بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

وافق أو نافق أو غادر: سيرة ابن خلدون التونسية بين مقصلة الفقيه ومختبر العمران

2026-02-21 187 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
إن الحديث عن عبد الرحمن بن خلدون ليس نزهة في أروقة التاريخ الباردة بل هو اقتحام لمختبر الكوارث الكبرى
هو محاولة لفهم كيف يولد العقل الجبار من رحم الخراب وكيف يتحول المثقف إلى كائن سياسي مراوغ حين يدرك أن العالم الذي يعيش فيه قد انتهت صلاحيته.
أنا هنا لا أقرأ لسيرة رجل عاش في تونس القرن الرابع عشر فحسب بل نحن أمام شخصية سوسيولوجية معقدة كانت ترى في انهيار الدولة الحفصية وتفسخ العصبية القبلية فرصة لإعادة اختراع التاريخ لا بمفهوم القصص والحكايا بل بمفهوم القوانين الصارمة التي لا تجامل ملكاً ولا ترحم فقيهاً
ولعل تونس التي ولد فيها ابن خلدون في نهج تربة الباي بالمدينة العتيقة لم تكن مجرد مدينة بل كانت مسرحاً لعبثية السلطة وضياع الهوية بين أندلس مفقودة ومغرب مضطرب. من هنا أبدأ برفع الستار عن ذلك التاريخ المسكوت عنه بعيداً عن ديبلوماسية الكتب المدرسية التي حولت ابن خلدون إلى مجرد تمثال في شارع الحبيب بورقيبة بينما هو في الحقيقة كان بركاناً فكرياً لا يزال يهدد عروش التقليديين حتى يومنا هذا.
كان ابن خلدون يدرك منذ نعومة أظفاره أن الانتماء إلى أسرة أندلسية عريقة في تونس هو امتياز ولعنة في آن واحد فهو يحمل في جيناته تمدن إشبيلية لكنه يصطدم بواقع البداوة الزاحفة على تخوم الدولة الحفصية وهذا التناقض هو الذي صنع منه ذلك الكائن الانتهازي بمعناه الفلسفي أي الرجل الذي يقتنص اللحظة التاريخية ليعبر بها إلى ضفة الخلود غير أن الزلزال الحقيقي الذي ضرب كيانه لم يكن سياسياً في البداية بل كان بيولوجياً مدمراً وهو الطاعون الأسود الذي اجتاح تونس عام 1348م، ففي تلك اللحظة التي سقطت فيها الجثث في أزقة تونس وسقط معها والداه ومعظم شيوخه أدرك ابن خلدون أن المنظومة القديمة قد ماتت وأن العلم النقلي الذي يدرسه الفقهاء في الزيتونة لم يعد كافياً لتفسير فناء البشرية.
ومن هنا بدأت رحلته مع محمد بن إبراهيم الآبلي ذلك الشيخ الذي جاء مع الغزو المريني ليفتح عيني الفتى التونسي على المنطق والرياضيات والفلسفة ليخلق منه مسخاً معرفياً في نظر التقليديين.
رجل يقرأ أرسطو ويفهم حركة النجوم ويحلل قوانين المادة بينما كان أقرانه غارقين في هوامش المتون الفقهية التي أكل عليها الدهر وشرب.
هذا الانفتاح العقلاني هو الذي بذر بذور الصدام التاريخي مع ابن عرفة ذلك الفقيه الذي كان يرى في ابن خلدون شيطاناً أندلسياً يهدد السكينة الإيمانية للمجتمع التونسي.
إن الصراع بين ابن خلدون وابن عرفة لم يكن مجرد غيرة مهنية بين عالمين في جامع الزيتونة بل كان صراعاً وجودياً بين الدولة الفقهية و الدولة السوسيولوجية فابن عرفة كان يمثل المؤسسة التي تريد ضبط حركة المجتمع عبر النص بينما كان ابن خلدون يمثل العقل الذي يريد فهم حركة التاريخ عبر الواقع.
وحين عاد ابن خلدون إلى تونس محملاً بالمقدمة وسمعة المفكر العالمي لم يجد في استقباله سوى مقاومة شرسة من ابن عرفة الذي استغل منصبه كإمام للزيتونة وشيخ للإسلام ليشن عليه حرباً نفسية وسياسية شعواء وقد وصلت الدناءة في هذا الصراع إلى حد الوشاية لدى السلطان أبي العباس حيث كان ابن عرفة واتباعه يصورون ابن خلدون كرجل مخابرات يعمل لصالح بني مرين في المغرب أو كصاحب أفكار تدميرية تخرج الناس عن طاعة ولي الأمر وعن المذهب المالكي الصارم ولم تكن الغيرة هنا من العلم فحسب بل من ذلك السحر الذي كان يمارسه ابن خلدون على الطلاب الذين هجروا حلقات ابن عرفة الجافة ليلتحقوا بحلقات ابن خلدون التي كانت تتحدث عن الدورة الحيوية للدول وعن فساد الترف وعن عوامل الانهيار وهي دروس كانت تبدو وكأنها تشريح حي ومباشر للدولة الحفصية المتآكلة.
ولا يمكننا أن نمر على سيرة هذا العبقري دون أن نسلط الضوء على تلك المساحات المظلمة في ممارسته للسلطة فالرجل الذي نظر للعدل والعمران كان في الواقع براغماتياً إلى حد القسوة وحين تولى منصب كاتب العلامة وهو في العشرين من عمره ذاق طعم القرب من الحاكم وأدرك أن القلم قد يكون أمضى من السيف إذا ما وضع في يد ذكية
ولكن حين لاحت بوادر الهزيمة لسيده الحفصي لم يتردد في القفز من السفينة الغارقة وهي ممارسة تكررت في مسيرته بين فاس وبجاية وغرناطة حيث كان يغير ولاءاته كما يغير ملابسه ليس حباً في الخيانة بل إيماناً بنظريته في أن العصبية حين تضعف وتشيخ الدولة فإن البقاء بجانب الجثة هو نوع من الانتحار.
هذا الغدر السياسي الذي يرميه به المؤرخون كان في نظره هو الواقعية التاريخية التي تفرض على المثقف أن يبحث دائماً عن القوة الفتية القادرة على حماية مشروعه الفكري ولعل قصة غدره بالوزير الحسن بن عمر في المغرب أو تخليه عن صديق عمره لسان الدين بن الخطيب في لحظة محنته الأندلسية هي من أكثر الصفحات سواداً في تاريخه حيث فضل النجاة الفردية والمناصب السياسية على الوفاء الشخصي وكأنه يقول لنا إن بناء العلم يتطلب قلباً بارداً لا يلتفت إلى دماء الرفاق.
أما خروجه النهائي من تونس فلم يكن رحلة حج تقية كما تدعي الروايات الرسمية بل كان عملية هروب استخباراتية ناجحة من فخ السلطان أبي العباس ومن دسائس ابن عرفة فقد شعر ابن خلدون أن البيئة التونسية أصبحت ضيقة جداً على طموحاته وأن الوشايات بدأت تتحول إلى مشروع تصفية جسدية أو سجن طويل فاستخدم الدين" كستار وهي الحيلة التي يتقنها كبار اللاعبين ليطلب الإذن بالحج
وفي اللحظة التي وطئت فيها قدماه ظهر السفينة المتجهة نحو الإسكندرية تنفس الصعداء وهو يرى مآذن تونس تتلاشى في الأفق ليترك خلفه مدينة لم تستطع استيعابه ومجتمعاً كان يفضل اليقين الفقهي لابن عرفة على الشك الفلسفي لمبدع المقدمة.
وفي مصر كشف ابن خلدون عن وجهه الآخر، وجه القاضي المتشدد الذي كان يأمر بضرب الناس وسجنهم لأتفه الأسباب وكأنه كان يفرغ كل إحباطاته السياسية التي عاشها في المغرب وتونس على رقاب المصريين وهذا التناقض بين المنظر العبقري و الجلاد الإداري هو الذي يجعل من ابن خلدون شخصية بشرية بامتياز لا قديساً منزهاً عن الهوى.
الدرس الأكبر الذي يعلمنا إياه ابن خلدون من خلال سيرته التونسية المسكوت عنها هو أن المواجهة مع المؤسسات التقليدية هي قدر كل مجدد وأن المقولة المنسوبة إليه «وافق أو نافق أو غادر البلاد»هي الخلاصة المرة لتجربة المثقف في بيئة ترفض التغيير.
كان ابن خلدون يرى أن الخراب يبدأ من الداخل من فساد الأخلاق وضياع العصبية وما صراعه مع ابن عرفة إلا تجسيد للصراع الأبدي في تونس وفي الشرق عموماً
صراع بين من يريد تجميد الزمن عند لحظة السلف وبين من يريد دفعه نحو المستقبل عبر فهم قوانين التحول
ولذلك يبقى ابن خلدون تونسياً في جيناته عالمياً في أثره ومستفزاً في سيرته فهو لم يكتب التاريخ ليمدح السلاطين بل كتبه ليفضح آليات صناعة الطغيان وانهيار الحضارات وهو ما يجعلنا نتساءل اليوم هل غادر ابن خلدون تونس حقاً،
أم أن الخلدونية لا تزال هي المرآة التي نرى فيها عجزنا عن بناء عمران بشري حقيقي بعيداً عن صراعات الفقهاء والانتهازيين؟
الإجابة تكمن في قراءة ما بين سطور حياته لا في ما كتبه هو عن نفسه ففي المسكوت عنه تكمن الحقيقة الكاملة لهذا الرجل الذي رأى كل شيء وخسر كل شيء ليربح في النهاية خلوداً لا يطاله غبار الزمن.
هذا التحليل العاري من كل تزويق يضعنا أمام مسؤولية إعادة قراءة رموزنا بعيداً عن القداسة فابن خلدون العظيم هو نفسه ابن خلدون الذي تملق لتيمورلنك وهو يدمر دمشق وهو نفسه الذي كان يتوسل المناصب عند ملوك لا يحترمهم وهذا هو بالضبط ما جعل منه عبقرية شاملة.
هو لم يعش في برج عاجي بل انغمس في وحل السياسة ودمويتها ومن ذلك الوحل استخرج لآلئ نظرياته في العمران لتظل سيرته التونسية هي المفتاح السري لفهم كيف يتحول اليأس من إصلاح الواقع إلى إبداع العلم وكيف تظل تونس برغم كل شيء هي الرحم الذي يولد العباقرة ثم يقذف بهم نحو المنافي لأنها لا تتحمل ثقل رؤاهم.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال