هذا نموذج المسائل التي تضيف لمسة من القتامة إلى مشهدنا الإسلامي الحزين، يسوّقها الوهابيون كأنها من أصول الاعتقاد وشروط دخول الجنة والنجاة من النار، يشاغبون بها على المسلمين ضمن سلسلة موضوعاتهم المعتادة التي تهدم ولا تبني، تفرق ولا تجمع، تفسد ولا تصلح، لا ينصرون بها دينا ولا يخدمون بلدا، ولا يغيظوهم عدوا، ولا يقدمون علما نافعا، بل يفعلون عكس هذا تماما كأنهم جُبلوا على معاكسة مقاصد الإسلام ونصوصه، حتى إن أحد شيوخهم في مصر لما تناول الموضوع وصف عبد الله بن عبد المطلب وآمنة بنت وهب بأنهما من المشركين الأنجاس، مع أني لم أسمع منه مرة – وأنا متابع لمناظراته الكثيرة – مثل هذا الكلام في الصهاينة الذين يبيدون أهل غزة غير بعيد عنه، أما زميله الآخر فقد صرح هكذا بكل وقاحة "إني أبغض والدي رسول الله"، وما سمعته يوما يصرح ببغضه للطغاة المفسدين في الأرض.
أما عن جوهر المسألة فقد حسم الفقيه والمفسر المالكي الكبير القاضي أبو بكر بن العربي الأمر بكلمة جامعة ساطعة قاطعة، فقد سئل عمن يقول إن والدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في النار فقال: "هو ملعون"، واستشهد بقول الله تعالى "إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة"، وقال "والله لا أعلم أذية أكبر ممن قالوا عن والديْه صلى الله عليه وسلم إنهما في النار".
وإجابة القاضي تغني عن الدخول في جدال لكننا نتساءل مع كل عاقل: ما الفائدة من نبش هذا الموضوع والتصريح به؟ هل هذا من الأحكام الشرعية أو العقائد التي يجب تبليغها؟ هل هذا من مكارم الأخلاق؟ هل هذا من محاور الدعوة إلى الله؟ إنه لا يخوض في هذا الموضوع إلا غبي أحمق لا عقل له، فهل يسألنا الله تعلى يوم القيامة عن مصير والدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل ورد هذا في قرآن أو سنة؟ ألا يتمثل الحد الأدنى من الوعي والأخلاق في إمساك اللسان وعدم الخوض تأدبا مع مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
ومع هذا أرى تنوير القراء بما ينفعهم ويرد شبهات المتسرعين، فأنبه إلى أن العرب كانوا على الفترة منذ إسماعيل عليه السلام، حيث لم يُبعث فيهم أي نبي، حتى بعثة آخر الأنبياء، حتى المسيح عليه السلام بُعث لبني إسرائيل وحدهم "يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم"..."بعثت لخراف بني إسرائيل الضالة"...والله تعالى يقول "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا"، وقال لنبيّه الخاتم "لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك"، أي لم يبعث فيهم نبي منذ إسماعيل عليه السلام، أما بعض العرب الذين تنصروا أو تهودوا فقد كان ذلك تطوعا واختيارا شخصيا منهم...هكذا تنتهي المسألة، لكن هؤلاء كأنهم فرغوا من حقدهم على الإخوان، ثم فرغوا من حقدهم على حماس فشرعوا في إعلان حقدهم على والدي خير الأنام صلى الله عليه وسلم! فيا للحمق! ويا لانحطاط الذوق! ويا لانتكاس الفطرة وعمى البصيرة!
ومما لا يُنسى أنه أياما قبل الغزو الأمريكي للعراق اجتمع مشايخ الصوفية في بغداد في ندوة "علمية" رفيعة المستوى ترأسها نائب رئيس الجمهورية للبحث في محور خطير وحساس جدا هو "هل كان للرسول صلى الله عليه وسلم ظل؟"، وذكّرنا هذا بأنه حين كانت مدافع السلطان محمد الفاتح تدك أسوار القسطنطينية كان كبار رجال الدين الأرثودوكس في اجتماع لاهوتي كبير بكبرى كنائسها منكبين على الإجابة على سؤالين خطيرين هما: "هل للنساء روح" و "ما هو جنس الملائكة؟"
هذه هي نتيجة الاشتغال غير البصير بما يسمى العقيدة والتوحيد – وهو لا علاقة له بالعقيدة الإسلامية الصافية ولا بالتوحيد الذي تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم – الذي يغيّب الوعي تماما، ويبتعد بأصحابه عن الواقع وحقائقه وتحدياته، ولا يعرف واجب الوقت، ولا فقه الأولويات، ولا أي نوع آخر من الفقه الحي المنعش الذي يرفع مستوى المسلمين إيمانيا وروحيا واجتماعيا.
وهكذا هي الوهابية، لا تتبدل، ولا تتغير، ولا تتطورن ولا تصحح المسار، ولا ترعوي أبدا، كل هذا لن في عقولهم إغلاقا وفي قلوبهم قسوة.
ختاما اذكر ادعياء العلم الشرعي والحرص على السنة بان الرسول أكد على مراعاة مشاعر المسلمين حيث نهى الصحابة عن سب أو ذكر أبي جهل بسوء أمام ابنه عكرمة عند قدومه مسلماً فاتحاً مكة، قائلاً: "يأتيكُم عِكرمةُ بنُ أبى جهلٍ مؤمنًا مهاجِرًا، فلا تسبُّوا أباهُ، فإنَّ سبَّ الميِّتِ يؤذي الحيَّ"
عبد العزيز كحيل
هل والدا رسول الله في النار؟
2026-02-16
70 قراءة
مختلفات
عبد العزيز كحيل
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال