً بل هو نضج سياسي يحول الجزائر من مزود وحيد نخشى انقطاع إمداداته إلى شريك استراتيجي في سوق إقليمية متكاملة حيث نتبادل معهم الفائض والنقص بكرامة الندية لا بذل التبعية فمن يمتلك الشمس والريح في القرن الحادي والعشرين يمتلك ناصية التاريخ وتونس اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما إما أن تظل مستهلكاً لغاز الآخرين بانتظار المجهول أو أن تصبح منتجاً للضياء ومنارة للسيادة في حوض المتوسط وهذه هي الخارطة الوحيدة التي تضمن لنا البقاء في نادي الأحرار.
هذا المسار لا يمكن أن يكتمل أو يؤتي أكله دون تطهير الموازنة العمومية من ثقل الديون الطاقية التي تحولت مع مرور الزمن إلى قيد غليظ يلتف حول عنق النمو الاقتصادي فالدولة التونسية اليوم تجد نفسها مضطرة لإنفاق المليارات من العملة الصعبة ليس لبناء بنية تحتية للمستقبل أو تطوير التعليم بل لسداد فواتير الاستهلاك الآني وسد ثقوب العجز الطاقي الذي ينهش أكثر من نصف العجز التجاري الإجمالي وهو استنزاف مرعب يضع البنك المركزي في حالة استنفار دائم لتوفير السيولة لشركات عالمية بينما تظل ثرواتنا الطبيعية معطلة بقرار سياسي مرتجف.
ولذلك فإن الانتقال الطاقي الذي أنشده هو في جوهره انتقال مالي جذري ينقلنا من خانة العجز الهيكلي إلى رحاب الفائض الاستراتيجي عبر تحطيم صنم الدعم الطاقي العشوائي الذي يذهب في معظمه لتمويل التبذير الصناعي والمنزلي واستبداله بمنظومة ذكية تحول مخصصات الدعم من استهلاك للمحروقات إلى استثمار في وسائل الإنتاج الذاتي بحيث تصبح القروض الميسرة لتركيب الأنظمة الشمسية هي القوة الضاربة التي تخفف الضغط عن الخزينة العامة وتخلق ديناميكية اقتصادية محلية تقطع مع المركزية المقيتة وتوزع الثورة الطاقية على الجهات المهمشة.
إننا نحتاج اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى هندسة مالية وسيادية جديدة تدمج الصناديق الدولية للمناخ مع التمويلات السيادية المحلية لخلق صندوق وطني للسيادة الطاقية يكون هو المحرك الفعلي لتمويل المشاريع الكبرى في صحرائنا الشاسعة بعيداً عن شروط المؤسسات المانحة التقليدية التي لا ترى فينا إلا سوقاً لتصريف تكنولوجياتها القديمة أو مجرد حارس لحدودها الطاقية.
إن الجغرافيا السياسية الجديدة تفرض علينا أن نكف عن لعب دور الضحية الجغرافية لنقوم بدور منصة الربط الكونية بين العملاق الأوروبي الذي يعيد تشكيل خارطة أمنه القومي بعيداً عن الغاز الروسي وبين العمق الإفريقي الزاخر بالموارد والفرص مما يجعل من تونس قلب المحرك في حوض المتوسط لا مجرد محطة وقود مهجورة على قارعة الطريق. السيادة الطاقية هي الوجه الآخر للسيادة النقدية والغذائية وهي المعركة التي لا تقبل القسمة على اثنين فمن يجرؤ على كسر أغلال التبعية للوقود الأحفوري سيمتلك غداً مفاتيح القرار السيادي الكامل حيث تختفي الإملاءات الخارجية وتتلاشى حالة الارتعاش عند كل تذبذب في الأسعار العالمية ليحل محلها استقرار صلب يبنى على سواعد المهندسين التونسيين وعبقرية العقل الذي يطوع الشمس والريح لخدمة الدولة الوطنية الحديثة، تلك الدولة التي لا تنحني أمام العواصف لأنها تملك من الضياء ما يكفي لإنارة طريقها نحو المستقبل بكل كرامة وندية.
الأستاذ عماد عيساوي

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال