في قلب العاصفة الجيوسياسية التي ضربت حوض المتوسط في منتصف القرن العشرين لم يكن محمد المنصف باي مجرد حاكم وريث لعرش متهالك بل كان ظاهرة سيادية انبثقت من رحم الانكسار الوطني لتعيد صياغة مفهوم الدولة تحت الحماية .
ولد هذا الأمير في لحظة فارقة من تاريخ تونس في ربيع عام 1881، تزامناً مع دخول القوات الفرنسية وفرض معاهدة باردو التي حولت الإيالة التونسية إلى مجرد ملحق إداري بوزارة الخارجية الفرنسية ومن هنا بدأت التراجيديا التي سترافقه طيلة حياته.
نشأ في قصر مشبع برائحة الخنوع للمقيم العام لكنه كان يحمل في داخله بذور التمرد التي ستقلب الطاولة على باريس في ذروة الحرب العالمية الثانية ولعل قراءة مسيرته تستوجب الغوص في الأرشيفات الدبلوماسية المسكوت عنها في نانت ولندن تلك التي تكشف كيف تحول ولي العهد من مراقب صامت إلى مهندس لاستراتيجية الاستقلال المبكر مستغلاً تصدع الإمبراطورية الفرنسية بعد هزيمتها أمام الآلة العسكرية الألمانية في عام 1940 ولم تكن مطالبته بإصلاحات جذرية في أبريل 1922حين أقنع والده محمد الناصر باي باستقبال وفد الحزب الدستوري إلا مناورة استراتيجية أولى لاختبار صلابة الجدار الاستعماري وهو ما جعل الدوائر الاستخباراتية الفرنسية تضعه تحت المجهر كعنصر خطر لا يمكن ترويضه بالبروتوكولات الملكية الجوفاء.
حين اعتلى المنصف باي العرش في التاسع عشر من يونيو 1942كانت تونس تعيش حالة من السيولة السياسية والاجتماعية
تشير التقديرات الديموغرافية لتلك الفترة إلى وجود كتلة بشرية تونسية مسلمة تتجاوز المليونين ونصف المليون نسمة تعيش في مواجهة جالية فرنسية مهيمنة لا تتجاوز مائة وثمانية آلاف شخص وجاليات أخرى إيطالية ويهودية، مما خلق فسيفساء قابلة للانفجار في أي لحظة.
في هذا المناخ المتفجر لم يتردد الباي الجديد في كسر القواعد فوجه في أغسطس 1942 مذكرته الشهيرة ذات الست عشرة نقطة إلى المارشال بيتان وهي وثيقة لم تكن مجرد قائمة مطالب مهنية أو إدارية بل كانت بياناً سيادياً يطالب بتأميم المرافق العامة وتوحيد الأجور وفرض اللغة العربية مما يعني عملياً تصفية نظام الحماية من الداخل وهذا ما أدركه الأدميرال إستيفا الذي رأى في شخصية الباي تجسيداً لروح المقاومة التي ترفض أن تظل تونس مجرد ضيعة خلفية لفرنسا خاصة وأن المنصف باي كان يدرك بذكائه الفطري أن شرعيته لا تستمد من الختم الفرنسي بل من الالتفاف الشعبي الذي بدأ يتشكل حوله كرمز للأمة الجريحة.
كانت فترة الاحتلال الألماني الإيطالي لتونس بين نوفمبر 1942 ومايو 1943 هي الاختبار الأكبر لقدرة الباي على المناورة في حقل ألغام دولي حيث عرضت عليه إيطاليا الفاشية عبر سفيرها بومبييري إلغاء معاهدة باردو مقابل الانخراط في حلف المحور وهو عرض كان يمكن أن يسقط فيه أي حاكم يبحث عن سلطة وهمية لكن المنصف باي بعقله المحلل أدرك أن استبدال مستعمر قديم بمستعمر جديد هو انتحار استراتيجي فاختار سيادة الحياد الإيجابي وهي السياسة التي جعلته يحمي الجالية اليهودية التونسية من قوانين فيشي العنصرية ومن بطش النازية رافضاً بصرامة وضع النجمة الصفراء على صدورهم معتبراً إياهم رعايا تونسيين يتمتعون بحمايته الكاملة وهو موقف إنساني وسياسي لم ينصفه التاريخ الاستعماري طويلاً
لكن الأرشيفات البريطانية والأمريكية بدأت اليوم تظهره كواحد من القادة القلائل الذين حافظوا على بوصلتهم الأخلاقية والسيادية في زمن الانهيارات الكبرى.
إن تشكيل حكومة محمد شنيق في مطلع عام 1943 والتي ضمت رموزاً وطنية مثل محمود الماطري وصالح فرحات كان بمثابة إعلان استقلال فعلي قبل الأوان حيث تم تعيين هؤلاء الوزراء دون استشارة المقيم العام في خطوة اعتبرتها باريس طعنة في قلب نظام الحماية وكشفت التقارير السرية الألمانية في تلك الفترة أن هذه الحكومة كانت تحظى بدعم ضمني من القنصل الأمريكي هوكر دوليتل مما يشير إلى أن المنصف باي كان يطمح للدخول في المظلة الأمريكية الناشئة هرباً من الغطرسة الفرنسية وهذا التوجه نحو التعددية في العلاقات الدولية هو ما عجل بقرار تصفيته سياسياً.
بمجرد دخول قوات فرنسا الحرة بقيادة الجنرال جيرو إلى تونس في مايو 1943 بدأت فصول المؤامرة الكبرى عبر اتهامه بالتعاون مع دول المحور وهي تهمة باطلة دحضتها لاحقاً كل الوثائق التاريخية الرصينة لكن الهدف كان واضحاً وهو إزاحة هذا الملك الذي تجرأ على قول كلمة لا في وجه الجنرالات.
عملية الخلع التي جرت في الرابع عشر من مايو 1943 لم تكن مجرد إجراء إداري بل كانت اختطافاً لسيادة دولة حيث سُحب الباي من قصره ليلاً ونُفي إلى الصحراء الجزائرية في الأغواط قبل أن يُرحل لاحقاً إلى فرنسا.
وفي تلك اللحظة سقط القناع عن شعارات الحرية والإخاء التي كانت ترفعها فرنسا الحرة ليحل محلها منطق القوة العسكرية الغاشمة ومن منفاه في مدينة باو جنوب غرب فرنسا وتحديداً في فيلا كادافال ظل المنصف باي يمثل الكابوس الأكبر للاستعمار حيث تحولت المنصفية من مجرد ولاء لشخص إلى أيديولوجيا وطنية تطالب بالاستقلال وتشير المراسلات السرية الموجودة في أرشيف نانت إلى أن السلطات الفرنسية كانت ترتجف من فكرة عودة الباي لأنها كانت تدرك أن شعبيته قد تجاوزت حدود القصر لتصبح عقيدة شعبية تجمع بين الفقراء والنخبة وبين الدستوريين القدامى والجدد مما جعل منه الزعيم الأوحد الذي هدد وجود الحماية في الصميم.
وفاة المنصف باي في غرة سبتمبر 1948 تظل واحدة من الألغاز التاريخية التي يكتنفها الغموض فبالرغم من الرواية الرسمية التي تحدثت عن أزمة صحية إلا أن التوقيت والظروف المحيطة بالوفاة تشير بوضوح إلى رغبة فرنسية في التخلص من هذا الرمز الذي بدأ يستعيد زخمه السياسي عبر اتصالاته مع الحركة الوطنية في الخارج.
ولعل رفضه أن يدفن في تربة الباي المخصصة للعائلة المالكة ووصيته بالدفن في مقبرة الجلاز بين عامة الشعب كانت آخر رسالة استراتيجية يوجهها للفرنسيين وللتونسيين على حد سواء مفادها أن الشرعية هي ملك للناس وليست هبة من المستعمر ومن هنا نفهم لماذا تحول جثمانه حين عاد إلى تونس إلى وقود لثورة شعبية عارمة ولماذا لا يزال اسمه يتردد حتى اليوم في الفضاءات العامة ليس كملك راحلبل كشهيد للسيادة الوطنية التي لم تكتمل فصولها إلا برحيله.
أما ظاهرة سوق المنصف باي في تونس المعاصرة فهي ليست مجرد صدفة جغرافية أو تسمية بلدية عابرة، بل هي تجسيد سوسيولوجي لعبقرية الذاكرة الشعبية التي تأبى النسيان فالسوق الذي نشأ في تسعينيات القرن الماضي ليصبح مركزاً للاقتصاد الموازي والتمرد على القوانين الجمركية الصارمة يحمل في طياته دلالة رمزية عميقة إذ يرى التونسيون في هذا الفضاء الاقتصادي نوعاً من الاستمرارية لتمرد الباي على المنظومة الإدارية الاستعمارية وكأن الشعب قرر أن يخلد اسم حاكمه المفضل في المكان الذي يلتقي فيه الفقراء للبحث عن سبل العيش بعيداً عن قيود الدولة البيروقراطية فالسوق هو اقتصاد الصمود والمنصف باي كان ملك الصمود وهذا الترابط بين الرمز التاريخي والواقع المعاش هو ما يجعل من المنصفية تياراً لا يموت بل يتجدد مع كل أزمة سيادية تمر بها البلاد.
بالعودة إلى الأرشيف الدبلوماسي نجد أن المنصف باي كان يمتلك رؤية لملك دستوري يملك ولا يحكم مستلهماً النموذج البريطاني وهو ما كان سيوفر على تونس عقوداً من الديكتاتورية والحكم الفردي الذي تلا الاستقلال.
لقد كان الرجل يطمح لبناء دولة المؤسسات حيث يكون الشعب هو المصدر الحقيقي للسلطة وهذا هو السبب الحقيقي الذي جعل القوى الاستعمارية بالتواطؤ مع بعض الأطراف المحلية التي كانت تخشى على مصالحها تعمل على إقصائه.
تحليل سيرة المنصف باي يكشف لنا أن الصراع في تونس لم يكن يوماً صراعاً على الكراسي بل كان صراعاً بين مشروع سيادي وطني شامل ومشروع ارتهان للخارج وظل المنصف باي هو النقطة المضيئة التي كشفت عورات الجميع سواء المستعمرين الذين خانوا مبادئهم أو المحليين الذين فضلوا التنازل عن السيادة مقابل البقاء في ظلال القصر.
ختاماً، فإن المنصف باي لم يمت في باو بل ولد من جديد في وجدان كل تونسي يحلم بالكرامة وتاريخه المسكوت عنه في الأرشيفات الدولية هو الشهادة الحية على أن الشعوب لا تنسى حكامها الذين ضحوا بعروشهم من أجل كرامة بلادهم وإن إعادة قراءة هذه الحقبة تفرض علينا الاعتراف بأننا أمام شخصية استثنائية لم تكن تبحث عن مجد شخصي بل كانت تحاول انتزاع تونس من براثن التاريخ الاستعماري لتعيدها إلى سكتها الطبيعية كدولة ذات سيادة وسيبقى لقب باي الشعب هو النيشان الأسمى الذي لم يستطع أي جنرال فرنسي نزعه من على صدره ليبقى خالداً في ذاكرة الأجيال كرمز للشموخ والوطنية الصادقة التي لا تقبل المساومة ولا البيع في أسواق السياسة الدولية.
المنصف باي في ميزان التاريخ: قراءة تحليلية في الموقف والخيارات
2026-02-20
189 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال