في غمار تلك العصور الرمادية التي كانت فيها الإمبراطوريات تُبنى وتُهدم بحد السيف وحده، انبعثت الدولة الفاطمية من رحم الصحراء والغموض كأكبر مهندس للروح الجمعية في حوض المتوسط، فلم تكن مجرد سلالة تحكم بالحق الإلهي أو بالشوكة العسكرية، بل كانت مختبراً أنطولوجياً متكاملاً اشتغل على إعادة صياغة الحواس وتطويع الوجدان عبر سوسيولوجيا فريدة للبهجة، حيث أدرك العقل السياسي الإسماعيلي، منذ اللحظة التي وطئت فيها أقدام عبيد الله المهدي أرض المهدية في تونس وصولاً إلى لحظة تجلي المعز لدين الله على أبواب القاهرة في عام 362 للهجرة، أن السيطرة على الأبدان تبدأ من استعمار الخيال، ومن هنا لم تكن مدنهم مجرد كتل من الحجر والآجر، بل كانت "مشهديات" (Spectacles) كبرى تهدف إلى تحويل الرعية من مجرد أرقام في دفاتر الجباية إلى جمهور مبهور يرى في الخليفة ظلاً لله وفي الدولة تجسيداً للفردوس الأرضي. إننا هنا لا نتحدث عن تاريخ تقليدي يسرده الرواة في المقاهي، بل ننبش في "الأرشيف المسكوت عنه" الذي طمره النسيان المتعمد أو القراءات المذهبية الضيقة، لنجد أن الفاطميين قد استبقوا نظريات "القوة الناعمة" بقرون، فحوّلوا شهر رمضان من مجرد شعيرة تعبدية جافة إلى منصة كونية لاستعراض الثراء المعرفي والمادي، مستخدمين في ذلك هندسة دقيقة للصوت والضوء والمذاق، فكانت القاهرة المحروسة التي خطها جوهر الصقلي عام 969 ميلادية بمثابة "مختبر ثقافي" تدار فيه عمليات غسل أدمغة شعبي جماعي، ليس عبر الترهيب، بل عبر "الإغواء بالجمال" و"سوسيولوجيا الامتنان"، حيث يصبح السلطان هو واهب الضوء ومنزل السكر وصاحب الرنين الذي يملأ المآذن، مما خلق حالة من "الهيمنة الثقافية" التي اخترقت البنى التحتية للمجتمعات السنية في مصر وشمال إفريقيا، وهي هيمنة ظلت حية في الوجدان حتى بعد أن أجهز صلاح الدين الأيوبي على بقايا القصر الفاطمي وحول دواوينه إلى تراب، فالإرث الذي تركه الفاطميون لم يكن سياسياً قابلاً للكسر، بل كان سيميولوجياً مغروساً في نسيج العادات والتقاليد.
إن قصة "الفانوس" التي يتداولها الناس اليوم كألعوبة للأطفال، تخفي خلف زجاجها الملون تاريخاً من "الضبط المكاني" والسيطرة على المجال العام، فدخول المعز لدين الله إلى القاهرة في ليلة سابعة من رمضان لم يكن حدثاً عفوياً استُقبل فيه بالشموع، بل كان تدشيناً لسياسة "استعمار الليل" وتحويله إلى امتداد للنهار الاحتفالي، حيث كانت الشوارع في العصور الوسطى تمثل مناطق معتمة للخوف والمؤامرات، فجاء القرار السياسي الفاطمي ليحول القاهرة إلى أول مدينة في العالم الإسلامي "تضاء بالكامل" بقرار سيادي، ملزماً أصحاب الحوانيت والبيوت بتعليق الفوانيس المشحونة بالزيت، لا لغرض الإنارة فحسب، بل لخلق "تأطير ضوئي" للمقدس، فصار الضوء يرمز للولاية والشرعية، وأصبح المواطن الذي يسير في الشارع تحت وهج الفوانيس يشعر بأنه تحت عين الدولة الساهرة والحانية في آن واحد، وهذا ما يمكن وصفه بـ "الرؤية البصرية للسلطة" التي جعلت من الفانوس أداة سوسيولوجية تربط بين قدوم الخليفة وقدوم الشهر الفضيل، وهو ما يفسر بقاء هذا الرمز حياً حتى اليوم رغم تغير التكنولوجيا والسياسة، لأن الفاطميين نجحوا في تحويل "الأداة الوظيفية" إلى "هوية رمزية" عصية على المحو، مراهنين على أن الذاكرة البصرية هي الأطول عمراً في تاريخ الشعوب.
وعندما ننتقل من هندسة الضوء إلى "هندسة البطن"، نجد أنفسنا أمام مؤسسة سيادية مرعبة في دقتها وضخامة ميزانيتها وهي "دار الفطرة"، التي تأسست في عهد الخليفة العزيز بالله، ولم تكن هذه الدار مجرد مطبخ، بل كانت "وزارة للسيادة الغذائية" تضاهي في أهميتها ديوان الجيش، حيث تشير السجلات التي أوردها المقريزي في "اتعاظ الحنفاء" إلى أن الدولة كانت ترصد أكثر من 10,000 دينار ذهبي سنوياً لإنتاج أنواع من الحلويات التي لم يعرفها العالم القديم من قبل، فكانت الأسمطة الرمضانية التي تمتد في "قاعة الذهب" بالقصر بطول يصل إلى ثلاثمائة ذراع، تضم أصنافاً هندسية من "القطايف" و"الزلابية" و"البزماورد" المصنوع من صدور الدجاج المقلية بالزبد والمحشوة بالأسرار، وكان الغرض من هذا البذخ المفرط هو خلق حالة من "المساواة المؤقتة" بين الأمراء والفقراء تحت سقف السكر، حيث كان السكر في ذلك الزمان مادة استراتيجية ترمز للرفاهية المطلقة، وبامتلاك الدولة لسر صناعة الحلوى وتوزيعها المجاني، كانت تمارس نوعاً من "التخدير اللذيذ" للمعارضة، فالمجتمع الذي يشبع في مواسمه الدينية بفيض من حلويات القصر، يميل سيكولوجياً إلى ربط استقراره المعيشي بدوام السلطة الحاكمة، ومن هنا ولدت تقاليد "كعك العيد" المنقوش بعبارات "كل وأشكر" أو "بالشكر تدوم النعم"، وهي رسائل سياسية مشفرة كانت تُهضم مع كل لقمة، لتؤكد أن الدولة هي المنعم الأول والأخير.
وفي هذا الأرشيف المسكوت عنه نكتشف أسماء لأطعمة اندثرت أو تحورت، مثل "النيدة" التي كانت تُصنع من قمح مستنبت في طقوس تشبه الأسرار الفلسفية، و"السفوف" الذي كان يوزع في صواني الذهب، وهو ما يثبت أن المطبخ الفاطمي كان يمزج بين التراث المغربي الأمازيغي القادم من إفريقية وبين الترف العباسي الموروث واللمسة المصرية المحلية، ليخرج بتركيبة ثقافية عابرة للحدود، ولم يتوقف الأمر عند حدود الأكل، بل امتد إلى "هندسة الصوت" التي كانت مآذن الأزهر والزيتونة مسرحاً لها، فالفاطميون هم أول من وضع بروتوكولات دقيقة للأذان تهدف إلى خلق "خشوع مشهدي"، فحولوا المآذن إلى أبراج لتوزيع "الهوية الصوتية" عبر إضافة جملة "حي على خير العمل"، وهو ما كان يمثل إعلاناً سيادياً يومياً عن مذهب الدولة، كما اخترعوا مهنة "المسحراتي" و"بوطبيلة" في تونس كأدوات للضبط الزمني والمكاني، فالمسحراتي لم يكن مجرد منبه للنوم، بل كان "جهاز إعلام متنقل" يجوب الأزقة لينشر أدعية ومدائح للخليفة وآل البيت في هدوء الليل، مما يجعل من صوت الدولة هو آخر ما يسمعه المواطن قبل نومه وأول ما يسمعه عند استيقاظه، في تلاحم فريد بين الزمن البيولوجي والزمن السياسي.
أما "الخرجة" أو المواكب السلطوية، فقد كانت الذروة في "مسرحة الدين"، حيث كان الخليفة يظهر في غرة رمضان وفي العيدين بملابس بيضاء موشاة بالذهب الخالص، محاطاً بوزراء يحملون "المظلة" المذهبة والسيوف المرصعة بالجوهر، في عرض بصري يهدف إلى إرهاب الخصوم وإبهار الرعية، فكانت القاهرة تتحول في تلك الأيام إلى خشبة مسرح كبرى، يشارك فيها الجميع من عساكر ومؤذنين وحتى طوائف الحرفيين، مما خلق نوعاً من "السيمفونية الاجتماعية" التي تذيب الفوارق الطبقية في بوتقة الاحتفال الجماعي، ومن المثير للدهشة في السجلات التاريخية أن هذه المواكب كانت تضم ممثلين عن كافة الأطياف، مما يعكس رغبة الدولة في إظهار "تعددية منضبطة" تدين بالولاء للعرش الفاطمي، وهذا الذكاء في إدارة "المشهد" هو الذي جعل المصريين والمغاربة يتمسكون بطقوس الفاطميين حتى بعد زوالهم، لأنهم لم يجدوا في البدائل اللاحقة ذلك المزيج الساحر من البهجة والقداسة.
ولا يمكن قراءة هذا المختبر الثقافي دون التوقف عند "عروس المولد" التي تمثل أرقى درجات "تحويل السكر إلى فن"، فاستخدام القوالب الخشبية المزدوجة لصناعة العرائس والفرسان من السكر المنفوخ كان تطوراً تقنياً قاده "ديوان الحلوي" التابع للخليفة، بهدف تشجيع الجنود والشباب على الزواج في مواسم الفرح، مما ربط الخصوبة البشرية ببهجة الدولة، فالعروس السكرية لم تكن مجرد حلوى، بل كانت أيقونة سوسيولوجية تعيد إنتاج تمثلات الجمال والأنوثة في قالب إسلامي فاطمي، وهي التقنية نفسها التي استخدمت في صناعة "الحصان" لتمجيد الفروسية والقوة العسكرية، وهكذا نرى كيف تداخلت الصناعة بالفن بالسياسة في مختبر واحد كان هدفه النهائي هو "صناعة المواطن السعيد" المرتبط عضوياً بنظام الحكم عبر قنوات الحواس الخمس، إن التاريخ الفاطمي في حوض المتوسط ليس مجرد صراع على العروش، بل هو قصة نجاح باهرة في هندسة المجتمعات عبر "سوسيولوجيا البهجة"، حيث أثبت المعز والعزيز والحاكم بأمر الله، رغم كل التناقضات، أن الدولة التي تضيء شوارعها وتطعم فقراءها السكر وتغني لهم في الليل، هي دولة تستعصي على النسيان وتظل حية في "الخيال الشعبي" إلى أبد الآبدين، وما رمضاناتنا اليوم إلا صدى بعيد لتلك الصرخات والأنوار والموائد التي هندسها عقل سياسي فذ عرف كيف يطوع "المقدس" لخدمة "المشهدي" وكيف يجعل من "الامتنان" أقوى سلاح في ترسانة الإمبراطورية.
إن هذا الاستعراض الأنثروبولوجي يضعنا أمام حقيقة صادمة، وهي أننا ما زلنا نعيش في "الزمن الفاطمي" رمزياً وحسياً، رغم أننا في القرن الحادي والعشرين، فالفاطميون هم الذين رسموا لنا ملامح الفرح الجمعي، وهم الذين صمموا لنا "جغرافيا اللذة" في المدن العتيقة، بدءاً من تخطيط "قصبة القاهرة" وصولاً إلى أسواق المهدية والمنستير، حيث كانت الحوانيت تفتح أبوابها ليلاً تحت الضوء الفاطمي، لتخلق أولى ملامح "المدينة التي لا تنام"، وهو المفهوم الذي تفاخر به الحواضر العالمية اليوم، لكنه وُلد هناك، في دهاليز القصور التي كانت تدار بعقلية المختبر، حيث تلتقي الفلسفة الإسماعيلية العميقة بمتطلبات الشارع البسيطة، لتنتج هذا الهجين الثقافي المذهل الذي نسميه اليوم "تراثاً"، بينما هو في الحقيقة "هندسة سياسية" ناجحة بامتياز، استطاعت أن تحول "الدولة" من كيان بيروقراطي جاف إلى "كائن حي" يتنفس مع الرعية في كل مئذنة، ويذوب معهم في كل قطعة حلوى، ويضيء معهم في كل فانوس، لتظل "البهجة الفاطمية" هي العهد الوحيد الذي لم يستطع أي فاتح أو حاكم لاحق أن ينقضه أو يستبدله بغيره.
هندسة البهجة : المختبر الفاطمي لصناعة الوجدان المتوسطي
2026-02-17
232 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال