بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

شهداء تالة والقصرين: حقائق ثورة الفراشيش المنسية

2026-02-19 198 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
2
شهداء تالة والقصرين: حقائق ثورة الفراشيش المنسية
إن التاريخ لا يُكتب بمداد الهيبة ولا بأقلام الموظفين في أروقة وزارات تعكف على تزييف الذاكرة لصالح حكايات السلطة، بل يُكتب بالدم المسكوب في أعالي تالة وفي الفيافي التي يسكنها الفراشيش، هؤلاء الذين لم يكونوا يوماً مجرد رعايا في سجلات الباي أو أرقاماً في دفاتر المقيم العام، بل كانوا هم الأرض حين تنطق وهم الجغرافيا حين تتمرد على الخرائط التي رُسمت في غرف الكي دورسيه المظلمة.
فما حدث في ربيع عام 1906 لم يكن شغباً ولا هياجاً دينيًا كما يحلو للمؤرخين الفرانكوفونيين تسميته تجملاً وتزلفاً للمستعمر، بل كان زلزالاً اجتماعياً ضرب أسس السيستام الاستعماري الذي اعتقد واهماً أن تونس قد استسلمت بمجرد جرة قلم في قصر المرسى أو باردو.
إنها لحظة الحقيقة العارية التي كشفت أن الحماية لم تكن سوى عملية سطو مسلح على السيادة وعلى الخبز وعلى الكرامة حيث تحول المعمر إلى إله صغير يملك الأرض ومن عليها بينما تحول صاحب الأرض إلى خماس أو طريد في شعاب الجبال.
ومن هنا أبدأ بقراءة هذا الأرشيف الملعون الذي حاولوا طمسه تحت ركام الحداثة المزيفة و الدولة الوطنية التي ورثت أساليب المستعمر في تهميش الأطراف وإسكات صوت الداخل العميق.
كانت تالة و.القصرين في مطلع القرن العشرين تمثلان الخاصرة الرخوة لآلة النهب الاستعماري، حيث كانت قبيلة الفراشيش العظيمة تئن تحت وطأة قانون الغاب الذي فرضه الكود سيفيل الفرنسي، ذلك القانون الذي جاء ليشرعن سرقة عشرة آلاف هكتار من أجود الأراضي لفائدة عائلة "سال" وأمثالها من القراصنة الذين نزلوا من وراء البحار ليعلمونا الحضارة عبر سلبنا المحراث.
هذه المصادرة لم تكن مجرد إجراء إداري، بل كانت عملية إبادة اقتصادية استهدفت تحويل البدوي الحر إلى بروليتاريا جائعة تخدم في مناجم الشعانبي أو في ضيعات المسييه المستوطن، وعندما انضافت الجبايات الجائرة وضريبة الاستعراد التي كانت تمتص دماء الفقراء لتمويل رفاهية تونس العاصمة و قصورها أصبح الانفجار حتمياً، فالجوع لا يعرف الدبلوماسية، والقهر لا يؤمن بالنضال الدستوري المهذب الذي كان يمارسه الشباب التونسي في المقاهي المخملية، بل يؤمن بالفأس و الهراوة وبالصرخة التي تخرج من أعماق الزوايا لتزلزل أركان المراقبة المدنية.
ومما زاد الطين بلة، أو زاد الرماد اشتعالاً، كان ذلك الشتاء السيبيري الذي ضرب المنطقة عام 1906، حيث غطت الثلوج تالة لأمتار ونفقت الماشية وانعزل الناس في بيوت الشعر المتهالكة يرقبون الموت، بينما كان المعمرون ينعمون بالدفء والمؤن في القلاع التي بنوها فوق أراضي القبيلة.
وهنا تلاقت مظلمة الأرض مع قسوة الطبيعة مع الوازع الروحي الذي جسده عمر بن عثمان، ذلك المارابو الجزائري الذي لم يكن درويشاً يبحث عن البركة، بل كان ثورياً عابراً للحدود يحمل في جعبته إرث الطريقة الرحمانية التي كانت وما زالت هي المحرك السري للمقاومة في شمال أفريقيا فالدين عند الفراشيش لم يكن طقوساً ميتة، بل كان أيديولوجيا للتحرر وكان عمر بن عثمان هو الصاعق الذي فجر برميل البارود ومعه علي بن محمد بن صالح الشيخ الذي غدرت به الإدارة الفرنسية وعزلته، ليتحول من رجل دولة إلى رجل ثورة في تحالف عبقري بين الشرعية الروحية و الخبرة السياسية الميدانية.
في صبيحة السادس والعشرين من أفريل، لم يخرج الفراشيش للنهب كما روجت صحافة الاستعمار، بل خرجوا للقصاص، فالهجوم على مزرعة "لوسيان سال" في فوسانة كان رسالة سياسية بليغة بالدم حيث قُتل "هنري سال" ووالدته لا كرهاً في أشخاصهم بل كرفض للمنظومة التي يمثلونها،المنظومة التي جعلت من الغريب سيداً ومن ابن البلد غريبا والمثير للدهشة والذي يسقطه المؤرخون عمداً هو أن الثوار عرضوا على هؤلاء الإسلام كصك أمان وهو ما يعني في العقلية القبلية الاندماج في الجماعة والتخلي عن صفة المستعمر المتعالي ولكن عندما رفضوا كان السيف هو الفيصل ثم توجهت الحشود نحو تالة، نحو المركز، نحو رمز السيادة الفرنسية، وهناك سقطت الأسطورة حين واجهت الصدور العارية والمؤمنة بمعجزات عمر بن عثمان رصاص المراقب المدني و المستوطنين الذين تحولوا فجأة إلى ميليشيات مسلحة، لتنتهي المعركة بمذبحة صامتة سقط فيها الاثنا عشر شهيداً الذين ردموا في حفرة مجهولة وكأن المستعمر أراد قتلهم مرتين ،مرة بالرصاص ومرة بمحو القبر من الذاكرة ومن الجغرافيا.
إن محكمة سوسة التي تلت الأحداث كانت مسرحية عبثية تهدف إلى شيطنة الثورة، فـ"ليوتيه" المدعي العام لم يكن يبحث عن العدل بل كان يبحث عن تفسير يريح ضمير المستعمر فادعى أن المحرك هو التعصب الديني الأعمى متجاهلاً الجوع و المصادرة و البرد وهي نفس النغمة التي نسمعها اليوم حين توصف حركات الاحتجاج في الأطراف بالفوضى أو التحريض الخارجي.
كان عمر بن عثمان ورفاقه هم الضحايا الأوائل لعملية التنميط التي تمارسها السلطة ضد كل من يخرج عن بيت الطاعة فموت ابن عثمان في السجن تحت التعذيب والحكم بالأشغال الشاقة على علي بن صالح كان إعلاناً فرنسياً بأن التمرد في الداخل سيواجه بأقصى درجات الوحشية لأن فرنسا كانت تدرك أن ثورة الفراشيش ليست مجرد حادثة عابرة بل هي عدوى قد تنتقل إلى كامل البلاد التونسية والجزائرية وهي تجسيد لوحدة الشعب المغاربي الذي لم تعترف قبائله يوماً بحدود المعاهدات.
ولكن الجريمة الكبرى لم يرتكبها المستعمر وحده بل ارتكبها التأريخ الرسمي لدولة ما بعد الاستقلال التي تعمدت اختزال تاريخ النضال الوطني في نخبة العاصمة وفي الحزب الدستوري وهمشت ثورة الفراشيش و انتفاضة 1881 و مقاومة الجبال واعتبرتها حركات عفوية لا ترتقي لمستوى العمل السياسي المنظم.
هذا الاستعلاء المديني هو الذي جعل حفرة الأثناش تبقى مجهولة وهو الذي جعل أطفال تالة و القصرين لا يجدون أسماء أجدادهم الأبطال في كتب التاريخ المدرسي
لقد أرادوا لنا أن نصدق أن الاستقلال كان هدية أو نتيجة مفاوضات باريس بينما الحقيقة أن الاستقلال كان تراكمات من دماء فلاحي فوسانة وعرق عمال الشعانبي.
إن إعادة الاعتبار لثورة 1906 هي ضرورة وجودية لاستعادة الهوية التونسية الحقيقية، الهوية التي لا تكتمل إلا بالاعتراف بأن الشرارة تأتي دائماً من الهامش لتنير المركز وبدون الفراشيش وصمودهم لم يكن ليكون هناك لا دستور ولا جمهورية فالسيادة تُنتزع في الحقول قبل أن تُوقع في القصور.
إنني أقولها بكل صراحة وبلا ديبلوماسية،إن ما نعيشه اليوم من تهميش لمنطقة الوسط الغربي هو استمرار لعقلية المراقب المدني الفرنسي برداء تونسي، فالمطالب التي رفعها الفراشيش في 1906 هي نفسها المطالب التي فجرت ثورة 2010 في سيدي بوزيد و تالة و القصرين هي مطالب الأرض و الكرامة و التنمية العادلة، وإن بقاء شهداء 1906 في حفرة مجهول هو وصمة عار في جبين كل الحكومات المتعاقبة فالتاريخ الذي لا ينصف الفقراء و المتمردين هو تاريخ مزور يجب إحراقه.
ثورة الفراشيش هي المانيفستو الأول للرفض التونسي وهي الدرس الذي يعلمنا أن الجغرافيا أقوى من التاريخ المكتوب وأن الجبل لا ينسى أبناءه فليبحثوا عن حفرة الأثناش وليقرأوا أسماء الشهداء في وجوه أطفال تالة اليوم ليعرفوا أن الثورة ليست حدثاً في الماضي، بل هي ديمومة تسري في عروق هذه الأرض التي ترفض دائماً وأبداً أن تُقاد من الغرباء أو من السماسرة الذين يبيعون دماء الشهداء في سوق التسويات السياسية.

التعليقات والردود

2
عدنان زيدي
2026-02-22
مقال جيد استاذ
لكن اتساءل ان كانت هناك مراجع حول هذا الموضوع
فوزي مسعود
2026-02-19
مقال مهم جدا
مقال ممتاز جدا سي عماد، اهنئك عليه، وهو جدير ان يتم نشره على مستوى واسع لكي يعلم التونسيون بعضا من تاريخهم الذي يتم اخفائؤه عنهم

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال