في تلك المساحة الفاصلة بين رمال الصحراء الكبرى التي لا تعرف الانتهاء وزرقة المتوسط التي لا تهدأ من عواصف التاريخ كانت تونس وليبيا ترقصان في مطلع السبعينيات على حافة بركان جيوسياسي لم يكن ليخمد بمجرد جرة قلم في جزيرة جربة بل كان انفجاراً مؤجلاً لصراع الهويات والمصالح والأوهام التي سكنت رؤوس الزعماء في زمن كان فيه الحلم القومي يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة الهزائم والمؤامرات الدولية حيث لم يكن إعلان الجمهورية العربية الإسلامية في الثاني عشر من يناير عام 1974 مجرد وثيقة وقعها عجوز متعب يسكن قصر قرطاج وشاب متمرد يسكن خيمة في طرابلس.
كانت لحظة تجلٍّ عبثية اصطدمت فيها جغرافيا تونس القرطاجنية الحذرة بجغرافيا ليبيا السنوسية الثائرة في محاولة يائسة لدمج دولتين تختلفان في كل شيء من العقيدة السياسية إلى الهيكل الإداري وصولاً إلى النظرة نحو الآخر الغربي الذي كان بورقيبة يراه قدراً لا مفر منه بينما كان القذافي يراه شيطاناً تجب محاربته.
من هنا تبدأ حكاية هذا الاندماج الذي ولد ميتاً في غرفة مظلمة بفندق «أوليس»بجربة، ليتحول في أقل من أربع وعشرين ساعة إلى كابوس أمني زلزل أركان الدولة التونسية وأثار حفيظة الجارة الكبرى الجزائر التي لم تكن لتسمح بمرور هذا القطار دون أن تضع على سكته ألغام الرفض القاطع لأنها كانت تدرك أن تحالف المال الليبي مع الذكاء الإداري التونسي سيعني بالضرورة خلق عملاق إقليمي يبتلع نفوذها ويغير موازين القوى في المغرب العربي إلى الأبد. وهو ما جعل الصراع حول هذه الوحدة يتجاوز حدود الدولتين ليصبح صراعاً على قيادة المنطقة وتحديد هويتها في ظل غياب التوافق بين الدولة العميقة في تونس التي كان يمثلها الهادي نويرة ببرودته التقنقراطية وبين الثورة المستمرة التي كان القذافي يبشر بها في كل وادٍ ونادٍ.
مما أدى في نهاية المطاف إلى تلك القطيعة المريرة التي توجت بأحداث قفصة عام 1980، تلك الجريمة السياسية التي لم تكن إلا انتقاماً جريحاً لحلم جربة الذي أجهض في مهده حيث تحولت أحلام الوحدة إلى رصاص يمزق سكون ليل المناجم معلناً سقوط الوهم القومي أمام حقيقة الدولة الوطنية الضيقة التي لا تقبل القسمة على اثنين خاصة حين يكون أحدهما زعيماً مجاهداً أكبر يرى نفسه تونس وتونس نفسه والآخر عقيداً "أخاً عقيداً" يرى في نفسه تجسيداً لروح الأمة والقدر التاريخي فكان الاصطدام حتمياً والتراجع قسرياً مما جعل من هذه التجربة درساً قاسياً في واقعية السياسة وكواليس الحكم التي لا تعترف بالعواطف الجياشة أو الخطب المنبرية بل بلغة الأرقام والمصالح والاستراتيجيات التي كانت الجزائر ترسم خيوطها من خلف الستار محولة حلم جربة إلى مجرد ذكرى عابرة في أرشيف الدبلوماسية العربية المليء بالخيبات والوحدات الورقية التي كانت تنهار مع أول طلوع للفجر لتترك خلفها جروحاً غائرة في جسد العلاقات الثنائية استمرت لعقود طويلة ولم تندمل إلا بعودة الوثيقة الأصلية إلى صاحبها في مشهد جنائزي عام 1982، وكأن التاريخ يسخر من أولئك الذين يحاولون القفز فوق حقائق الجغرافيا وتراكمات القرون بمجرد عناق عابر في جزيرة منسية.
في حين أن الدولة الحقيقية تُبنى في المصانع والمدارس والمؤسسات لا في الغرف الفندقية المغلقة التي غاب عنها العقل وحضر فيها الاندفاع العاطفي الذي كان السمة الغالبة على حقبة السبعينيات تلك الحقبة التي شهدت صعود القوى الإقليمية وتصادم الطموحات الشخصية التي جعلت من تونس مختبراً لتجارب الوحدات المستحيلة.
بينما كانت تعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة جعلت من الدينار الليبي مغرياً لدرجة دفعت بوزير الخارجية محمد المصمودي إلى المقامرة بمستقبله السياسي وبكيان الدولة التونسية برمته في سبيل الحصول على سيولة مالية تنقذ البلاد من شبح الإفلاس دون أن يدرك أن الثمن سيكون التنازل عن السيادة الوطنية وتسليم مفاتيح قرطاج لعقيد لا يؤمن بالدستور ولا بالمؤسسات وهو ما تنبه له الهادي نويرة الذي عاد من طهران ليعيد ترتيب البيت التونسي بصرامة رجل الدولة الذي يقدس القانون ويرفض المغامرة بمكاسب الاستقلال لتنتهي فصول الدراما في جربة بانتصار الدولة على الثورة وبقاء تونس تونس وليبيا ليبيا في ظل مراقبة دولية لم تكن بعيدة عما يحدث إذ كانت القوى الكبرى ترى في هذا الاندماج تهديداً لمصالحها الحيوية في حوض المتوسط مما جعل من إجهاض مشروع الجمهورية العربية الإسلامية مصلحة مشتركة تلاقت فيها إرادة الداخل التونسي الرافض مع إرادة الجزائر المهيمنة مع مباركة دولية خفية لتبقى تلك الساعات القليلة من عمر الوحدة شاهداً على عبثية القرار السياسي حين ينفصل عن الواقع الشعبي والمؤسسي ويتحول إلى مجرد أداة في يد الزعماء لتصفية حسابات قديمة أو لتحقيق انتصارات وهمية على جثث الأوطان التي كانت تدفع ثمن هذه المراهنات من أمنها واستقرارها ومستقبل أجيالها التي وجدت نفسها فجأة مواطنة في جمهورية لا وجود لها إلا على الورق.
قبل أن تستيقظ على واقع التشرذم والعداء الذي أعقب تلك اللحظة المجنونة حيث بدأ القذافي في استخدام كل أسلحته من التحريض الإذاعي إلى طرد العمال وصولاً إلى التخريب العسكري لتقويض النظام في تونس وكأنه يثبت للعالم أن من يرفض الوحدة معه يجب أن يواجه الفوضى.
في حين كان بورقيبة يزداد انغلاقاً وتوجساً محولاً الدولة إلى قلعة محاصرة تحرسها الأجهزة الأمنية وتخنقها هواجس المؤامرة التي أصبحت الحقيقة الوحيدة في قصر قرطاج حتى جاءت لحظة الحقيقة في قفصة لتكشف حجم الهوة التي حفرتها اتفاقية جربة في الوجدان السياسي المغاربي ولتؤكد أن الوحدة التي لا تقوم على أسس الديمقراطية والتكامل الاقتصادي والمشاركة الشعبية ليست إلا قنبلة موقوتة ستنفجر عاجلاً أم آجلاً في وجه صانعيها.
وهو ما حدث بالفعل حين تحولت أحلام الرباط والدمج إلى كوابيس من الرصاص والدماء في شوارع قفصة الحزينة ليعلن التاريخ مرة أخرى أن الجغرافيا أقوى من الأيديولوجيا وأن المؤسسات أبقى من الأفراد مهما علا شأنهم أو تضخمت أوهامهم في قيادة الأمة نحو سراب الوحدة الذي لا يزيده الاقتراب منه إلا ابتعاداً.
وهكذا ظلت حكاية الجمهورية العربية الإسلامية جرحاً نازفاً في ذاكرة التونسيين والليبيين على حد سواء تذكرهم دائماً بأن السياسة فن الممكن وليست فن المستحيل وأن القفز في المجهول دون بوصلة وطنية واضحة لا يؤدي إلا إلى السقوط في هاوية الصراعات التي لا تنتهي والتي استنزفت مقدرات الشعبين في حروب باردة ومناوشات حدودية كان يمكن تلافيها لو ساد العقل في جربة بدل العاطفة ولو احترم الزعماء إرادة شعوبهم في بناء دول حديثة ومستقرة بدلاً من السعي وراء إمبراطوريات وهمية لا تخدم إلا شهوة السلطة وجنون العظمة الذي كان المحرك الأساسي لتلك الحقبة العاصفة من تاريخنا الحديث الذي لا يزال يلقي بظلاله على واقعنا المعاصر في تونس وليبيا.
حيث لا تزال قضايا الحدود والأمن والهوية تطرح نفسها بحدة بعد عقود من رحيل أبطال تلك المأساة وكأن التاريخ يرفض أن يطوي صفحاته دون أن يعطينا دروساً جديدة في كيفية بناء المستقبل بعيداً عن أخطاء الماضي وأوهام الزعامة التي كانت السبب الأول في ضياع فرص حقيقية للتكامل والنهوض بدلاً من الدخول في صراعات وجودية لم تجلب للمنطقة إلا الخراب والتبعية والارتهان للخارج الذي كان يراقب مشهد جربة بابتسامة صفراء وهو يرى العرب يمزقون خرائطهم بأيديهم تحت شعار الوحدة بينما هم في الحقيقة يكرسون التجزئة والضعف في مواجهة التحديات الكبرى التي كانت تنتظرهم في نهاية القرن العشرين، ولم تكن تونس في عهد بورقيبة استثناء من هذه القاعدة
إذ كانت تعيش تناقضاً صارخاً بين حداثة شكلية يحرسها نظام بوليسي وبين عمق محافظ يرى في العروبة والإسلام مخلصه الوحيد وهو التناقض الذي حاول القذافي استغلاله للنفذ إلى قلب الدولة التونسية مستخدماً محمد المصمودي كحصان طروادة في تلك العملية التي كانت تهدف إلى تغيير جلد تونس البورقيبي واستبداله بجلد جماهيري ثوري، وهو ما كان يعني انتحاراً سياسياً للطبقة الوسطى التونسية وللنخبة المثقفة التي كانت ترى في التجربة الليبية فوضى منظمة وتهديداً لنمط حياتها، ولذلك لم يكن غريباً أن تنتفض تونس العميقة ضد بيان جربة.
ليس حباً في بورقيبة الذي بدأ يغيب عن الواقع بل خوفاً على تونس الدولة التي كانت بالنسبة لهم هي الوجود والملاذ وفي غياب الهادي نويرة الذي كان في مهمة رسمية وجد القذافي الطريق ممهداً لإقناع بورقيبة الذي كان تحت تأثير المرض وضعف الذاكرة .
ولكن العودة السريعة لنويرة وتدخل وسيلة بورقيبة التي كانت ترى في المصمودي منافساً خطيراً على النفوذ أدت إلى انقلاب السحر على الساحر وتحول يوم الوحدة إلى يوم للمحاسبة والإقالات حيث وجد المصمودي نفسه في المنفى ووجد بورقيبة نفسه مضطراً للاعتذار للجزائر التي كانت قواتها على أهبة الاستعداد للتحرك وفي هذا الجو المشحون بالخيانة والندم ولدت العداوة الشخصية بين القذافي ونويرة وهي العداوة التي ستدفع تونس ثمنها غالياً في السنوات اللاحقة.
حيث لم ينسَ العقيد الشاب كيف أهانه الوزير التقنقراطي أمام العالم حين وصف مشروعه بالعبثي وغير الدستوري مما جعل من إسقاط نويرة هدفاً استراتيجياً لطرابلس.
وهو ما يفسر الدعم الليبي اللامحدود لكل حركات المعارضة التونسية في الخارج وللمجموعات المسلحة التي حاولت اختراق الحدود وصولاً إلى قفصة التي كانت بمثابة المحاولة الأخيرة لفرض الوحدة بالقوة أو تحويل تونس إلى ساحة حرب أهلية ولكن الدولة التونسية أثبتت في ذلك الاختبار الصعب أنها تمتلك مناعة مؤسسية وجيشاً رغم صغره كان وفياً لعقيدته الوطنية مما أحبط مخطط القذافي وأجبره على التراجع مرة أخرى.
ولكن هذه المرة بعد أن خسر كل رصيده لدى الشعب التونسي الذي رأى في عدوان قفصة طعنة في الظهر وجريمة لا تغتفر .
وهكذا تحول حلم الجمهورية العربية الإسلامية إلى قصة تروى للأجيال عن مخاطر الاندفاع السياسي وغياب الرؤية الاستراتيجية وعن كيف يمكن لشهوة الحكم أن تدمر أحلام الشعوب في لحظة جنون.
وهي القصة التي لا تزال فصولها مستمرة في شكل من الأشكال في ظل عدم الاستقرار الذي تعيشه المنطقة وكأن لعنة جربة لا تزال تلاحق كل من يحاول العبث بتوازنات القوى في هذا الركن الحساس من العالم حيث تظل الجزائر هي الرقم الصعب وتظل تونس هي المختبر وتظل ليبيا هي اللغز.
وفي هذا المثلث الجيوسياسي تضيع أحلام الوحدة الكبرى وتنتصر حقائق الجغرافيا والسيادة التي لا يمكن تجاوزها دون دفع أثمان باهظة من دماء الشعوب واستقرار الأوطان وما حدث بين 1974 و1982 لم يكن إلا فصلاً واحداً من فصول الصراع على القيادة والنفوذ في المغرب العربي
وهو صراع لم يحسم حتى اليوم ولن يحسم طالما استمرت النخب السياسية في الهروب من استحقاقات الداخل نحو أوهام الخارج، وطالما استمر الغياب التام للمؤسسات الديمقراطية التي وحدها القادرة على تحويل أحلام الوحدة إلى واقع ملموس يحترم التنوع ويحقق التكامل بعيداً عن رغبات القادة الفردية التي كانت وما زالت هي العائق الأكبر أمام أي تقارب حقيقي بين شعوب المنطقة التي تشترك في كل شيء ولكنها تختلف في السياسة بسبب أنظمتها التي لا ترى في الشعب إلا مجرد رقم في معادلة البقاء في السلطة. ومن هنا تبرز أهمية كشف وتعرية التاريخ في هذه المرحلة الحساسة لأن فهم ما حدث في جربة وفي قفصة هو المفتاح لفهم حاضرنا المأزوم ولتجنب تكرار المآسي التي جعلت من المغرب العربي ساحة للتدخلات الخارجية وللصراعات البينية التي لا تخدم إلا أعداء الأمة.
إن الجمهورية العربية الإسلامية لم تكن مشروعاً للوحدة بل كانت مشروعاً للهيمنة ولم يكن التراجع عنها خيانة بل كان إنقاذاً لما يمكن إنقاذه وفي هذه المفارقة تكمن مأساة العقل السياسي العربي الذي لا يزال يتخبط بين الرومانسية القومية والواقعية القطرية دون أن يجد طريقاً ثالثاً يجمع بين السيادة والتعاون وبين الهوية والحداثة وبين تونس وليبيا والجزائر والمغرب وموريتانيا في منظومة واحدة تحترم الجميع وتخدم الجميع بعيداً عن منطق القطار الذي يسير والتهديد بالتدخل العسكري الذي دمر كل فرص اللقاء. ولتبقى وثيقة جربة في النهاية مجرد ورقة صفراء في متحف التاريخ، تذكرنا بأن الأوطان لا تُبنى بالنيات الحسنة وحدها بل بالعلم والعمل والمؤسسات التي هي الضمانة الوحيدة ضد جنون العظمة وضد ضياع السيادة في ليل العواصم التي لا تنام على غير المؤامرات والدسائس التي جعلت من تاريخنا سلسلة من الفرص الضائعة والوحدات المجهضة التي لا تزال تلاحقنا بأسئلتها الصعبة التي لم نجد لها أجوبة حتى الآن.
تونس وليبيا: أرشيف الصراع المرير خلف ستار الجمهورية العربية الإسلامية
2026-02-20
130 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال