حين أنبش في ركام التاريخ لا أفعل ذلك استعادة لرفات الموتى أو رغبة في الوقوف على الأطلال التي أكل عليها الدهر وشرب بل لأنني أدرك بيقين العارفين بمآلات الأمور أن الحاضر ليس إلا صدى لضربات الفؤوس القديمة في مناجم الهوية. وأن الشخصية العربية في جوهرها الأكثر لمعاناً لم تتشكل في غرف العمليات السياسية الحديثة بل صُهرت في أفران الصحراء الكبرى حيث كان الرجل يقاس بمقدار ما يعطي لا بمقدار ما يملك وحيث كانت الكلمة هي العقد الاجتماعي الوحيد الذي لا يقبل النقض حتى لو كان الثمن هو الدم أو الفجيعة الكبرى.
ومن هنا فإن استحضار قامة مثل حاتم الطائي ذلك الفارس المسيحي الذي جعل من الكرم ديناً موازياً ومن السموأل بن عادياء ذلك الشاعر اليهودي الذي جعل من الوفاء أسطورة تتحدى الفناء ليس مجرد ترف أدبي بل هو محاولة لاختراق الجدار العازل الذي بنته الأيديولوجيات المتأخرة لتفصل بين الأديان والقيم ولتؤكد أن المروءة هي القاسم المشترك الأكبر الذي صهر المسيحية واليهودية في بوتقة الوجدان العربي قبل أن تنبثق فجر الرسالة المحمدية لتعيد صياغة هذا الإرث في قالب كوني .
ولذلك أجدني مندفعاً بكل ما أوتيت من أدوات التحليل الجيوسياسي والثقافي لأفكك شيفرة الرجل الرمز في تلك الفيافي التي كانت تعج بالرهبان والكهان والشعراء.
حيث نجد حاتم الطائي الذي يلفه ضباب الأسطورة ويحرسه نبل الحقيقة يموت على مسيحيته في بدايات التحول الكوني الكبير تاركاً خلفه ابنة هي سفانة وابناً هو عدي ليكون شريكاً في صياغة التاريخ الجديد دون أن يراه وكأن كرمه الفياض كان بمثابة المبشر الأخلاقي الذي مهد الأرض لرسالة جاءت لتتمم مكارم الأخلاق.
فالنبي الكريم حين امتدح حاتماً لم يمتدح شخصاً غاب في الثرى بل امتدح نموذجاً إنسانياً تجاوز حدود المعتقد الضيق ليعانق المطلق وهو ما يجعلنا نتساءل عن تلك اللحظات الوجودية التي عاشها حاتم وهو يذبح فرسه الوحيدة ليطعم ضيفاً طرقه في ليل شاتٍ .
ألم تكن تلك الفرس هي رأس ماله الرمزي والمادي ومع ذلك فقد قدمها على مذبح الجود تماماً كما قدم السموأل ابنه على مذبح الوفاء في تلك الواقعة الزلزالية التي جرت أحداثها في حصن الأبلق الفرد بمدينة تيماء .
حيث وقف السموأل بين خيارين لا ثالث لهما إما أن يخون عهد امرؤ القيس الكندي ويسلم الدروع التي استؤمن عليها وإما أن يرى ابنه يُذبح أمام ناظريه فاختار الخلود في ذاكرة الوفاء على حساب استمرار نسله وهي لحظة تراجيدية تفوق في حدتها مسرحيات الإغريق لأنها لم تكن خيالاً بل كانت واقعاً تجسد في رجل يهودي الهوية عربي الانتماء عالمي المبدأ .
مما يثبت أن هذه الأرض لم تكن يوماً صحراء قاحلة من القيم بل كانت مختبراً بشرياً أنتج مفاهيم الأمانة والجوار والذمة التي تكسرت عليها سيوف الجبابرة.
وإنني إذ أتقصى هذه السجلات التاريخية من كتاب الأغاني للأصفهاني إلى وفيات الأعيان لابن خلكان لا أبحث عن القصص المسلية بل أبحث عن الجينوم الأخلاقي الذي يفسر لماذا ظل العربي رغم كل انكساراته وهزائمه أمام القوى الإمبريالية متمسكاً بخيوط واهية من الكبرياء والأنفة ؟ولماذا تحولت أسماء حاتم والسموأل إلى أمثال سائرة تلهج بها الألسن في كل عصر ومصر كأنها تمائم سحرية تحمي الهوية من الذوبان في عولمة تريد تجريد الإنسان من خصوصيته الأخلاقية وتحويله إلى رقم في معادلة الربح والخسارة .
فحاتم الطائي لم يكن مجرد مُطعم للطعام بل كان فيلسوفاً للزهد في المادة والسموأل لم يكن مجرد حارس للدروع بل كان حارساً لشرف الكلمة التي هي أقدس من الذهب والفضة. وهذه الرؤية الشمولية هي التي تجعلنا نعيد قراءة التنوع الديني في شبه الجزيرة العربية ليس كعوامل فرقة بل كروافد صبت كلها في نهر المروءة العظيم حيث المسيحي واليهودي والحنيفي كانوا ينسجون معاً بردة واحدة من القيم التي سبقت النص الديني المكتوب لتستقر في النص الإنساني المعاش.
وهو ما أحاول تدوينه هنا بعيداً عن صخب الجمل القصيرة التي لا تستوعب عمق المأساة وبعيداً عن العناوين التي تفتت الحقيقة ليبقى النص نهراً متدفقاً يربط بين حصن الأبلق وقبيلة طيء وبين الجوع والوليمة وبين الدم والوفاء في رحلة بحث عن الإنسان الذي ضاع منا في زحام الحداثة المشوهة والمدن الإسمنتية التي تفتقر إلى روح الضيافة والأمانة .
إننا اليوم بحاجة إلى استعادة حاتم لنكافح جشع الرأسمالية المتوحشة وإلى استحضار السموأل لنواجه زمن الخيانات الكبرى والمواقف المائعة .
فالتاريخ ليس خلفنا بل هو يسير أمامنا يلوح لنا بتلك الرموز التي كانت ترى في العرض مادة لا تُباع ولا تُشترى وفي العهد ديناً لا يسقط بالتقادم وهذا هو المتن الحقيقي الذي أريد تأصيله في هذا المقال حيث تذوب الفوارق المذهبية أمام عظمة الفعل الإنساني وحيث يصبح حاتم الطائي والسموأل بن عادياء هما التوأم السيادي في مملكة الأخلاق العربية التي لا تغيب عنها الشمس مهما اشتدت علينا ظلمات الجهل والتبعية ومهما حاول المستشرقون والمنهزمون داخلياً تصويرنا كمجرد قبائل رحل لا هم لها سوى الغزو والنهب متناسين أن تلك القبائل هي التي وضعت دستور الوفاء قبل أن تعرفه القوانين الوضعية بقرون طويلة وأن حصن الأبلق كان يمثل البنك المركزي للقيم والأمانات في زمن لم تكن فيه ضمانات سوى كلمة الرجل التي هي أقوى من الرصاص وأبقى من الحجر.
وسوف أمضي في هذا السرد الملحمي محللاً الدوافع النفسية التي جعلت السموأل يضحي بفلذة كبده من أجل دروع مادية ليتضح لنا أن القضية لم تكن حديداً بل كانت مبدأً وأن حاتم حين وهب كل ما يملك لم يكن يبحث عن الشهرة بل كان يمارس طقساً صوفياً في إنكار الذات ليكون كل منهما قد رسم لنا طريقاً للنجاة في هذا العالم الذي فقد بوصلته الأخلاقية وأصبح يلهث خلف سراب المادة الزائل تاركاً وراءه كنوزاً من المعاني التي لا تقدر بثمن والتي أحاول هنا استخراجها من بين ثنايا المخطوطات القديمة ومن تحت رمال الصحراء التي شهدت على أعظم الصراعات الوجودية في تاريخ البشرية صراع الإنسان مع نفسه من أجل أن يبقى إنساناً حراً وكريماً ووفياً.
حين نغوص في تلك الجغرافيا الملتهبة لا نجد أنفسنا أمام مجرد رمال صامتة أو واحة معزولة بل أمام مختبر جيوستراتيجي كان يغلي بصراعات الأباطرة والوكلاء حيث كانت تيماء تمثل الرئة التي تتنفس منها قوافل الشرق والغرب في عالم محكوم بمنطق القوة العارية والتحالفات الغادرة التي لا تعترف بالأخلاق إلا كمساحيق تجميل للحروب التوسعية. لقد كان حصن الأبلق الفرد يتوسط هذا الصخب كصرخة سيادة في وجه التبعية المطلقة فلم يكن السموأل مجرد حارس لقلعة حجرية بل كان حارساً لثغر أخلاقي في منطقة كانت تتقاسمها مخالب المناذرة في الحيرة ومطامع الغساسنة في الشام وهي القوى التي لم تكن سوى بيادق متقدمة على رقعة الشطرنج الكبرى بين بيزنطة وفارس. في هذا المناخ المشحون بالخيانة والمقاولات السياسية الرخيصة تشكلت صلابة الموقف الأخلاقي لدى السموأل ليس كفعل رومانسي عابر بل كضرورة وجودية لانتزاع الاحترام في بيئة لا تحترم إلا القوي المتماسك، فتيماء بحكم موقعها كعقدة مواصلات عالمية كانت ترى سقوط الممالك ونهوض العروش وتدرك أن الكلمة هي الحصن الأخير الذي لا يسقط حين تسقط الأسوار ومن هنا نفهم أن رفض السموأل تسليم دروع امرئ القيس لم يكن مجرد وفاء لصديق أو لشاعر منبوذ بل كان إعلاناً سياسياً مدوياً بأن هذه الواحة ليست للبيع وأن حصنها لا يخضع لابتزاز الجيوش الجرارة التي كانت تحاصر الروح قبل أن تحاصر الجدران.
تلك البيئة القاسية بتضاريسها التي تنحت الوجوه والقلوب فرضت على السموأل أن يختار بين أن يكون تابعاً ذليلاً لمنطق القوة الغاشمة أو أن يكون سيداً في مملكته الأخلاقية حتى لو كان الثمن هو نحر فلذة كبده أمام عينيه في تراجيديا إنسانية هزت ضمير الصحراء وأرخت لمفهوم جديد للسيادة يتجاوز حدود الجغرافيا ليصبح حالة من الاستعلاء الأخلاقي على الموت نفسه.
كان الصراع الذي أحاط بتيماء صراعاً على الهوية في المقام الأول حيث حاولت الإمبراطوريات تدجين القبائل وتحويل حصونها إلى مخافر حدودية تابعة لكن الأبلق ظل عصياً على التدجين لأن صاحبه أدرك بحدسه التاريخي أن السمعة هي العملة الوحيدة التي لا تنهار في بورصة الانهيارات السياسية الكبرى وهكذا تحولت تيماء من مجرد نقطة في الخارطة إلى منارة في الوجدان الإنساني تثبت أن الفرد الصامد بكلمته يستطيع أن يهزم جبروت الإمبراطوريات التي رحلت وبقيت قصيدة الوفاء تنبض في عروق التاريخ كدليل على أن الجغرافيا هي التي تصنع القدر لكن الموقف هو الذي يصنع الخلود.
حين ننتقل من تشريح الجغرافيا إلى تفكيك الرمزية السياسية لهذا الحصن نكتشف أن الأبلق لم يكن مجرد بناء من مرمر وأبلق بل كان أول مختبر لإنتاج السيادة الفردية في مواجهة تغول الإمبراطوريات حيث تحول السموأل من مجرد زعيم محلي إلى أيقونة كونية ترفض الانصياع لمنطق الضرورة الذي يتذرع به الضعفاء لتبرير الخيانة فهذا الحصن الذي استعصى على ملوك الغساسنة والمناذرة صار في العقل الجمعي العربي ملجأ أخلاقياً نلوذ به كلما تآكلت جدران الثقة بين الحاكم والمحكوم وكلما رأينا ملوك الطوائف الجدد يبيعون الدروع والسيوف في أسواق النخاسة السياسية الدولية بينما كان السموأل يقدم دم ابنه قرباناً لحماية أمانة وضعت في عهدته وهو ما يطرح تساؤلاً حارقاً حول تحول السياسة من فن الوفاء بالعهود الكبرى إلى تقنية التخلص من الأعباء الأخلاقية بذريعة الواقعية السياسية الفجة التي جعلت من جغرافيا العرب مجرد ممرات آمنة للغرباء بدلاً من أن تكون قلاعاً للمبادئ الصلبة.
عبقرية السموأل تكمن في أنه أدرك قبل آلاف السنين أن القوة التي لا تستند إلى مرجعية أخلاقية هي قوة عمياء ستنهار عند أول اختبار حقيقي للإرادات ولذلك نجد أن شعراءنا ومفكرينا الذين استلهموا هذه الملحمة لم يفعلوا ذلك من باب الترف الأدبي بل بحثاً عن تلك الحلقة المفقودة في نظامنا السياسي المعاصر الذي يفتقر إلى حصانة الأبلق وقدرته على قول لا في وجه العواصف العاتية فالمسألة لم تعد تتعلق بدروع مادية تركها امرؤ القيس بل تتعلق بدرع الكرامة الذي إذا ما سقط سقطت معه كل الحصون والقلاع وصار الإنسان مجرد رقم تافه في معادلات القوى الكبرى التي لا تحترم إلا من يملك منعة الروح وصلابة الموقف.
لقد استطاعت تيماء بجغرافيتها القاسية أن تصدر لنا درساً بليغاً في أن السيادة الحقيقية لا تنبع من حجم الجيوش أو كثرة الحلفاء بل من القدرة على البقاء وفياً للكلمة الأولى التي تعلو ولا يعلى عليها في عالم يضج بالكلمات المشتراة والمواقف المعلبة وهو ما يجعل من حصن السموأل مرجعية دائمة لكل من يريد أن يفهم كيف يمكن للواحة الصغيرة أن تتحول إلى مركز للكون عندما تقرر أن لا تساوم على شرفها التاريخي مهما كان حجم الحصار المضروب حولها ومهما بلغت وحشية المهاجمين الذين رحلوا وبقيت أصداء صمود الأبلق شاهدة على خيبتهم وخلود الموقف الذي لا يقبل القسمة على اثنين.
التلاعب بالسردية التاريخية للسموأل في الوعي السياسي العربي المعاصر لم يكن مجرد عبث أكاديمي أو استحضار فلكلوري للشهامة الضائعة بل كان عملية سطو منظمة قامت بها العقلية "القطرية" الانعزالية لتبرير انكماشها خلف حدودها المصطنعة بذريعة حماية الأمانة الوطنية تماماً كما تخندق السموأل خلف جدران الأبلق لكن شتان بين من يحمي درع السيادة وبين من يحمي كراسي التبعية تحت مسمى الخصوصية السياسية.
إن القراءة الانعزالية للسموأل تحاول تصويره كنموذج للحاكم الذي يغلق أبوابه أمام قضايا الآخرين الهاربة والمنكوبة بدعوى الحفاظ على استقرار الواحة وتماسك الحصن وهي قراءة قاصرة تتعمد تغييب الحقيقة الكبرى وهي أن السموأل لم يكن يبحث عن سلامة جسدية أو حياد سلبي بل كان في قلب الاشتباك الوجودي مع القوى العظمى ولم تكن تيماء في عهده مجرد زاوية معتمة بل كانت برزخاً يقرر مصير الهوية العربية الناشئة بين كماشتي الروم والفرس.
في المقابل نجد السردية القومية أو الاشتباكية تراه المتمرد الأول الذي دفع أغلى الأثمان ليس لإنقاذ شخص امرؤ القيس الفرد بل لإنقاذ المبدأ الذي يربط العروبة بعهد الكلمة وميثاق الشرف الذي يتجاوز حدود الجغرافيا الضيقة ومن هنا يبرز الصدام الفكري في عصرنا الراهن بين من يريد تحويل الوطن إلى أبلق مغلق مسكون بهاجس الخوف من الغرباء والمطاردين وبين من يرى في الوطن قاعدة انطلاق أخلاقية تلعب دور السموأل في حماية قضايا الأمة الكبرى مهما كان حجم الحصار الدولي المضروب حولها.
هذه السرديات الحديثة تعيد صياغة المأساة التاريخية للسموأل لتبرير الهروب من الاستحقاقات الكبرى فتجد أنظمة تبرر تفرجها على ذبح الأشقاء بمنطق الحفاظ على التوازنات الإقليمية تماماً كما لو أن السموأل قرر تسليم الدروع ليوفر دم ابنه لكنه لم يفعل لأنه أدرك بعبقرية القائد أن الاستقرار القائم على التفريط في الالتزام التاريخي هو استقرار زائف سيؤدي في النهاية إلى سقوط الحصن نفسه لأن القوة التي لا تحمي الغريب والمظلوم لن تجد من يحميها عندما تدور عليها دوائر الزمن.
هكذا يتحول السموأل في الفكر العربي المعاصر إلى مرآة كاشفة تعري عجز الدولة الحديثة عن ممارسة السيادة الحقيقية التي هي في جوهرها قدرة على الالتزام بالعهود الكبرى في وجه الضغوط العاتية وليست مجرد رفع أعلام فوق قلاع فارغة من المعنى الأخلاقي مما يجعلنا نتساءل بمرارة عن حال هؤلاء الذين يرفعون شعار الوفاء للسموأل في خطاباتهم بينما يمارسون في الواقع مهنة المنذر بن ماء السماء في مطاردة كل من يحمل أمانة أو درعاً لمستقبل هذه الأمة.
أصداء في مناجم الهوية : ملحمة الجود و الوفاء
2026-02-17
218 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال