بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

صفقة قرطاج: حين هزم الذهب الصليب

2026-02-18 151 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
1
صفقة قرطاج: حين هزم الذهب الصليب
إنّ قراءة التاريخ تقتضي منّا أولاً أن ننزع عن الأحداث أغلفتها الرومانسية المضللة، وأن نكفّ عن النظر إلى الوقائع بوصفها مجرد صدف عابرة أو نزوات ملوك، بل هي في جوهرها اشتباك جيوسياسي بارد تحركه المصلحة وتديره آلة الاستخبارات وتغذيه أوهام الهيمنة.
الحملة الصليبية الثامنة التي حطت رحالها على سواحل قرطاج في صيف عام ألف ومائتين وسبعين ميلادية لم تكن مجرد رحلة حج مسلحة لملك فرنسي أرهقته الذنوب وأضناه الشوق لبيت المقدس بل كانت زلزالاً استراتيجياً في قلب المتوسط ومحاولة انتحارية لإعادة رسم خرائط النفوذ في لحظة فارقة كان فيها العالم الإسلامي يعيد تشكيل نفسه بعد سقوط بغداد المروع وتداعي الخلافة العباسية.
ومن هنا نجد أنفسنا أمام مشهد بالغ التعقيد، حيث تونس التي كانت حينها تحت حكم الدولة الحفصية في أوج عنفوانها وتوسعها، لم تكن مجرد جغرافيا مستهدفة، بل كانت قطب الرحى في توازنات القوى بين الشرق المملوكي الصاعد بقوة الحديد والنار بقيادة الظاهر بيبرس وبين الغرب الأوروبي الذي كان يحاول لملمة شتاته الصليبي بعد هزائم الشام المريرة.
وإذا ما أردنا تفكيك شفرة هذا التوجه نحو تونس بدلاً من القدس فإننا نصطدم بتلك الشبكة العنكبوتية من المصالح الاقتصادية التي كانت تربط تجار جنوة والبندقية وصقلية بالموانئ الإفريقية وهي مصالح كانت تتقاطع مع طموحات شارل أنجو شقيق الملك لويس التاسع، ذلك الداهية الذي كان يرى في تونس مفتاحاً للسيطرة على مضيق صقلية ومصدراً للثروة يعوضه عن ديونه المتراكمة، وهو الذي دفع بأخيه القديس نحو محرقة قرطاج تحت غطاء التبشير وإعادة الضالين إلى حظيرة الكنيسة، بينما كانت عيناه ترنو إلى المكوس والضرائب والذهب الذي كان يتدفق من أعماق إفريقيا نحو خزائن المستنصر بالله الحفصي، هذا السلطان الذي لم يكن مجرد حاكم محلي، بل كان يرى في نفسه خليفة للمسلمين والمؤمنين قاطبة، مستغلاً الفراغ الروحي والسياسي الذي خلفه المغول في المشرق، ليعلن تونس مركزاً للعالم الإسلامي الجديد.
وبناءً على هذه المعطيات الجيوسياسية الضخمة، فإن المواجهة لم تكن عسكرية فحسب، بل كانت صداماً بين مشروعين للسيادة، مشروع صليبي يحتضر يحاول استعادة مجده الغابر عبر بوابة شمال إفريقيا، ومشروع حفصي يطمح لبناء إمبراطورية متوسطية تفرض شروطها على الجميع.
تجلى هذا الصدام في عبقرية الاستراتيجية الدفاعية التي اتبعها المستنصر والتي لم تعتمد على الصدام المباشر الذي كان يبحث عنه الفرسان الفرنسيون ببريق دروعهم وثقل سلاحهم، بل اعتمدت على حرب الاستنزاف و سلاح الطبيعة و الانتظار الاستراتيجي خلف أسوار تونس المنيعة.
تلك الأسوار التي لم تكن مجرد حجارة مرصوصة، بل كانت تجسيداً لقوة الدولة ومناعتها المعمارية واللوجستية، حيث جُندت القبائل من التخوم والصحاري في نفي عام حول الحرب من مواجهة بين جيشين إلى ملحمة شعبية كبرى. وفي هذا السياق التاريخي المشحون كان الصيف التونسي اللاهب في شهر يوليو وأغسطس هو الجندي المجهول الذي فتك بجيوش لويس التاسع قبل أن تصل إليهم نبال المسلمين، فانتشر الوباء وتحول المعسكر الصليبي في قرطاج إلى مقبرة كبرى ابتلعت أحلام القديس الفرنسي، الذي انتهى به المطاف ميتاً على رمال قرطاج، لتبدأ فصول الدبلوماسية المريرة والمفاوضات التي قادها شارل أنجو ببراغماتية مفرطة، منتهية بمعاهدة تونس الشهيرة التي وقعت في عام ألف ومائتين وسبعين، والتي كانت في ظاهرها تنازلاً مالياً حفصياً كبيراً، ولكنها في باطنها كانت اعترافاً أوروبياً بالسيادة التونسية وتثبيتاً لمكانة الدولة الحفصية كقوة لا يمكن تجاوزها في المعادلة المتوسطية، وهو ما أثار حفيظة المماليك في مصر الذين كانوا يطالبون برؤوس الصليبيين لا بأموالهم، لتبدأ من هنا قصة أخرى من الصراع على الشرعية والزعامة داخل البيت الإسلامي نفسه، بين عقلية المجاهد المملوكي وعقلية الدبلوماسي الحفصي، في مشهد يختزل كل تناقضات التاريخ والسياسة التي لا تزال تطل برأسها حتى يومنا هذا في هذا الحوض المتوسطي القلق الذي لا يهدأ.

الدخول في تفاصيل الماكينة الحربية والسياسية للدولة الحفصية في ذلك العصر يكشف لنا عن أسرار لم تكن تروى في كتب التاريخ التقليدية التي تكتفي بسرد الوقائع السطحية، بل هي أسرار تكمن في قدرة العقل التونسي آنذاك على إدارة الأزمات الكبرى بلعبة تعدد المسارات، فقد كان المستنصر بالله يدير حواراً سرياً مع ملوك أراغون في الوقت الذي كان فيه يستعرض قواته أمام أسوار قرطاج، وكان يستخدم التجار الإيطاليين كقنوات استخباراتية لمعرفة ما يدور في أروقة البلاط الفرنسي والبابوية في روما، وإذا ما عدنا إلى لغز التوجه الصليبي نحو تونس، فإننا سنجد أن ديون اللحياني لم تكن مجرد مطالب مالية لتجار مغبونين بل كانت ذريعة استراتيجية استخدمتها القوى الأوروبية لمحاصرة التمدد الحفصي الذي بدأ يهدد المصالح التجارية في صقلية وجنوب إيطاليا.
الدولة الحفصية كانت قد نجحت في تحويل تونس إلى هونغ كونغ العصور الوسطى، حيث تلتقي قوافل الذهب القادمة من تمبكتو وسجلماسة بسفن التجارة الأوروبية، وهذا التراكم الرأسمالي الهائل هو الذي مول بناء ساقية زغوان وتجديد الحصون وهو نفسه الذي جعل من تونس هدفاً لا يقاوم لملوك أوروبا الذين كانوا يعانون من إفلاس مزمن جراء الحروب المستمرة.
ومن هنا نفهم لماذا وافق المستنصر على دفع مائتين وعشرة آلاف أوقية ذهبية في المعاهدة، لم تكن غرامة هزيمة، بل كانت رسم عبور لخروج آمن لجيش مهزوم بالمرض والجوع و استثماراً في استقرار طويل الأمد سمح للدولة الحفصية بالاستمرار لثلاثة قرون أخرى.
الحاكم الذكي هو من يعرف متى يستبدل السيف بالذهب ليشتري الزمن، والزمن في الجيوبوليتيك هو أغلى العملات. بينما كان لويس التاسع يغرق في أوهامه الميتافيزيقية عن تحويل المسلمين إلى المسيحية، كان المستنصر بالله يغرق في حساباته الرياضية عن كيفية حماية طرق التجارة وضمان تدفق القمح والزيت نحو الموانئ الأوروبية مقابل اعتراف سياسي كامل بخلافته، وهي المقايضة التي جعلت من تونس في ذلك الوقت القوة العربية الوحيدة التي تفاوض الند للند مع أباطرة الغرب، بعيداً عن صخب المشرق وجراحه النازفة. وإذا ما حللنا البنية التحتية الدفاعية نجد أن الحفصيين قد استبقوا الهجوم بترميم برج قرطاج وتحصين حلق الوادي وتجهيز الأسطول، ولكن السلاح الأشد فتكاً كان العصبية التي تحدث عنها ابن خلدون لاحقاً، حيث استطاعت الدولة صهر القبائل العربية المهاجرة والبربر المستقرين في بوتقة واحدة لمواجهة الآخر الصليبي، مما خلق حالة من الوحدة الوطنية المبكرة التي تكسرت عليها نصال الصليبيين.
مع وفاة لويس التاسع في الخامس والعشرين من أغسطس لم تمت الحملة فقط، بل ماتت معها فكرة الحروب الصليبية الكبرى بمعناها الديني الصرف، لتفسح المجال لعصر الدبلوماسية القنصلية والاتفاقيات التجارية التي أصبحت هي المحرك الفعلي للعلاقات بين ضفتي المتوسط، وهو ما يؤكد أن تونس عام ألف ومائتين وسبعين كانت المختبر الذي ولدت فيه قواعد السياسة الدولية الحديثة، حيث المصالح تغلب العقائد، وحيث الجغرافيا تفرض أحكامها القاسية على الجميع مهما بلغت قوتهم أو قداسة دوافعهم.
هذه المواجهة لم تكن مجرد فصل في كتاب الحروب، بل كانت درساً في قواعد الاشتباك الحضاري، فالمستنصر بالله الذي بويع بالخلافة في مكة والمدينة والأندلس، كان يدرك أن شرعيته ليست معلقة فقط بالدين، بل بقدرته على حماية بيضة الإسلام في الغرب.
من هنا كانت استراتيجيته في تجنب المعركة الكبرى هي قمة الحكمة العسكرية، فلو خرج بجيشه لملاقاة لويس التاسع في العراء، لربما مكن الفرسان الفرنسيين من استخدام ميزتهم في القتال الثقيل، لكنه اختار حرب العصابات الليلية التي كان يشنها متطوعو القبائل، هؤلاء الذين كانوا ينقضون على المعسكر الصليبي تحت جنح الظلام، فيما عرف
بالبيات، مما نشر الرعب والسهاد في صفوف الغزاة، وأنهك قواهم النفسية قبل البدنية.
وإذا ما نظرنا إلى المعاهدة التي تلت ذلك، فإننا نجدها وثيقة استخباراتية بامتياز، تضمنت بنوداً تضمن حرية التجارة وبناء الفنادق (وهي مراكز تجارية محصنة) للتجار الأوروبيين، مما حول تونس من ساحة حرب إلى منصة لوجستية عالمية وهذا هو السر الكبير في بقاء الدولة الحفصية، فقد عرفت كيف تحول العداء العسكري إلى اعتماد اقتصادي متبادل بحيث يصبح استقرار تونس مصلحة حيوية لباريس ولندن وجنوة.
إنها الدبلوماسية الوقائية التي سبقت عصرها بقرون، فبينما كان الظاهر بيبرس يرسل رسائل التقريع للمستنصر متهماً إياه بمهادنة الكفار كان المستنصر يبتسم وهو يرى الذهب الأوروبي يتدفق إلى خزائنه، والقساوسة الفرنسيين يغادرون قرطاج وهم يحملون جثمان ملكهم في توابيت من رصاص تاركين خلفهم حلماً لم يتحقق ودولة حفصية لم تزدها المحنة إلا قوة ومنعة، وهذا هو جوهر القاعدة السياسية التي تحكم تونس عبر العصور« القدرة على امتصاص الصدمات الكبرى وتحويلها إلى فرص للبقاء عبر المزاوجة بين الصلابة الميدانية والمرونة الدبلوماسية» مما جعل من عام ألف ومائتين وسبعين نقطة تحول ليس فقط في تاريخ تونس، بل في تاريخ النظام العالمي القديم الذي بدأ يتهاوى ليفسح المجال لعصر النهضة والقوى البحرية الصاعدة، حيث لم تعد القدس هي الهدف، بل أصبحت السيطرة على طرق الملاحة والأسواق هي الجائزة الكبرى، وتونس كانت في قلب ذلك الرهان، فصمدت بذكاء حكامها وبسالة شعبها وعمق تاريخها الذي يرفض الانكسار أمام أي حملة، مهما كانت مقدسة أو مدججة بالسلاح.
إن التمعن في ثنايا هذه المعاهدة المبرمة في الثلاثين من أكتوبر عام ألف ومائتين وسبعين ميلادية يكشف لنا عن زلزال جيوبوليتيكي لم تكن تونس فيه مجرد طرف موقع، بل كانت المهندس الفعلي لنظام متوسطي جديد استبدل منطق الصليبية بمنطق الكومبوستور أو الدفتر التجاري.
المعاهدة في جوهرها لم تكن وثيقة استسلام كما حاول المماليك تصويرها في القاهرة، بل كانت إعلاناً عن ولادة البراغماتية المغربية التي أدركت مبكراً أن حماية الدولة لا تتم فقط بحد السيف بل بضمان تدفق السيولة النقدية في الشرايين الحيوية للمتوسط، وإذا ما غصنا في لغز المبلغ الضخم الذي دفعه المستنصر بالله، وهو مائتان وعشرة آلاف أوقية من الذهب الخالص، فإننا نكتشف سراً اقتصادياً غاية في الأهمية، وهو أن خزينة الدولة الحفصية كانت في ذلك الوقت هي البنك المركزي الفعلي للمنطقة، حيث كان الذهب يتدفق من مناجم بامبوك و بوريه في أعالي النيجر والسنغال عبر القوافل الصحراوية ليصل إلى أرصفة حلق الوادي، وهذا الذهب الذي انتقل من خزائن تونس إلى يد شارل أنجو لم يذهب فقط لتغطية نفقات الحملة، بل كان بمثابة خطة مارشال مبكرة أنقذت مملكة صقلية من الإفلاس وأعادت ضخ السيولة في الأسواق الإيطالية والفرنسية، مما خلق حالة من الاعتماد المتبادل جعلت القوى الأوروبية تدرك أن بقاء الدولة الحفصية مستقرة وقوية هو الضمانة الوحيدة لاستمرار تدفق المعدن النفيس نحو القارة العجوز.
ومن هنا ندرك أن المعاهدة أسست لما يمكن تسميته
بالسيادة المشروطة بالتجارة حيث منحت التجار الأوروبيين امتيازات غير مسبوقة في بناء الفنادق التي لم تكن مجرد مخازن للسلع، بل كانت دويلات داخل الدولة تتمتع بالحصانة القضائية والإدارية وهو ما نعتبره اليوم البذرة الأولى لنظام القنصليات والتمثيل الدبلوماسي الحديث، وهذا التغلغل الاقتصادي المنظم أدى إلى تحول هيكلي في بنية "المخزن" الحفصي، الذي بدأ يعتمد بشكل متزايد على الرسوم الجمركية (المكوس) بدلاً من الخراج والجزية التقليدية، مما حول الدولة من نموذج "الخلافة الجهادية" إلى نموذج "الدولة التاجرة" التي تدير موازنتها بمنطق الربح والخسارة، وهو التحول الذي ضمن لتونس استقراراً نقدياً فريداً جعل "الدينار الحفصي" عملة صعبة تطلبها بنوك جنوة وبيزا، بينما كانت بقية أجزاء العالم الإسلامي تغرق في الفوضى النقدية والحروب الأهلية، ولعل السر الأكبر الذي تخفيه هذه المعاهدة هو دورها في "تحييد" الجبهة الغربية للعالم الإسلامي تماماً عن الصراع المملوكي-الصليبي في المشرق، فبموجب الهدنة التي استمرت عشر سنوات وتجددت تلقائياً، أصبحت تونس "منطقة تجارة حرة" آمنة بعيدة عن نيران المدافع، مما سمح للمستنصر بالله بأن يتفرغ لبناء النهضة العمرانية والعلمية التي جعلت من جامع الزيتونة قطباً جاذباً للعلماء من الأندلس والمشرق على حد سواء، ومن الناحية الجيواستراتيجية، فإن المعاهدة كانت ضربة معلم دبلوماسية لأنها "فككت" التحالف الصليبي من الداخل، حيث خرج شارل أنجو بمكاسب مالية وسياسية جعلته يزهد في استمرار الحرب، بينما عاد الأمير إدوارد الإنجليزي بخيبة أمل دفعته للتوجه شرقاً، مما أدى في النهاية إلى تشتت القوى الأوروبية وفقدانها للبوحدة الموحدة التي كان لويس التاسع يمثل رمزيتها الروحية، وهكذا نجد أن تونس في عام ألف ومائتين وسبعين لم تنجُ بجلدها فقط، بل أعادت صياغة قواعد اللعبة المتوسطية بما يخدم استمراريتها كدولة محورية، وفرضت على الغرب اعترافاً ضمنياً بأن "الإسلام المغربي" هو شريك اقتصادي لا يمكن استئصاله عسكرياً، وهو الدرس الذي يبدو أن الكثيرين لا يزالون يتجاهلونه في قراءتهم للتاريخ، إذ إن القوة الحقيقية للدول لا تقاس دائماً بعدد الانتصارات العسكرية في الميدان، بل بقدرتها على تحويل الهزيمة الوشيكة إلى عقد قانوني واقتصادي ملزم يضمن لها البقاء والازدهار في محيط متلاطم من الأطماع والتحولات الكبرى، وهذا هو جوهر العبقرية الحفصية التي استلهم منها ابن خلدون لاحقاً نظرياته في فضل التجارة على الحرب وفي كيفية بناء الدول على أسس الجباية المنظمة والعدل العمراني، مما جعل من هذه المعاهدة وثيقة التأسيس لقرون من الاستقرار النسبي الذي طبع تاريخ تونس والمنطقة المغاربية قبل دخول القوى الاستعمارية الحديثة في القرن التاسع عشر.
إنّ ما شيده المستنصر بالله عقب رحيل الأساطيل الصليبية لم يكن مجرد أحجار مرصوصة لتضميد جراح الحرب، بل كان "مانيفستو" عمرانياً وسياسياً يهدف إلى تحويل تونس من ثغر محاصر إلى "إمبراطورية لوجستية" تمتلك ناصية التحكم في الحوض المتوسطي، فالمستنصر الذي رأى جثث فرسان فرنسا تتساقط على رمال قرطاج أدرك أن البقاء ليس لمن يملك السيف الأطول بل لمن يملك الإدارة الأكفأ والمورد الدائم، ومن هنا بدأت مرحلة "الهندسة الشاملة" التي انطلقت من عصب الحياة وهو الماء، حيث لم يكن ترميم "حنايا زغوان" العظيمة مجرد مشروع ري، بل كان قراراً استراتيجياً لربط العاصمة بجذورها الجغرافية العميقة وضمان استقلالها المائي أمام أي حصار مستقبلي، وهذا التدفق المائي الذي قطع عشرات الكيلومترات ليصل إلى قلب تونس لم يكن يغذي البيوت فحسب، بل كان يغذي "غرور الدولة" الصاعدة التي تتباهى بقدرتها على ترويض الطبيعة في عز الصيف الذي قتل لويس التاسع، وإذا ما دلفنا إلى داخل أسوار العاصمة، سنجد أن المستنصر قد أسس لنظام "الخانات" و"الفنادق" التخصصية، فأنشأ فندقاً للفرنسيين وآخر للجنويين وثالثاً للأراغونيين، لكنها لم تكن مجرد أماكن للمبيت، بل كانت "مناطق تجارة حرة" تخضع لرقابة "أمين التجار" الذي كان يعينه السلطان شخصياً، وهو منصب يشبه إلى حد بعيد وزير التجارة الدولية اليوم، وبذلك أحكمت الدولة قبضتها على "المكوس" أو الرسوم الجمركية التي أصبحت المورد الأول للخزانة، متجاوزة بذلك الاعتماد التقليدي على الضرائب الزراعية المتقلبة، وهذا "النظام الضريبي الذكي" هو الذي مول بناء "جامع الهواء" و"المدرسة الشماعية"، وهي مؤسسات لم تكن دينية فقط، بل كانت معامل لإنتاج النخبة الإدارية والقانونية التي تدير هذه الماكينة البيروقراطية المعقدة، وفي المقابل، كان "الأسطول الحفصي" يعاد بناؤه في "دار الصناعة" بتونس، لا ليشن حروباً توسعية، بل ليكون "شرطة بحرية" تحمي طرق التجارة وتضمن أمن السفن الأوروبية التي تدفع الجزية مقابل الحماية، وهنا يكمن السر الحفصي: تحويل العدو السابق إلى زبون دائم، وتحويل الساحل التونسي من جبهة قتال إلى مرفأ عالمي، كما أن المستنصر لم يغفل "العنصر الرمزي" في بناء الدولة، فأنشأ "الحديقة" أو "المتنزه" السلطاني الذي كان يضاهي حدائق الحمراء في الأندلس، ليبعث برسالة إلى ملوك أوروبا وصقلية مفادها أن تونس ليست "معسكراً للجهاد" بل هي "واحة للحضارة" والرفاه، وهذا التزاوج بين القوة العسكرية المتمثلة في الحصون الساحلية والرفاه المدني المتمثل في الأسواق والمدارس، هو الذي خلق ما نسميه "الاستثناء الحفصي" في القرن الثالث عشر، حيث استطاعت تونس أن تكون "خلافة" في خطابها الديني و"دولة مؤسسات" في ممارستها السياسية، مما جعلها القبلة المفضلة للمهاجرين الأندلسيين الذين حملوا معهم خبراتهم في الزراعة والصناعة والتدوين، ليعيدوا صياغة المجتمع التونسي وفق نمط حضاري يجمع بين أصالة المغرب وحداثة الأندلس، وبذلك تحولت تونس في عهد المستنصر بالله إلى "الرجل القوي" في المتوسط الذي لا يخشى الغزو لأنه ببساطة جعل من غزوِه خسارة اقتصادية كبرى لغزاته، وهذه هي ذروة العبقرية الاستراتيجية التي جعلت من الحملة الصليبية الثامنة مجرد "نقطة انطلاق" لعصر ذهبي لم تنطفئ شعلته إلا بعد قرون، عندما ترهلت هذه المؤسسات وفقدت الدولة قدرتها على الابتكار، لكن في لحظة 1270م وما تلاها، كانت تونس هي النموذج الذي يحتذى في كيفية تحويل الأزمات الوجودية إلى رافعات للنهوض الوطني الشامل.

إنّ استحضار لحظة عام ألف ومائتين وسبعين ميلادية ليس مجرد نبش في ركام التاريخ أو بكاءً على أطلال قرطاج، بل هو تفكيك للجينات الأولى التي كونت ما نسميه اليوم "العقيدة الدبلوماسية التونسية"، فهذه البلاد التي تجلس على ربوة المتوسط كأنها حارس نائم بعين مفتوحة، تعلمت منذ صدمة لويس التاسع أن قدرها هو "إدارة التناقضات" لا الانغماس فيها، فالمستنصر بالله الحفصي لم يورث التونسيين الأسوار والحنايا فحسب، بل أورثهم "خارطة طريق" ذهنية تقوم على أن القوة الحقيقية للدول الصغيرة والجغرافيات المحورية تكمن في "الذكاء الاستراتيجي" الذي يسبق قعقعة السلاح، فالتونسي منذ ذلك الحين بات يدرك غريزياً أن بلاده هي "منطقة عبور" للأفكار والجيوش والسلع، وأن النجاة تكمن في تحويل هذا العبور إلى "عقد مصلحي" يجعل من استقرار تونس ضرورة دولية، تماماً كما جعل المستنصر من استقرار عرشه مصلحة حيوية لخزائن صقلية وفرنسا وأراغون، وإذا ما نظرنا إلى السياسة الخارجية التونسية في العصر الحديث، سنجد أصداء واضحة لتلك البراغماتية الحفصية؛ فهي سياسة قائمة على "تحييد المخاطر" عبر الدبلوماسية الوقائية، والميل الدائم نحو الحلول التعاقدية بدلاً من الصدامات الصفرية، وهي مدرسة ترى في "القوة الناعمة" من ثقافة وفن وتجارة وموقع جغرافي سلاحاً أمضى من الترسانات التي قد تصدأ أو تُهزم بالوباء والزمن، إن "روح الصافي سعيد" في قراءة هذا المشهد تدفعنا للقول إن تونس عام ألف ومائتين وسبعين كانت أول دولة في المنطقة تكتشف مفهوم "الحياد الإيجابي" و"الاشتباك المنتج"، فهي لم تنغلق على نفسها خلف أسوارها، بل فتحت أبوابها للتجار والقناصل والعلماء، محولةً الهزيمة العسكرية الوشيكة إلى نصر سياسي واقتصادي مستدام، وهذا الدرس التاريخي يخبرنا بأن الشخصية التونسية هي شخصية "تفاوضية" بامتياز، تعرف كيف تمتص هيجان القوى العظمى وتنتظر لحظة ضعفها لتعقد معها "معاهدة بقاء" تضمن السيادة مقابل المنفعة، وهو ما يجعل من تاريخ الحملة الصليبية الثامنة ليس قصة "غزو فاشل" فحسب، بل قصة "تأسيس ناجح" لهوية دولة عرفت كيف تفرض احترامها على ضفتي المتوسط عبر العصور، مستلهمة من حكمة المستنصر وبصيرة ابن خلدون أن الدول لا تسقط طالما بقيت قادرة على إنتاج المعنى وإدارة المادة بذكاء، وهكذا تظل تونس، من قرطاج الحفصية إلى تونس الحديثة، مختبراً دائماً لسياسة "الممكن" وساحة لتصادم الإمبراطوريات التي تنتهي دوماً بالرحيل، بينما تظل هي واقفة، شامخة بأسوارها، ومحصنة بذاكرتها التي لا تنسى أن "الذهب والدبلوماسية" قد يكونان أحياناً أشد فتكاً من المنجنيق، وأن السيادة الحقيقية هي التي تُبنى في عقول الرجال قبل أن تُبنى في ساحات القتال.

التعليقات والردود

1
يوسف
2026-02-18
انت ممتاز يا استاذ
انت تحاول ان تبعث بروح جديدة عساها ان تخرج تونس من هذا التخلف
اتمنى ان تجد افكارك اذانا صاغية
لانه ما ينقصنا لنحلق هو الارادة السياسية

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال