عن الرؤية والحساب أو بورقيبة وأتاتورك
خطابي هذا موجّه إلى التونسيين ممّن يرفعون شعار الدفاع عن العلمانية والحداثة والمدنية وغيرها من المُسمّيات ذلك أنني لاحظت أن هذه النخب في بداية كل شهر رمضان تسارع إلى الإدلاء بدلوها في الموضوع بالحث على اعتماد الحساب بدل الرؤية لأنّ العلوم تقدمت ومن التخلف اعتماد الرؤية والالتفات عن الحسابات الفلكية، وفي تقديري أنّ طرح الموضوع في صورة هذه الثنائية المقيتة تزيّد ينحرف بنا عن تناول المسألة من أهم جوانبها وهو الجانب السياسي حيث يجب أن نضع في الاعتبار أن هذه المسألة تخصّ المؤمنين فقط ولا علاقة لغيرهم من دعاة الدولة المدنية والفصل بين الدين والسياسة بها فالعبادات شأن خاص طالما بقيت في حدود الممارسة الشخصية كما هو الحال بالنسبة لصيام رمضان ولا تطرح إشكالا إلا عند ملامستها للشأن العام كأن تتدخل الدولة لفرض الصيام على مواطنيها بإغلاق المطاعم والمقاهي وغيرهما، بعد الاستقلال اتجه الزعيم بورقيبة إلى معالجة المسألة الدينية فألغى المؤسّسات التي كانت قائمة كالأوقاف والقضاء الشرعي وغيرهما وعوّضها بأخرى مدنيّة كما قام ببعض الإصلاحات التي لامس فيها بالتطوير بعض ما تعوّد عليه المجتمع كإصداره مجلة الأحوال الشخصية وفتح آفاق التعليم للمرأة وتنظيم النسل وغير ذلك، في نفس الإطار اعتمد الحساب في إثبات دخول رمضان بدل الرؤية وذهب في ظنّه أن ذلك سيساعد على تطوير العقليات الإسلامية وتوجيهها إلى اعتماد أدوات العصر في البحث والتناول، في هذه النقطة بالذات أخطأ الزعيم لأنّه اعتمد سياسة خذ وطالب أو التوسّط والإمساك بالحبل حتى لا ينقطع إن أرخوا شدّ وإن شدّوا أرخى، هذ الأسلوب مفيد جدا في العمل السياسي وهو عنوان نباهة ونجاح ولكنه في الجانب الفكري والثقافي والاعتباري مفلس ومؤد إلى الخسران والضياع، فكمال أتاتورك كان أوضح وأشجع وأحزم من بورقيبة في المسألة حيث أعاد الدين وممارساته إلى الفضاء الخاص وهو ما نلحظ نتائجه اليوم فرغم أن حزبا إسلاميا وصل إلى السلطة إلا أنه لم يستطع تغيير البنية الاجتماعية طوال السنوات الماضية أما في حالتنا فقد عمل بورقيبة على إدخال جرعات من الحداثة لكنّها في غير محلها لأنّها استهدفت الحلول محلّ المؤسّسات الدينية السابقة لا إلغاءها تماما بحيث استُبدل المشرفون السابقون الذين هم الشيوخ وما شاكلهم بمشرف جديد هو الإدارة العامة للشؤون الدينية أولا ووزارة ثانيا أمّا المهمة فقد بقيت هي نفسها، وهو ما أدّى إلى الموقف الوسطي للزعيم حيث تشرف الدولة على الشأن الديني في مختلف مظاهره وتشمله برعايتها ورقابتها، ومن بين الجرعات التي أدخلها بورقيبة في الشأن الديني اعتماده الحساب في دخول الأشهر القمريّة بدلا عن الرؤية، وهو أمر يؤكد مرة أخرى الارتباط بين الدين والسياسة ويجعل من الدولة قيّما على الناس فيما هو خاص وشخصي هذه الوسطيّة التي تنزع إلى الإمساك بكل شيء تظهر لدى الزعيم حتى في أبسط المواقف من ذلك أن البشير بن سلامة وزير الثقافة الأسبق عند مقابلته للزعيم وحديثه معه عن متحف الشمع قال في الصفحة 134 من يومياته الصادرة سنة 2017: "وعندما سردت عليه (يقصد بورقيبة) التماثيل والمشاهد التي سيحتويها هذا المتحف ذكرت له تمثال القديس أغسطنيوس قال لي: لا فائدة فسنضطر إلى وضع الصليب"، يعتبر الأسلوب الذي انتهجته الدولة منذ الاستقلال إلى سنة 2011 ممثلا في خلط الدين بالسياسة من بين الأسباب التي ساعدت على منع ظهور أي فكر علماني أو تنظيم مدني عصري وأبّد حضور المعطى الديني في الشأن العام وهو ما يسّر على الحركات التي تخلط الدين بالسياسة من البقاء حيّة رغم المتابعة الأمنية لأنها وجدت في ثنايا دولتي بورقيبة وابن علي ملاذا تتخفى فيه، إن النجاح في المعركة من أجل قيام نظام عصري يعلي من شأن الإنسان فيستوي الجميع أمام القانون بصرف النظر عن المحدّدات الأخرى هي الطريق لقيام دولة المواطنين وليس جماعة المؤمنين.
عن الرؤية والحساب أو بورقيبة وأتاتورك
2026-02-19
66 قراءة
مقالات رأي
أنس الشابي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال